رنا

رنا كانت قاعدة في أوضتها بتعيط بصوت مكتوم عشان أمها ما تسمعهاش، أبوها قاعد برا في الصالة وشه أصفر زي اللمونة وماسك ورقة في إيده بتترعش، الورقة دي كانت كمبيالة بمليون جنيه ماضي عليها لراجل صعيدي كبير اسمه الحاج دهب، الحاج دهب ده كان معروف في البلد كلها إن كلمته سيف ومحدش يقدر يقف قدامه، وكان مسلف أبو رنا الفلوس دي عشان كان هيدخل شحنة قماش كبيرة والمحل بتاعه كان هيقع، بس الشحنة اتحرقت في المخزن والفلوس راحت والتاجر الصعيدي جه يطالب بفلوسه، أم رنا كانت بتلف حوالين جوزها وتقول له هنعمل إيه يا أبو رنا، ده الراجل لو جه مش هيرحمنا، أبوها قال لها أنا هبيع البيت بس برضه مش هيسد الدين كله

سلمي صاحبة رنا الانتيم جت تجري عليها أول ما سمعت الخبر، دخلت الأوضة وقفلت الباب وقالت لها مالك يا بت يا رنا وشك عامل كده ليه، رنا حضنتها وقالت لها أبويا هيتحبس يا سلمي، الحاج دهب بعت له مرسال بيقول له يا الدفع يا الحبس وأنا مش عارفة أعمل إيه، سلمي طبطبت عليها وقالت لها طب ما تكلمي جودي بنت خالتك يمكن جوزها يقدر يساعد، رنا قالت لها جوز جودي مين ده اللي هيدفع مليون جنيه، ده احنا لو بعنا البيت نفسه مش هيجيب نص المبلغ، سلمي قالت لها طب هنعمل إيه، رنا قالت لها مفيش غير إني أدعي ربنا

في نفس الوقت ده في بيت الحاج دهب في الصعيد، كان قاعد هو وابنه الكبير أدهم، أدهم ده كان راجل طول بعرض وملامحه قاسية وعينه ما بترحمش، الناس في البلد كلها بتخاف منه وبتقول عليه قلبه ميت ومابيحبش الحريم خالص، من ساعة اللي حصل لأخته وهو بقى كده، الحاج دهب بص لابنه وقال له يا ولدي أنا لقيت حل يرضي الطرفين، الراجل اللي مديون لي هاخد بنته ليك، البت زي القمر ومتربية واسمها رنا، أدهم ضحك ضحكة باردة وقال له بنته، انت عارف أنا ماليش في الجواز يا حاج، أنا مش عاوز حريم في حياتي، الحاج قال له يا ولدي اسمعني، البت دي هي نفسها اللي كانت بتلعب مع أختك زمان، أدهم أول ما سمع الكلام ده وشه اتغير وعينه احمرت، قال له قصدك البت اللي زقتها في الترعة، الحاج قال له أيوه هي، أدهم قام وقف وقال يبقى جوازة الدهب دي هتبقى جوازة حساب قديم، أنا هوريها الويل

الحاج دهب كان عارف إن ابنه شايل نار في قلبه من يوم موت إيمان أخته الصغيرة اللي كانت عنده عشر سنين، إيمان كانت روحه وكان بيحبها أكتر من نفسه، ولما ماتت غرقانة في الترعة وهو عنده تمنتاشر سنة اتحول لبني آدم تاني، بقى قاسي ومبيضحكش ومش طايق حد، وأبوه كان نفسه يجوزه عشان يهدى، بس عمره ما كان يتخيل إن القدر هيجيب له بنت كانت في الحكاية دي

