عيش

كانت رسالة من المحاسبة بتاعتي، ندى.

«أنا لقيت اللي طلبتيه. وراجعت كمان حركة الحسابات بتاعة المحل. كلميني قبل ما أحمد يلحق يحرك أي حاجة.»

وقفت مكاني.

أحمد شاف الاسم على الشاشة ووشه اتخطف.

وده أكد لي إني مكنتش بتخيل.

خلال الشهرين اللي فاتوا كنت رجعت أشتغل من البيت من غير ما أقول له أنا بدخل كام. مكنتش بداري عشان أخبّي فلوس؛ كنت محتاجة أتأكد من حاجة. كل ما ألمح إني هرجع أشتغل رسمي، أحمد يقلب حنين وطيب كام يوم. ولما يفتكر إني لسه «من غير دخل»، يرجع تاني للقلس والأوامر.

في ليلة لقيت الأكونت بتاعه مفتوح على التابلت. مكنتش بفتش في كلامه، بس جروب العيلة ظهر على الشاشة بسبب إشعار.
شيرين كانت كاتبة:
— «طالما هي مريحة في البيت، على الأقل تساعد أمي.»
الحجة عفاف ردت:
— «سيبوها. أول ما الراحة والفلوس اللي معاها تخلص هترجع تشتغل. وساعتها كل حاجة هترجع زي الأول.»
وأحمد رد بإيموجي موافق.
مكنوش بيتكلموا عني كإنسانة.
كانوا بيتكلموا عن حنفية فلوس ومقفولة وقتياً.
والأوسخ ظهر بعد كده.
من كام شهر أحمد طلب مني فلوس عشان «يساعد أمه توضب وتكبر المحل». المرة دي، ولأني تعبت من السلف من غير وضوح، عملت تحويل كقرض مثبت وخليته يوقع على إقرار بدَيْن.
هو اتضايق، بس وقع.
دلوقتي ندى اكتشفت إن جزء من الفلوس دي مادمَش في التوضيب أصلاً. أحمد خدها وسدد بيها ديون شخصية عليه عمره ما قال لي عنها.
بصيت لجوزي تاني:
— عايزني أمشي؟ تمام أوي. بس بكرة الساعة تسعة الصبح هيوصلك حاجتين: إنذار بالفلوس اللي عليك، وإخطار بإخلاء المحل اللي شركتي مأجراه لأمك من غير إيجار.
الحجة عفاف وشها جاب ألوان:
— محل إيه؟
أحمد غمض عينه.
بصت له وصدمتها باينة:
— أحمد… أنت مش قلت إن المحل ده بأسَمك؟
ابتسمت من غير أي فرحة:
— لأ يا حجة. المحل عمره ما كان بتاعه.
ولسه فاضل أشرح لكم أحمد ليه كان ميت وتشوفوني مش قادرة أعيش من غير مرتبه.
أحمد اتسمر مكانه. الحجة عفاف كانت بتبص له وشهقاتها بدأت تعلى:
— اتكلم يا أحمد! الكلام ده صح؟ المحل مش بتاعك؟
أحمد كان بيبلع ريقه بصعوبة، ووشه بقى أصفر زي الليمونة:
— يا أمي اهدي… كل حاجة هتحل…
— مفيش حاجة هتتحل —رديت وأنا باخد نفس عميق—. المحل بتاع شركتي العقارية، وأنا اللي سايباكي قاعدة فيه من غير مليم إيجار بقالك سنتين، تقديرًا مني لحاجات طلعت مش موجودة أصلاً. أما أستاذ أحمد، فكان عايز يفهمني إني من غيره ولا حاجة، عشان خايف… خايف جدًا إني لما أرجع أشتغل وأقف على رجلي تاني، أكتشف الديون اللي هو غرقان فيها من ورايا، أو أكتشف إنه كان بياخد من حسابي ويبعت لإخواته من غير ما أعرف!
شيرين اختفت ضحكتها تمامًا، وأخوه الكبير هشام وقف وقرب من أحمد:
— ديون إيه يا أحمد؟ أنت مش قايلنا إنك عامل مشروع مع واحد صاحبك وناجح؟
رديت أنا قبل ما أحمد ينطق:
— المشروع النجاح ده كان بيتمول من كارت الائتمان بتاعي اللي كان معاه للنفقات الطارئة! ولما خبيته عنه، راح استلف بضمان شغله، ولما زنقته الديون، جالي يدمع ويقولي أمي محتاجة توضب المحل.
الحجة عفاف قعدت على أقرب كرسي وهي حاطة إيدها على قلبها، مش عشان أزمة صحية، لا… عشان الصدمة في ابنها «السند» اللي كان عامل فيها الفارس الهمام على حساب مراته.
