التلفون رن

حكايات انجى الخطيب
عدت الأيام بسرعة، والتحقيقات مشيت في طريقها الرسمي بدون أي مجاملة. النيابة أحالت هالة للحبس الاحتياطي، وأبويا وأمي جيلهم استدعاء رسمي للمحاكمة بتهمة الاشتراك والتستر وتعريض حياة طفلة للخطر. محامي العيلة حاول بكل الطرق يضغط عليا، بعتلي ناس تدخل، وشغلوا نغمة “صيانة الرحم” و”الصلح خير”، بس كل ما كان حد يكلمني، كنت بفتكر منظر سلمى وشعرها المبلول في المستشفى وصوتها الضعيف وهي بتقول “أنا كنت خايفة يا ماما”.. فكان الرد دايماً كلمة واحدة قاطعة: “القانون هو اللي هيحكم.”
في يوم جلسة النطق بالحكم، ما رضيتش أخد سلمى معايا. وقفت في قاعة المحكمة بثبات، ولما القاضي نطق بالحكم بالحبس المشدد لهالة، مع وقف التنفيذ لأبويا وأمي مراعاة لسنهم، حسيت إن فيه جبل ثقيل كان كاتم على صدري وانزاح في لحظة. ما شمتّش فيهم، لكن حسيت إن العدل أخيرًا أخد مجراه، وأن السكوت على الأذى باسم “الأهل” انتهى للابد.
غيرت أرقام تليفوناتي، وطلبت نقل لشغلي في فرع جديد، وأخدت شقة جديدة في مكان أهدى، شقة شمسها دافية وفيها جنينة صغيرة تقدر سلمى تلعب فيها بأمان. المكان الجديد ما كانش فيه أي ذكرى من الماضي.. كل زاوية فيه كانت بتتنفس هدوء وراحة بال.
في مسا يوم جميل، كنت قاعدة في البلكونة وبشرب قهوتي، وسلمى كانت بتجري في الصالة وبتضحك بصوت عالي وهي بتلعب بعروستها الجديدة. قربت مني، حطت راسها في حضني وبصتلي بعيونها الصافية وقالت:
“ماما.. هو إحنا كدا خلاص مش هنخاف تاني؟”
نزلت لمستواها، وطبطبت على شعرها بابتسامة طالعة من جوة قلبي، وبستها من جبينها وقلت:
“خلاص يا قلب ماما.. مفيش خوف تاني أبدًا. طول ما أنا تنفس، مفيش مخلوق في الدنيا يقدر يمس منك شعرة، ولا يقدر يسرق أماننا تاني.”
ساعتها بس أدركت إن اللي حصل ما كانش مجرد حادثة أو كابوس وعدى، ده كان ولادتي الحقيقية.. اللحظة اللي اتعلمت فيها إزاي أكون السند الحقيقي لنفسي ولبنتي، وأفهم إن السلام النفسي مش بيتوهب، السلام النفسي بياخده الإنسان بقوة لما يقرر يقطع كل إيد بتمتد عشان تأذيه، مهما كان اسمها.
مرت ست شهور.. الشتا دخل وهوا البيت الجديد كان دافي بضحك سلمى ورسمها اللي بقى مالي حيطان الصالة. حياتنا خدت مسار تاني تماماً، مسار هادي ونظيف مفيش فيه مجاملات على حساب صحتنا النفسية، ولا خوف من اللي جاي.
في يوم، وأنا واقفة قدام مدرسة سلمى الجديدة بانتظرها تخرج، لقيت أبلة الرسم نازلة معاها وبتسحبها من إيدها وهي بتضحك.
قربت مني وقالت بابتسامة صافية: “مدام نادية.. سلمى كسبت المركز الأول في مسابقة الرسم على مستوى المدرسة. اللوحة بتاعتها كانت ملفتة جدًا لكل لجنة التحكيم.”
سلمى طلعت اللوحة من شنطتها وفتحتها قدامي بشغف. كانت راسمة بيت صغير وراه شجرة كبيرة عريضة مالية الصفحة ومظللة على البيت كله، ومكتوب تحت الشجرة بخط أطفال متلخبط: “ماما هي السور بتاعي.”
دموعي نزلت، بس المرة دي كانت دموع فخر وحب حقيقي. قعدت على ركبتي وحضنتها بقوة، وقلتلها بصوت بيترعش: “إنتي اللي السند والأمل يا قلب ماما.”
وأنا ماشية راجعة بيها على العربية، موبايلي رن.. كان إيميل رسمي من شركتي ببلّغني بترقيتي لمنصب مدير الإدارة، الترقية اللي كنت مستنياها من سنين وكان أهلي دايماً يقللوا مني ويقولولي: “إنتي مش وش مناصب، انتبهي لبيتك وبس بدل الأوهام دي.”
بالليل، قعدنا أنا وسلمى نعمل كيكة بالشيكولاتة في المطبخ. الدقيق كان مالي وشوشنا والضحك طالع من جوة القلب. وفجأة الباب خبط خبطة خفيفة، كان البوسطاجي جايب جواب مسجل بعلم الوصول من المحكمة.. إخطار بإنهاء كافة القضايا وثبوت الحضانة الكاملة والولاية التعليمية ليا نهائيًا، مع أمر عدم تعرض رسمي صدر ضد أي حد يحاول يقرب مننا.
مسكت الورقة، بصيت عليها ثواني، وبعدين حطيتها في الدرج وقفلته بالمفتاح. ما حسيتش برغبة في انتقام، ولا حسيت بوجع قديم.. حسيت بس بإني أخيراً بقيت حرة ومالكة أمري.
تليفوني عمل صوت رسالة جديدة، كان إيميل من قريب بعيد بيحاول يوسّط نفسه وبيقولي: “أبوكي تعبان وبيسأل عنك، حنّي يا نادية عشان ربنا يباركلك في حياتك.”
مسحت الرسالة من غير ما أرد ولا حتى أتردد ثانية واحدة.
لأني اتعلمت إن البر مش معناه إنك ترمي نفسك وبنتك في النار عشان ترضي ناس شايفين أذاكي حق مكتسب.. البر الحقيقي هو إنك تحمي روحك، وتعيش سوي، عشان تقدر تطلع طفل مش مكسور.
بصيت لسلمى وهي بتاكل الكيكة بمتعة وبتقولي: “ماما.. الكيكة دي طعمها حلو أوي، هنعمل زيها بكرة؟”
ابتسمت، ومسحت الشيكولاتة من على خدها وقلتلها: “هنعمل كل يوم حاجة جديدة وحلوة يا سلمى.. من النهاردة، كل يوم في حياتنا هيكون حلو.”