رنا كانت قاعدة مع أبوها وأمها لما الباب خبط ودخل الحاج دهب ومعاه أدهم، أبو رنا قام مفزوع وقال اتفضلوا يا حاج، الحاج قعد وقال بص يا أبو رنا أنا مش جاي أخرب بيتك، أنا جاي أسترك، أنا طالب إيد بنتك رنا لولدي أدهم، وأنا كده هعتبر الدين كله متسدد وفوقيه هافتح لك المحل من جديد وهرجعك تقف على رجلك، أبو رنا اتصدم وبص لبنته، رنا كانت بتبص لأدهم اللي كان بيبصلها بنظرة كلها غل وكره، حست إنها هتقع من طولها، بس لما شافت دموع أبوها وافقت، قالت بصوت واطي أنا موافقة يا حاج، بس بشرط أبويا ما يتمسش بأي سوء، أدهم رد عليها لأول مرة وصوته كان زي الرعد وقال لها انتي هتيجي معانا الصعيد ومش هتشوفي وش أهلك تاني إلا بمزاجي، رنا بلعت ريقها وسكتت

الفرح اتعمل بسرعة غريبة، مكنش فرح كان جنازة، رنا لابسة فستان أبيض بس وشها أبيض أكتر منه، وسلمي واقفة جنبها بتعيط وجودي بتحاول تهديها وتقول لها معلش يا رنا انتي بتضحي عشان أهلك وربنا هيعوضك، أسـر ابن عم أدهم كان واقف بعيد وبيبص على رنا بشفقة، أسـر ده كان الوحيد الطيب في العيلة دي، كان قريب من سن رنا وقلبه حنين وكان متعلم وبيسافر القاهرة، كان بيقول لأدهم يا ولد عمي حرام عليك البت ملهاش ذنب، بس أدهم مكنش بيسمع لحد، وإياد أخو أسـر الصغير كان واقف ماسك فستان رنا وبيقول لها انتي حلوة أوي يا عروسة، ركبت رنا العربية مع أدهم اللي طول الطريق ما نطقش كلمة واحدة، كانت حاسة إنها رايحة على سجن مش على بيت جوزها، وكانت بتبص من شباك العربية على القاهرة وهي بتبعد وبتعيط

وصلت بيت الحاج دهب، بيت كبير قديم مبني بالطوب اللبن بس من جوا مليان خير، دخلها أدهم أوضة فوق السطوح وقال لها دي أوضتك، قصدي أوضتنا، بس ليكي قوانين هتمشي عليها، أولا ما تخرجيش من غير إذني، ثانيا ما تكلميش حد من غير إذني، ثالثا تنسي إن ليكي أهل، رابعا ما تدخليش أوضتي إلا لما أناديكي، رنا بلعت ريقها وقالت له انت ليه بتعمل معايا كده، أنا عملت لك إيه، أنا وافقت أتجوزك عشان أنقذ أبويا، أدهم قرب منها وقال لها نسيتي، نسيتي لما كنتي بتلعبي مع أختي الصغيرة إيمان عند الترعة وزقتيها وسبتيها تغرق ومشيتي، أنا عمري ما نسيت منظر أختي وهي طالعة ميتة بسببك، رنا شهقت وقالت له والله ما زقتها، والله ما كان قصدي، كنا بنلعب والطين زحلقها، أنا حاولت أمسكها، أدهم زعق فيها وقال لها اخرسي، انتي كدابة وقاتلة وهتفضلي طول عمرك كده، وهعيشك نفس الوجع اللي عيشته

بدأت أيام الجحيم، أدهم كان بيعاملها أوحش معاملة، يصحيها من الفجر عشان تخدم البيت كله، تمسح وتكنس وتطبخ لعيلة كبيرة، ولو الأكل ناقص ملح يقلب الترابيزة عليها، ولو هدومه مش مكوية يزعق فيها قدام الكل، الحاج دهب كان راجل طيب بس مكنش قادر يتكلم مع ابنه، كان بيبص لرنا بكسرة نفس ويقول لها معلش يا بنتي استحملي بكرة يعقل، أما أسـر فكان بيحاول يساعدها من بعيد لبعيد، يجيب لها مية لما تكون تعبانة، يقول لها كلمة حلوة تهون عليها، يقول لها يا رنا انتي جدعة وربنا هيقف معاكي، وإياد الصغير ابن أخو أدهم كان بيحبها أوي وكان بيجي يقعد معاها ويقول لها يا طنط رنا احكي لي حدوتة، كانت بتحكي له حواديت عشان تنسى همها

رنا كانت كل يوم بليل تعيط لوحدها، تكلم سلمي في التليفون من ورا أدهم، تقول لها يا سلمي أنا تعبت، أنا مش قادرة، ده بيعاملني كأني خدامة مش مراته، عمره ما لمسني ولا قرب مني كأني نجسة، عمره ما قال لي كلمة حلوة، سلمي تقول لها اصبري يا حبيبتي بكرة ربنا يظهر الحق، جودي كمان كانت بتكلمها وتقول لها يا رنا افتكري إنك أنقذتي أبوكي من السجن وده عند ربنا كبير، رنا كانت بتحاول تصبر نفسها وتقول أنا هعيش، بس كل يوم كان بيعدي عليها سنة، وفي يوم كانت تعبانة أوي وسخنة وأدهم قال لها قومي اعملي الأكل مفيش دلع، رنا وقعت من طولها في المطبخ، أسـر هو اللي شالها وداها أوضتها وجاب لها دكتورة، أدهم لما عرف اتضايق بس جواه حس بتأنيب ضمير صغير بس كبّره

في يوم كانت رنا بتنضف أوضة الكراكيب اللي فوق السطح، الأوضة دي محدش بيدخلها من يوم موت إيمان، لقت صندوق خشب قديم مقفول ومليان تراب، فتحته لقت فيه لعب أطفال ودبدوب صغير وشرايط فيديو قديمة وفستان صغير بتاع إيمان، خدت شريط منهم وحطته في الفيديو القديم اللي في الأوضة، إيدها كانت بتترعش، الشريط اشتغل وظهرت فيه جنينة وترعة وبنتين صغيرين بيلعبوا، واحدة فيهم كانت رنا وهي صغيرة عندها بتاع سبع سنين والتانية كانت بنت صغيرة شعرها قصير هي إيمان أخت أدهم، كانوا بيجروا ورا بعض ويضحكوا ومبسوطين، وفجأة إيمان اتزحلقت على الطين ووقعت في الترعة، المية كانت عالية، رنا الصغيرة صرخت ومدت إيدها وحاولت تشدها بس الطين زحلقها هي كمان ووقعت على ركبتها واتعورت، قامت تجري وهي بتعيط وبتنده يا عم يا عم الحق إيمان بتغرق، وظهر في الفيديو راجل غريب كبير كان واقف بعيد بيشرب سجارة وشاف البنت بتغرق وما اتحركش وسابها ومشي بمنتهى البرود، رنا الصغيرة رجعت ومعاها ناس كتير من الغيط بس كان خلاص البنت غرقت، والكاميرا كانت بتاعة أبو أسـر اللي كان بيصور الغيط صدفة وساب الشريط في الصندوق ونسيه

رنا اتجمدت مكانها، بقت تعيط بهستيريا، يعني أنا مكنتش السبب، أنا حاولت أنقذها، أنا طول عمري شايلة ذنب مش بتاعي، جريت على برا وهي ماسكة الشريط في إيدها، أدهم كان داخل البيت لما شافها بتعيط وبتجري وهدومها كلها تراب، مسك دراعها جامد وقال لها رايحة فين يا مجنونة، قالت له شوف، شوف الحقيقة يا أدهم، شوف أنا مظلومة، شوف انت ظلمتني قد إيه، دخلته الأوضة وشغلت الشريط، أدهم وقف يتفرج ووشه بيتلون ميت لون، لما شاف أخته الصغيرة وهي بتضحك قلبه وجعه، ولما شاف اللقطة بتاعة الراجل اللي ساب أخته تموت وهو واقف يتفرج، مسك الحيطة بإيده من كتر ما هو مصدوم، الشريط خلص وهو واقف مكانه مش بينطق، عينه مليانة دموع لأول مرة من سنين

1 2الصفحة التالية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *