انا اسفه

مني وقال
أنا مكنش قصدي أتنصت بس سمعت جزء من كلامكم.
سكت ثانية.
وأضاف
لو بتحبها بجد متسيبهاش لوحدها اليومين دول.
قلبي انقبض.
قلت
ليه؟
تنهد الراجل.
وقال
أنا بشتغل مع المستشفى من سنين وشوفت ناس كتير.
وسارة بقالها فترة شايلة حمل أكبر من طاقتها.
كل الناس فاكرة إنها قوية لكن محدش شايف إنها قربت تقع.
قبل ما أسأله أي حاجة تانية
لف ومشي بسرعة.
فضلت واقف مكاني بفكر في كلامه.
وفي نفس اللحظة
وصلتني رسالة من سارة.
فتحتها بسرعة.
كان فيها سطر واحد فقط
لو اتأخرت عليك الليلة أو حتى معرفتش أرد أوعى تقلق، لكن لو حصل العكس افتح الظرف البني اللي سبتُه تحت كرسي عربيتك.
جريت ناحيت العربية.
قلبي بيدق بعنف.
بصيت تحت الكرسي
ولقيت فعلًا ظرف بني مقفول بشريط لاصق.
مديت إيدي ناحيته
لكن قبل ما ألمسه، رن تليفوني من رقم غريب وقفت لحظة.
بصيت للظرف.
وبعدين للتليفون.
الرنة كانت مستمرة.
رديت.
ألو؟
جالي صوت راجل هادي.
حضرتك الأستاذ كريم؟
أيوه.
أنا دكتور حسام استشاري الطوارئ في المستشفى اللي سارة شغالة فيها.
قلبي انقبض.
قلت بسرعة
هي كويسة؟
سكت ثانيتين.
وقال
هي بخير بس محتاجينك لو تقدر تيجي.
من غير ما أسأل حاجة، ركبت العربية وانطلقت.
طول الطريق كنت بفكر في الظرف.
أفتحه؟
ولا أسيبه زي ما هو؟
في الآخر، حطيته في درج العربية.
وقلت لنفسي
لو هي قالت أفتحه يبقى أكيد ليه وقت.
وصلت المستشفى.
أول ما دخلت الطوارئ، لقيت المكان كله حالة استنفار.
أطباء بيجروا.
ممرضين داخلين خارجين.
أهالي بيعيطوا.
والجو كله ضغط.
دكتور حسام لمحني.
جه ناحيتي بسرعة.
وقال
تعالى.
مشيت وراه.
دخلنا أوضة استراحة صغيرة.
ولقيت سارة قاعدة على كرسي.
وشها مرهق جدًا.
لكن أول ما شافتني، ابتسمت.
ابتسامة صغيرة
وكأن وجودي ريّحها.
قلت بقلق
خير؟
بصت للدكتور.
الدكتور خرج وقفل الباب.
فضلنا لوحدنا.
قالت وهي بتتنهد
أنا كتبت الظرف ده من أسبوع.
استغربت.
ليه؟
قالت
لأن الأسبوع اللي فات كنت خلاص قررت أبعد.
أبعد؟
هزت رأسها.
كنت مقتنعة إنك تستحق واحدة تقدر تديك وقت مش واحدة عايشة بين صفارات الإسعاف وأجهزة الإنعاش.
سكتت لحظة.
وأضافت
الظرف فيه جواب كنت بقولك فيه إني هختفي من حياتك.
اتجمدت.
قالت وهي تبص في الأرض
لكن النهارده وأنا بكلمك في الكافيه اكتشفت إني مش قادرة.
مش قادرة أخسرك.
قبل ما أرد
الباب اتفتح بعنف.
ودخل شاب في أوائل الثلاثينات، هدومه متبهدلة وعينيه كلها دموع.
أول ما شاف سارة، جري عليها.
وقال بصوت مخنوق
الحمد لله إني لحقتك!
أنا بصيتله باستغراب.
وهو طلع من جيبه ظرف أبيض صغير.
ومده لسارة وهو بيقول
أنا دورت عليك من الصبح ولو مكنتش هنا، عمري ما كنت هعرف أشكرك.
سارة فتحت الظرف بارتباك
وأول ما شافت اللي جواه
انهارت في البكاء.
أما أنا
فماكنتش فاهم أي حاجة لسه فضلت واقف مكاني، مش فاهم إيه اللي بيحصل.
الشاب مسح دموعه وقال وهو بيبص لسارة
فاكراني؟
سارة حاولت تركز في وشه.
وفجأة فتحت عينيها بدهشة.
أنت… أحمد؟
ابتسم رغم دموعه.
أيوه… أحمد.
لف ناحيتي وقال
حضرتك متستغربش… أنا المريض اللي كان داخل الطوارئ من ست شهور بعد حادث الطريق الصحراوي.
بدأت سارة تفتكر.
الحادث اللي فضلت فيه أكتر من 12 ساعة واقفة على رجليها، من غير ما تقعد دقيقة.
أحمد كمل
أنا كنت بين الحياة والموت… وكل الدكاترة كانوا بيجروا بين الحالات، لكن هي رفضت تسيبني لحظة.
بص لسارة وقال
فاكرة لما كنت بقولك سيبيني… أنا خلاص بموت؟
نزلت دمعة من عين سارة وهزت رأسها.
قال
إنتِ قلتيلي وقتها طول ما أنا واقفة جنبك… هتقوم.
سكت لحظة، ثم طلع صورة صغيرة من الظرف.
كانت صورة لطفلة عندها حوالي أربع سنين.
ابتسم وقال
دي بنتي.
ثم طلع صورة تانية.
زوجته واقفة جنبه وهي حامل.
قال بصوت مكسور
لولا ربنا… ثم إنتِ… بنتي كانت هتكبر من غير أبوها.
مد لسارة الظرف.
ده جواب شكر كتبتهولك… ومعاه دعوة عيد ميلاد بنتي.
سارة مسكت الصور بإيديها الاتنين، وفضلت تبكي في هدوء.
أنا وقتها فهمت ليه كانت بترجع كل يوم منهكة… وليه عمرها ما كانت بتتكلم عن نفسها.
كانت شايلة حكايات ناس كتير… من غير ما حد يعرف.
أحمد بصلي وقال
لو هي وافقت تكمل حياتها معاك… حافظ عليها.
ابتسم ابتسامة حزينة.
هي بتنقذ ناس كل يوم… لكن محدش بيفكر ينقذها هي.
خرج من الأوضة بعد ما سلم علينا.
وساب وراه صمت غريب.
أنا قربت من سارة.
ومدت إيدي أمسح دموعها.
قلت بهدوء
ممكن دلوقتي أعرف… إيه اللي مخوفك بجد؟
رفعت عينيها ليا.
وأخذت نفسًا طويلًا.
وقالت
فيه حاجة عمري ما قلتها لحد…
وسكتت.
فضلت باصة في الأرض كأنها بتحارب نفسها.
وبعدين همست
السبب الحقيقي اللي خلاني أرفض الترقية… مش الشغل.
رفعت عينيها ناحيتي.
وقالت بصوت مرتعش
السبب… إني من أسبوعين عملت تحاليل… والنتيجة قلبت حياتي كلها…
ثم فتحت شنطتها ببطء…
وأخرجت ظرفًا طبيًا مختومًا.
ومدته ناحيتي وهي تقول
اقرأه… وبعدها قرر إذا كنت لسه عايز تكمل معايا.
يتبع…مديت إيدي ناحيته…
لكن قبل ما ألمس الظرف، رجعته لها.
قلت بهدوء
لو فيه حاجة تخصك… أحب أسمعها منك، مش من ورقة.
بصتلي باستغراب.
كأنها كانت مستنية أشوف النتيجة الأول.
فتحت الظرف بإيديها.
وأخرجت التقرير.
وقالت وهي بتحاول تثبت صوتها
من أسبوعين، وأنا بشتغل في الطوارئ، فقدت الوعي فجأة.
هزيت راسي وأنا بسمع.
كملت
الدكتور طلبلي تحاليل كاملة… وأشعة… وقال لازم أرتاح.
سكتت لحظة.
ثم ابتسمت ابتسامة مريرة.
وأنا طبعًا مرحتش.
قلت
وده اللي مخوفك؟
هزت رأسها بالنفي.
وقالت
لما رجعت أستلم النتيجة… قالولي عندي إرهاق شديد، وأنيميا حادة، ونقص فيتامينات، ولو كملت بنفس الطريقة ممكن أوقع في أي وقت.
تنفست الصعداء بدون ما أحس.
هي بصتلي باستغراب.
وقالت بسرعة
إنت… مش متضايق؟
ضحكت لأول مرة من ساعة ما دخلت.
وقلت
أنا افتكرت التقرير فيه حاجة أخطر بكتير.
بدأت هي تضحك وسط دموعها.
وقالت
أنا كبرت الموضوع في دماغي.
قلت
إنتِ اللي مديتي لكل الناس حقهم في الراحة… وجي الوقت تدي نفسك نفس الحق.
في اللحظة دي…
خبط حد على الباب.
دخل دكتور حسام وهو مبتسم.
وقال لسارة
فيه حد مستنيكي برا.
استغربت.
خرجنا معاه.
أول ما فتح باب الاستراحة…
اتفاجئنا إن ممر الطوارئ كله واقف.
دكاترة.
ممرضين.
عمال نظافة.
ورجال أمن.
أكتر من خمسين شخص.
وأول ما شافوا سارة…
بدأوا يسقفوا.
هي بصتلهم وهي مش مستوعبة.
واحدة