أحمد قرب مني ومسك إيدي بالرجاء:
— سارة… أرجوكي بلاش نعمل كده قدام العيلة، تعالى نروح البيت ونتكلم. نصلح كل حاجة بينا.
بصيت لإيده وهي ماسكة إيدي، وحسيت بقرف عمره ما دخل قلبي قبل كده.
— البيت؟ أنت نسيت إن الشقة اللي قاعدين فيها في المعادي ملكي أنا كمان؟ أنت هدومك وحاجاتك الشخصية هتوصلك على بيت أمك بكرة مع المندوب. مش هتدخل الشقة دي تاني.
— أنتِ بتطردي ابني؟ —صرخت الحجة عفاف وهي بتقوم—. بعد كل اللي عملناه عشانك؟ بعد ما لميناكي وجبرنا خاطرك؟
— لميتوني؟ —ضحكت بصوت عالٍ خلى الكل يسكت—. أنتِ فاهمة الموضوع غلط يا حجة. أنا اللي كنت الشجرة اللي مضللة عليكم كلكم. أنا اللي دفعت مصاريف جامعة ابن اختك، وأنا اللي جبت مهندس صلح سقف بيتك ده لما كان بيمطر عليكم في الشتا، وأنا اللي عملت لك اسم في السوق بالمحل الجديد. أنتِ ملميتنيش… أنتِ استغليتيني! ولما افتكرتي إن البئر جف، رميتيني وبُخلتي عليا بطبق أكل في عزومتكم.
أحمد صرخ فيا:
— خلاص يا سارة! كفاية بقى! أنتِ فاكرة نفسك إيه عشان تذلينا بفلوسك؟
— أنا مش بذلكم —رديت بهدوء مرعب خلاه يرجع خطوة لورا—. أنا بعرفكم حجمكم الحقيقي من غيري. أنت طلعت أجبن من إنك تعترف بمشكلتك الصحية، وأصغر من إنك تصون الست اللي شالتك ورَفعتك.
لفيت ضهري ومشيت ناحية الباب. أحمد جرى ورايا للشارع وهو بيترجاني:
— سارة وحياة أغلى حاجة عندك استني، أنا بحبك، أنا بس كنت حاسس بقلة الحيلة قدامك، حسيت إنك أحسن مني في كل حاجة فكنت عايز أحس إن ليا كلمة!
وقفت وبصيت له في عينه:
— الكلمة بتتاخد بالرجولة والاحتواء، مش بالتطاول والاستقواء لما الشدائد تجي. أنت خسرتني يا أحمد… وخسرت كل حاجة كنت فاكر انك بتمتلكها.
ركبت عربيتي ومشيت.
تاني يوم الساعة تسعة الصبح، ندى المحاسبة والمحامي بتاعي كانوا بدأوا الإجراءات. وصل لأحمد إنذار رسمي برفض التجديد وإخلاء المحل خلال 15 يوم، مع إخطار بالسداد للديون والمبالغ المثبتة عليه بإقرارات الدين.
أحمد حاول يكلمني مئات المرات، بعتلي رسائل اعتذار وتوسلات، وإنه مستعد يروح معايا لأي دكتور، وإنه هيتأسف لي قدام عيلته كلها. بس اللي بيموت جوة القلوب مابيرجعش.
الحجة عفاف بعتت لي قرايبها يترجوني عشان المحل، لأن ده كان مصدر دخلهم الوحيد. بس أنا مكنتش عبيطة تاني؛ بعت للمحل مشتري جديد واسترديت أصولي بالكامل.
بعد أربع شهور، تمت إجراءات الطلاق.
رجعت لشغلي بقوة أكبر، مسكت مشاريع جديدة في العاصمة الإدارية وفي التجمع، ورجعت لحياتي ولنفسي اللي كنت نسيتها في زحمة البحث عن «عيلة» مزيفة.
عرفت إن العيلة مش بالدم ولا باللمة على أكل ومحشي… العيلة بالأصل، بالجدعنة، وبأن الشخص يشيلك في ضعفك قبل قوتك.
دلوقتي، بعد مرور سنة… أنا عايشة في هدوء وسلام نفسي. أحمد رجع يعيش في أوضته القديمة في بيت أمه في شبرا، بياخد نص مرتبه عشان يسدد أقساط الديون اللي عليه، وكل ما يبص للمحل المقفول في الشارع، بيفتكر إن العز اللي كان فيه… كان بفضلي، وإنه هو اللي هدمه بإيده.

الصفحة السابقة 1 2 3 4 5الصفحة التالية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *