كل اللي قاعدين بصوا لي لما خطيبي قدّم أول حتة لحمة لصاحبة عمره، وقال لها بحنية بالراحة يا حبيبتي كلي على مهلك، محدش هياخدها منك.... مازن كان لسه ماسك ماسك الفحم، وطلع أول سيخ كفتة مشوي من على الشواية. بس ما حطهوش في طبقي. حطه براحة جوه رغيف بلدي، ونفخ فيه عشان سخن، وناوله لنهى، صاحبة طفولته وبنت جيرانه القديمة. براحة يا نهى ما تتلسعيش ... قالها وهو باصص لها بعينين بتلمع. نهى ابتسمت ابتسامتها الرقيقة المعتادة، كأن اللي بيحصل دا الطبيعي في الكون. أنا اللي صاحية من ستة الصبح، بجهّز لليوم دا بتاع الشركة في وادي دجلة. لفيت على كل حاجة الأوتوبيسات، شنط الإسعافات، الكشافات، الأكل، وحتى تصاريح المحمية. حتى تتبيلة اللحمة والكفتة أنا اللي عاملاها بإيدي من إمبارح بالليل. حصري على صفحة روايات و اقتباسات...وفي الآخر، أول رغيف راح ليها هي...تاني. وزي كل مرة. قلعت دبلة الخطوبة وحطيتها على الطبق الفل اللي قدامي. مريم، إيه الجنان ده؟ بتعملي إيه؟ ... مازن سأل بذهول. بنهي حاجة كان المفروض أنهيها من شهور. كان باقي عشر أيام بالظبط على كتب كتابنا. خمس سنين خطوبة وعِشرة. حكايات_مني_السيد شقة شاريينها سوا ودافعين دم قلبنا فيها في مدينة نصر. ومشروع كبير في الشركة، طريق النجوم، اللي كان المفروض هيقلب مستقبلنا الوظيفي. مازن ضحك ضحكة متوترة ومستفزة هتبوظي جوازتنا عشان رغيف كفتة؟ لا، الكفتة دي كانت بس القشة اللي قصمت ظهر البعير، والحاجة الوحيدة اللي كل الناس شافوها بعينهم. طلعت تليفوني، فتحت السيستم بتاع الشركة ودخلت على بروفايل المشروع المشترك اللي ماسكينه إحنا الاتنين. دوست على سحب تفويض التوقيع. وشه بهت في ثانية عملتي إيه؟! شيلت إمضتي. ومفيش ورقة، ولا توريدات، ولا موافقة أمان هتطلع من غير ما الإدارة تراجع كل مليم وكل بند من الأول. إنتِ بتخلطي المشاكل الشخصية بالشغل كده عيني عينك؟! بصيت في عينيه ببرود لا يا مازن.. إنت اللي بقالك شهور مخليهم حاجة واحدة ومقضيها. نهى ادخلت بنبرة المسكنة اللي حافظاها صم يا مريم عشان خاطري بلاش تعملي كده.. مازن كان بيراعيني بس عشان عارف إن قولوني بيتعبني من السفر. بصيت على الرغيف اللي في إيدها سبحان الله.. الكفتة دي مليانة فلفل حار وشطة من اللي بنحبها، وإنتِ لسه قايلة قدام الكل إن الحامي بيموتك. نهى اتجمدت مكانها وماردتش. الناس من حوالينا كل واحد وطى وشه في الأرض وبص في تليفونه من الإحراج. مازن مسك إيدي من معصمي بعنف شوية هتروحي معايا دلوقتي وهنتكلم في البيت. نفضت إيده بقوة الكلام بكرة الصبح. الساعة تسعة بالدقيقة، في الشركة. مارجعتش على الشقة ليلتها. روحت على الاستوديو الصغير بتاعي اللي لسه محتفظة بيه في المعادي. دخلت على الواتساب ولغيت حجز القاعة، الفوتوجرافر، البوفيه، وفرقة الزفة. بعدها فتحت حساب البنك المشترك اللي محوشين فيه فلوس تجهيز الفرح عشان أشوف الخسارة قد إيه. وهنا كانت الصدمة اللي طيرت النوم من عيني. سحوبات ومصاريف غريبة عمري ما سمعت عنها ولا وافقت عليها أدوات تخييم غالية، جلسات تصوير سيشن، مطاعم فنادق خمس نجوم، وحجوزات شاليهات. وكل عملية مكتوب قدامها نفس الكود أو الوصف. نهى. حصري على صفحة روايات و اقتباسات. وفلوس تانية متحوّلة لشركة تنظيم رحلات خاصة اسمها إيكو ترافيل. إيديا تلجت من الصدمة والقهر. الفلوس دي مكانتش من جيب مازن الشخصي. دي الفلوس اللي كنت بحط فيها شقايا ومكافآت شغلي وجمعياتي عشان مصاريف فرحنا وبيتنا. سجلت كل كشف حساب ونزلته على الفلاشة، سكرين شوت ورا سكرين شوت. الساعة اتنين بالليل، كريم زميلنا اللي كان بيصور ستوريهات لصفحة الشركة الداخلية، بعتلي الفيديو الأصلي اللي صوره عند الشواية. فتحته. قبل ما مازن يناول نهى الساندوتش، واحد من الشباب كان بيهزر وقال بصوت عالي يا مازن، مريم شكلها هبطانة ومأكلتش من الصبح يا عم! مازن رد عليه من غير حتى ما يرفع عينه فيا وبمنتهى الاستهتار مريم مابتركزش في جو الهبل ده، فكك. رجعت الفيديو وعيدت الجملة دي تلات مرات. ما قالش مريم مش جعانة. هو قرر بالنيابة عني إني ماستهلش اهتمامه، وإني مش فارقة. تاني يوم، الساعة تسعة بالدقيقة، دخلت أوضة الاجتماعات الكبيرة. مازن كان قاعد ومتوتر. ونهى كانت قاعدة جمبه بتطبطب عليه. ولابسة الجاكيت الووتربروف اللي كنت جايباه لمازن هدية في عيد ميلاده اللي فات من زارا. وساعتها استوعبت إن كل التنازلات اللي عملتها زمان كانت رخص في نظره، بس اللعبة اتقلبت خلاص... والمفاجأة اللي كانت مستنياهم الاتنين على باب الأوضة، مكنتش تخطر على بال مخلوق......!!!! حكايات_مني_السيد فتحت الباب بهدوء مريب، الصوت الوحيد اللي كان طالع هو خبطة كعبي الخفيفة على الباركيه بتاع أوضة الاجتماعات. الهوا جوه كان ساقع ومكتوم، ريحة التكييف المركزي مختلطة بريحة قهوة تركي لسه مغلية، وريحة تانية عرفتها فورًا.. نفس البيرفيوم الرخيص اللي نهى بتغرّق بيه نفسها من سنين، واللي كنت كل ما أسأل مازن يقولي يا بنتي دي زي أختي وبستحملها وخلاص. مازن رفع عينه فيا أول ما الباب اتحرك. وشه كان شاحب، وتحت عينيه سواد ليلة باين إنه مانامش فيها دقيقة واحدة. فرك إيديه في بعض وحاول يقف، لكنه اتسمر مكانه لما شافني ماشية بثبات، لابسة بدلي الرسمية الكحلية، شعري مربوط ومشدود لورا، وفي إيدي اللاب توب بتاعي والملف الجلدي الأسود المتين. نهى ما رفعتش عينها علطول. كانت ساندة كوعها على الترابيزة البيضاوية الفخمة، لابسة نفس الجاكيت الووتربروف الكحلي، اللي أنا شخصيًا لفيت عليه في سيتي ستارز واشتريته لمازن بفيزتي، كهدية لما اتقى في الشركة. السوستة كانت مقفولة لنص صدرها، وأكمام الجاكيت متنية مرتين عشان كانت واسعة وطويلة على كتافها الضئيلة. كانت بتعمل نفسها مشغولة بورق قدامها، بس صوابعها اللي كانت بتفرك في قلم الحبر كانت بتفضح ارتباكها. كويس إنك جيتي في ميعادك يا مريم. مازن اتكلم بصوت متحشرج، محاول يفرضه كمدير اللي عملتيه إمبارح في المحمية حركة مش بروفيشنال أبدًا، والناس كلها بدأت تتكلم و... قاطعته من غير ما أعلي صوتي، حطيت الملف الأسود فوق الترابيزة بصوت رزع مكتوم خلا نهى تتنفض من مكانها الناس بتتكلم من شهور يا مازن، بس إنت كنت فاكر إنك مغمي عيونهم زي ما كنت فاكر إنك مغمي عيني. قعدت على الكرسي المقابل ليهم تمامًا، مش جمبهم. حطيت رجل على رجل وفتحت شاشة اللاب توب. نهى بصتلي بعيون بريئة مصطنعة، صوتها طالع واطي ومكسور كعادتها الدايمة مريم، عشان خاطري اقعدي نسمع بعض.. إحنا عشرة برضه، والموضوع مش مستاهل كل الشوشرة دي. دا أنا حتى جيت بدري عشان أصلح بينكم قبل ما حد من البورد يدخل ويشوف المنظر ده. بصيت على كم الجاكيت المتني، وعيني اتثبتت على اللوجو الصغير المطرز عند جيب الصدر. أصلح بينكم؟ بلبس خطيبي، وبساندوتشاتي، وبفلوسي اللي اتسحبت من البنك؟ مازن وشه احتقن بلون الدم، ضرب بكفه على الترابيزة فلوس إيه وبتاع إيه اللي بتهببي بيه ده؟! إنتِ خلاص اتجننتي رسمي؟ جاية تعمليلي دراما مراهقين في مكاتب الشركة؟! دراما؟ ابتسمت ابتسامة باردة جدا، نوع الابتسامة اللي بيخوف أكتر من العياط والزعيق لا يا بشمهندس، الدراما خلصت إمبارح في وادي دجلة لما رميت لك الدبلة في طبق الفل عشان تشبع بيها إنت والهانم. دلوقتي وقت الحساب.. الحساب بالورقة والقلم. فتحت شاشة اللاب توب ولفيتها لمحة نيوز ناحيته. على الشاشة، كانت معروضة صورة كشف حساب بنك مصر، الحساب المشترك اللي فتحناه من تلات سنين عشان نجمع فيه كل قرش رايح لشقتنا، لفرش الصالون، للأجهزة الكهربائية، ولمؤخر الصداق اللي كنت مساهلة فيه على الآخر عشان بحبك وببني معاك. عشرة آلاف جنيه في سيمينار وهمي، خمسة وعشرين ألف لشركة إيكو ترافيل بتاعة الرحلات، سحب كاش من ماكينة جنب بيت نهى في مصر الجديدة، وحجز أوتيل في دهب باسم مازن ونهى في الويك إند اللي قولتلي فيه إنك بايت في الشغل عشان تراجع البنية التحتية لسيستم طريق النجوم. نهى وشها بهت، القلم وقع من إيدها ودحرج على خشب الترابيزة لحد ما نزل على الأرض برنة رنانة. مازن بلع ريقه بصعوبة، عروق رقبته نفرت إنتِ... إنتِ بتفتشي ورايا؟ إنتِ متخيلة إن الحساب ده ملكك لوحدك؟ أنا حر أتصرف في الفلوس كشريك! شريك؟ ضحكت ضحكة قصيرة مليانة سخرية الحساب ده إيداعاتي فيه تمثل ٧٠٪ يا مازن. مكافآت التقييم السنوي بتاعتي، جمعية أمي الله يرحمها اللي قبضتها أول واحدة وحطيتها باسمنا، وبدل السفر اللي طلعته لفرع دبي السنة اللي فاتت.. كل مليم داخل برقم كودي ومثبت بإيصالات تحويل من مرتبي أنا. إنت إيداعاتك مكانتش بتغطي حتى مصاريف بنزين عربيتك اللي واخد قسطها على حس المشروع! مريم، والله الموضوع سوء تفاهم! نهى اتكلمت بسرعة ونبرة صوتها اتهزت، دمعتين جهزوا في عينيها بالطلب مازن كان بيساعدني.. شركتي الخاصة كانت بتمر بضائقة، وهو وعدني إنه هيعتبر الفلوس دي سلفة مؤقتة لحد ما مشروعي يقف على رجله.. إحنا مكناش بنعمل حاجة غلط! شركتك الخاصة؟ ميلت بضهري لورا وبصيتلها بتركيز يسلخ الجلد قصدك الشركة اللي متسجلة باسم والدتك صورياً، واللي هي في الباطن شركة مقاولات فرعية لتوريد خيام ومعدات التخييم للمحمية؟ نفس الشركة اللي مازن مضى ليها أمر توريد مباشر بميتين وخمسين ألف جنيه من ميزانية طريق النجوم الأسبوع اللي فات، من غير مناقصة ومن غير ما أنا أعتمد الصرف بصفتي مدير المشروعات المشترك؟ صدمة الاتنين كانت كفيلة تلجم لسانهم. مازن وقف فجأة، الكرسي رجع لورا بصرير عالي إنتِ سرقتي ملفات الشغل؟! دا اختراق لسياسة الخصوصية، أنا ممكن أطردك قانونياً وأسجنك! اطردني؟ رفعت حاجبي بهدوء وقفت في مواجهته، كانت المسافة بينا متر واحد بس، بس كانت المسافة دي بتفصل بين سنين من السذاجة والعمى، وبين واحدة لسه فايقة من كابوس إنت فاكر إني مستنية لحد تسعة الصبح بس عشان أواجهك إنت وهي؟ فاكر إني هضيع وقتي في خناقة نسوان على ساندوتش كفتة وجاكيت زارا مستعمل؟ قبل ما مازن يرد، صوت مقبض الباب اتحرك. الباب اتفتح على وسعه، ودخل اتنين مكنوش على بالهم إطلاقاً. أول واحد دخل كان أستاذ فريد الدسوقي، رئيس مجلس الإدارة والمدير التنفيذي، راجل في أواخر الخمسينات، ملامحه صارمة ونظارته الطبية محطوطة على طرف مناخيره. ووراه مباشرة، دخل اتنين من إدارة الرقابة الداخلية والمراجعة المالية، ومعاهم المستشار القانوني للشركة، شايلين كراتين بيضا مخصصة لأرشفة ملفات التحقيق. نهى شهقت وحطت إيدها على بؤها. مازن وشه اتجرد من أي نقطة دم، بقى شاحب زي الكفن. صباح الخير يا سادة. أستاذ فريد اتكلم بصوت هادي، تقيل، يرعب أكتر من أي صراخ. دخل وقعد على رأس الترابيزة، والمستشار القانوني وقف وراه، بينما المراجعين بدأوا فوراً يفتحوا لاباتهم ويطلعوا دوسيهات مطبوعة. أستاذ فريد.. مازن حاول يرتب كلامه، لسانه تقل وصوته بقى بيقطع فيه.. فيه سوء تفاهم كبير.. مريم دخلت مشاكلنا العائلية والشخصية في بيئة العمل، وجاية تبتزني قدام حضرتك ب... أستاذ فريد رفع إيده ببطء، حركة بسيطة خرست مازن في ثانية واحدة. أقعد يا بشمهندس مازن. أقعدي يا آنسة نهى. الاتنين قعدوا كأنهم مسلوبين الإرادة. أنا فضلت واقفة، راسي مرفوعة، عيني مش بتنزل من على وش مازن اللي كان بيتصبب عرق رغم برودة التكييف اللي بترعش العضم. البشمهندسة مريم ما جابتش سيرة أي مشكلة شخصية لما كلمتني الساعة واحدة الفجر، أستاذ فريد قالها وهو بيشاور للمستشار القانوني يوزع نسخ من ورق رسمي قدام الكل البشمهندسة مريم بعتتلي ملف رقمي كامل من خمسة وأربعين صفحة، فيه مراجعة تفصيلية لكل أمر توريد اتعمل لمشروع طريق النجوم على مدار الست شهور اللي فاتوا. رمى نظرة حادة لمازن وكمل كنت مأمنك على ميزانية المشروع الأكبر في تاريخ الشركة، معتمد إن مريم شريكتك وهي صمام الأمان اللي بيراجع وراك الشق الفني والتنفيذي. لما تفاجئنا إنك بقالك تلات أسابيع بتعتمد فواتير توريد خامات رديئة من شركة إيكو ترافيل بأسعار أضعاف سعر السوق، وبتحط إمضا إلكترونية مكررة على إنها إمضا مريم، يبقى الموضوع هنا مبقاش مشاكل خطوبة يا بشمهندس.. ده اسمه في القانون تزوير، واختلاس، وتربيح الغير. نهى بدأت تعيط بهستيريا يا فندم والله أنا مليش دعوة! مازن هو اللي جالي وقالي هيدخلني في البيزنس عشان أساعد أهلي! هو اللي كتب العقود وهو اللي حدد النسب، أنا مجرد واجهة، مكنتش أعرف إنه بيعمل حاجة غلط في حق الشركة! مازن التفت ليها بصدمة، عينيه جحظت وهو شايف البنت الرقيقة المسكينة اللي كان بيطعني في ضهري عشان يرضيها، بتبيعه في أول دقيقة ومن غير حتى ما تفكر تستر عليه. إنتِ بتقولي إيه يا نهى؟! إنتِ اللي قولتلي إنك محتاجة سيولة عشان محلك واقع، وإنتِ اللي أصريتي إننا نعمل عروض الأسعار مضروبة بالاتفاق مع الموردين! بتبيعيني دلوقتي؟! أنا مبعتكش! نهى صرخت وصوتها الرقيق اتبخر تماماً، وبانت نبرة تانية خالص مليانة غل وذعر إنت اللي ورطتني! إنت اللي كنت بتوهمني إنك ماسك الشركة في إيدك وإن مريم دي عبيطة ومغمية عينيها ومبتفهمش غير في الشغل وبس وهتمضي على أي حاجة تجيبها لها! الجملة دي نزلت على الأوضة زي تلج متجمد. بصيت لمازن. كان باصص للأرض، كتافه مهدودة، وشه محمر من الخزي، مقدرش يرفع عينه في عيني. الكلمة رنت في ودني عبيطة ومغمية عينيها. سنين من عمري، خمس سنين كنت بصحى قبله بساعتين، أراجع له البرزنتيشن، أصلح له غلطات الإنجليزي في الإيميلات المهمة، أكتب له التقارير اللي كان بياخد عليها شكر من الإدارة، وأعمل نفسي مش واخدة بالي عشان كرامته قدام المديرين وقدام نفسه. سنين وأنا برتب له حياته وأدير له ميزانيته وأطبخ له الأكل اللي بيحبه وأستحمل بروده وتجاهله بحجة إنه مضغوط عشان بنبني مستقبلنا. وفي الآخر، كنت في نظره ونظر صاحبة طفولته مجرد عبيطة. كفاية رخص. قولتها بصوت واطي بس حاسم، الكلمة خلت نهى تسكت ومازن ينكمش في كرسيه. أستاذ فريد خبط بقلمه على الترابيزة الموضوع خرج من إيد الإدارة الداخلية خلاص. الشئون القانونية عملت حصر مبدئي، العجز في عهدة البشمهندس مازن يقارب سبعمية ألف جنيه، غير الشبهة الجنائية في التزوير. تم تحرير محضر رسمي، والنيابة العامة هي اللي هتفصل بينكم. ومن اللحظة دي، إنتوا الاتنين موقوفين عن العمل تماماً، وشركتك يا آنسة نهى دخلت القائمة السوداء، ومش هتخرجي من هنا غير مع أفراد الأمن لتسليم الكارنيهات وكل أجهزة الشركة. نهى مسكت في كم أستاذ فريد وهي بتترجاه أبوس إيدك يا فندم! مستقبلي هيضيع، أهلي هيموتوا فيها، مريم قولي حاجة! إحنا بنات زي بعض وعارفة إن مازن هو السبب في كل ده! بصيت على الجاكيت اللي هي لابساه، وشاورت عليه بإصبعي افلعي الجاكيت ده. نهى برقت بذهول، قطعت عياطها إيه؟! بقولك اقلعي الجاكيت ده. ده بتاعي، شارياه بفلوسي وكنت مدياه هدية لراجل، طلع مفيش راجل هنا يستاهله. اقلعيه دلوقتي وسيبيه على الكرسي ده، وإلا هضيف للبلاغ سرقة متعلقات شخصية ومثبتة بفاتورة الشراء والرقم المسلسل اللي على تيكت الضمان. إيد نهى اترعشت، فكت السوستة ببطء وذل، قلعت الجاكيت ورزعته على الكرسي، ودموعها نازلة من الغيظ مش من الندم. الأمن دخل الأوضة بإشارة من المستشار القانوني، وأخدوا نهى اللي كانت بتعيط وبتلعن مازن بصوت عالي في الطرقة، وصوت كعبها بيجري هربانة من عيون الموظفين اللي اتجمعوا برة على الفضيحة. مازن فضل قاعد، متبهدل، قميصه مكرمش، وشه في الأرض. الأمن قرب منه، بس أستاذ فريد شاورلهم يستنوا دقيقة برة. فريد بصلي بنظرة احترام ممزوجة بأسف مريم.. أنا مقدر اللي بتمرّي بيه، بس الشركة محتاجة قيادة حقيقية ل طريق النجوم. المشروع ده لو اتعطل أسبوعين كمان، هندخل في غرامات تأخير بالملايين. إنتِ الوحيدة اللي فاهمة كل كابل وكل كود وكل مورد في المشروع. الإدارة قررت تعيينك مديرة تنفيذية كاملة الصلاحيات للمشروع، وبزيادة أربعين في المية على مرتبك، ونسبة أرباح من الإنجاز. أخدت نفس عميق، هوا نضيف لأول مرة من شهور طويلة. أنا جاهزة يا فندم. هراجع كل خطوة، وهجيب شركات محترمة تورد الخامات الأصلية في ظرف ٤٨ ساعة. المشروع هيتسلم في ميعاده وبأعلى جودة.. بس بشرط واحد. أمري يا مريم. الشقة المشتركة اللي بيني وبين مازن.. كانت واخدة قرض بضمان الشركة. عايزة الشئون القانونية تفك الارتباط، وتخصم نصيبي من أي التزامات، وتتحفظ على حصته لسداد ديون الشركة اللي اختلسها. مش عايزة طوبة واحدة تربط اسمي باسمه تاني في أي سجل عقاري أو بنكي. فريد بص لمازن، وبعدين بصلي وهز راسه تم. اعتبري ده حصل قانوناً قبل نهاية اليوم. فريد خرج، والمستشار القانوني ساب الأوضة عشان يدينا دقيقة أخيرة قبل ما الأمن يدخل يخرج مازن. الأوضة رجعت هادية. مازن رفع عينه فيا، كانت عينيه ميتة، صوت مهزوم تماماً هونت عليكي يا مريم؟ خمس سنين حب تدمريهم في ليلة؟ تدخلي النيابة بيني وبينك؟ أنا غلطت.. ضعفت قدام نهى وإغراء الفلوس، بس أنا عمري ما بطلت أحبك.. إنتِ مراتي، فرحنا كان بعد أسبوع! قربت من الكرسي اللي عليه الجاكيت، أخدته وتنيته بهدوء شديد وحطيته فوق دراعي. بصيت له في عينيه مباشرة، من غير غضب، من غير كره، بس ببرود تام يقهر أكتر من أي إهانة حب؟ إنت متعرفش يعني إيه حب يا مازن. الحب مش إنك تديني فضلات وقتك واهتمامك، الحب مش إنك تسيبني أتحرق في الشمس وأخدم الكل عشان تروح تقدم أول لقمة لواحدة تانية قدام عيني عشان تكسرني. إنت مدمرتش علاقتنا في ليلة، إنت كنت بتدمرها كل يوم وإنت بتكدب عليا، كل يوم وإنت بتستبيح شقايا، كل يوم وإنت بتشوفني بقع من التعب وبدل ما تسندني، كنت بتدور على طريقة تاخد بيها تعبي وتديه لغيري. أنا هدخل السجن يا مريم.. هتسيبيني أدخل السجن عشان رغيف كفتة وفلوس هترجع؟ صوته كان مخنوق بالدموع، دموع الندم المتأخر. السجن إنت اللي دخلت نفسك فيه بإيدك وتوقيعك وخيانتك.. وبالنسبة لرغيف الكفتة؟ دا كان أرخص حاجة في الليلة كلها، بس كان أغلى درس اتعلمته في حياتي إن اللي ما يشوفنيش أول الكل، ميستاهلش حتى يكون في آخر قايمتي. لفيت ضهري ومشيت ناحية الباب. مريم! عشان خاطر ربنا، استني! متسيبنيش كده! صرخ وهو بيحاول يقوم يجري ورايا، بس أفراد الأمن دخلوا الأوضة ومسكوه من كتافه وقعدوه على الكرسي بالقوة. طلعت الطرقة الطويلة. كل الموظفين كانوا واقفين على مكاتبهم، بعضهم بيبص بشماتة في مازن، وبعضهم بيبصلي بذهول وإعجاب. مفيش همسة واحدة طلعت من حد. مشيت وسطهم رافعة راسي، خطواتي ثابتة، والجاكيت على دراعي، ودخلت مكتبي الجديد، المكتب الكبير اللي كان مكتوب عليه يافطة مدير المشروع العام. قعدت على الكرسي الدوار الضخم، فتحت الشباك المطل على القاهرة كلها. الشمس كانت طالعة واضحة، دافية، وغسلت كل العتمة اللي كانت خنقاني. طلعت تليفوني، فتحت سجل المكالمات، وعملت بلوك نهائي لمازن، ونهى، ولكل رقم يخص عيلته. بعدها اتصلت بمهندس الديكور ألو، باشمهندس عصام؟ أهلاً يا باشمهندسة مريم، ألف مبروك مقدماً على الفرح! كنا مستنيين موافقتك على ألوان دهانات الريسبشن بتاع الشقة. الشقة اتلغت يا باشمهندس. بس عندي استوديو في المعادي محتاجة أعيد تصميمه بالكامل من أول وجديد.. عايزه واسع، مليان نور، ومفيهوش مكان لأي حاجة قديمة. قفلت المكالمة ورميت التليفون على المكتب. فتحت شاشة السيستم، وحطيت الباسورد الجديد، وبدأت أكتب أول تقرير شغل رسمي باسمي لوحدي المشروع طريق النجوم. المدير المسؤول مريم عبد الرحمن. الحالة إعادة بناء شاملة على نظافة. مرت الأيام الأولى بعد الفضيحة زي تيار مياه عاصف، بيكنس في طريقه كل الرواسب اللي كانت خنقاني. في الشركة، كل الأوراق اتفتحت على مصراعيها؛ لجان الجرد والمراجعة المالية قعدت ليل نهار تفلي كل فاتورة مازن مضى عليها، وكل إيميل طلع من حسابه. التحقيقات ما وقفتش عند حدود ال 700 ألف جنيه؛ المستشار القانوني وصل لعقود تانية فرعية كان بيسربها لما يسمى بشركات أصدقاء، ومن ضمنها عمولات غير مباشرة كانت بتتحول لحساب والدة نهى. النيابة استدعتهم رسمي، وفي أقل من تمانين ساعة، كان مازن محبوس على ذمة القضية، ونهى ممنوعة من السفر ومحطوطة تحت الإقامة الجبرية على ذمة رد المبالغ اللي دخلت حساباتها من أموال المشروع. تليفوني مكانش بيبطل رن من أرقام غريبة، ورسايل واتساب من خطوط ما أعرفهاش، كلها من أهل مازن. يا مريم يا بنتي حرام عليكي، ابننا مستقبله بيضيع.. ده كان باقي أسبوع ويبقى جوزك! اتنازلي عن الشق الجنائي والفلوس هنجمعهالك من قرايبنا ونسددهالك جزمة على رقبتنا.. بلاش فضايح في المحاكم! نهى بنت مسكينة واتضحك عليها، متخربيش بيوت عشان غيرة حريم! مسكت التليفون، ومن غير ما أرد بحرف واحد، عملت حظر لكل رقم، لحد ما غيرت الشريحة كلها برقم جديد ميعرفوش غير أستاذ فريد وفريق العمل الأساسي معايا في المشروع. الوجع اللي كان جوايا ما كانش ضعف؛ كان زي النار اللي بتكوّي الجرح عشان يقفل وميصدّيش. سنين عمري اللي ضاعت مع شخص كان بيحسبني ساذجة عشان كنت أصيلة وبتحمل، اتكشفت قدامي في لحظة واحدة.. وبدل ما أقعد أعيط على اللبن المسكوب، قررت إن الطاقة دي كلها تتحول لحاجة تانية خالص الشغل، والنجاح، وإني أثبت لنفسي وللدنيا كلها إن مريم مش مجرد عكاز بيسند حد فاشل، مريم هي العمود اللي كان شايل السقف كله، ويوم ما سابته، السقف وقع على دماغ اللي تحته. استلمت إدارة طريق النجوم بشكل كامل. قعدت مع التيم بتاعي؛ شباب زي الورد كانوا مقتولين ومهمشين تحت إدارة مازن، اللي كان بينسب كل فكرة ليهم لنفسه، وبيرمي كل غلطة على حد فيهم. جمعتهم في أوضة الاجتماعات الكبيرةنفس الأوضة اللي اتفضح فيهاوبصيت في وشوشهم اللي فات مات. المشروع ده باقي عليه تسعة أسابيع ولازم يتسلم للهيئة في ميعاده وبأعلى مواصفات. مش هطلب منكم مجهود خارق من غير مقابل؛ كل واحد هيشتغل ساعة زيادة هياخد أجرها بنظام الأوفر تايم المعتمد، والأرباح اللي متخصصة للإدارة هتتوزع علينا كلنا بالتساوي على حسب التقييم. مفيش هنا حد بياكل حق حد، ومفيش هنا حد هياخد فضلات حد. القاعة اتهزت من الحماس. حسيت وقتها إن الروح رجعت للمكان، وإن العتمة اللي كانت مفروضة على المشروع اتبددت. نقلت كل حاجتي من الشقة القديمة بتاعة مدينة نصر. المحامي بتاعي خلص كل الإجراءات بسرعة الصاروخ؛ الحجز التحفظي على نصيب مازن في الشقة عشان سداد مديونية الشركة سهّل إني أتنازل عن حصتي القانونية مقابل رد كامل المبالغ اللي اتسحبت من حسابنا المشترك مع تعويض مدني مبدئي، وفلوسي رجعت لحسابي الشخصي في البنك قرش ينطح قرش. خدت شنطي، وقفلت باب الشقة دي ورايا للأبد، وسلمت مفتاحها لحارس العقار والمحامي، ومن غير ما التفت ورايا خطوة واحدة. الاستوديو بتاعي في المعادي كان هو الملاذ. مكاني الصغير اللي كنت شرياه من أول مكافأة أخدتها في حياتي، وكنت مأجراه لفترة عشان أساعد في مصاريف الجواز. كلمت الباشمهندس عصام، ونزلنا هدينا الحيطان الزيادة. وسعنا الصالة، عملنا واجهة زجاجية كاملة بتبص على أشجار المعادي العتيقة ونيلها الهادي من بعيد. كل ركن صممته على مزاجي مكتبة خشب زان عريضة شايلة كتبي وملفاتي، ترابيزة رسم هندسي واسعة، وركن قهوة صغير فيه ماكينة إسبريسو محترمة ومجات بيضا نضيفة. مسحت كل أثر لمازن من حياتي؛ الجاكيت الووتربروف اللي خدته من نهى تبرعت بيه لجمعية خيرية مع كراتين هدوم وأشياء كانت تفكرني بيه، عشان يدفي حد يستاهل وما يبقاش في بيتي ريحة نكران جميل واستغفال. مرت تلت شهور. الشغل كان بياخد مني اتناشر ساعة في اليوم، بس كنت بروح بيتي مرتاحة، بنام على مخدتي بضمير صافي، مفيش كدبة محتاجة أداريها، ومفيش خذلان مستنياه على نار. طريق النجوم طلع للنور؛ السيستم اشتغل بكفاءة غير مسبوقة، والبنية التحتية التكنولوجية اللي أشرفت عليها بنفسي خطوة بخطوة مع الشركات المحترمة اللي اتعاقدنا معاهم بدال إيكو ترافيل أخدت تقييم ممتاز من هيئة التنمية. ويوم الاحتفال بتسليم المشروع، عملت الشركة حفلة ضخمة في فندق الفورسيزونز على النيل. كنت واقفة في القاعة الكبيرة، لابسة فستان سواريه بسيط ولونه زيتي هادي، ميك أب رقيق جداً، وشعري مفرود على كتافي بحرية. وشي كان منور، مش عشان مساحيق التجميل، لكن عشان النور الداخلي بتاع واحدة رجعت لنفسها ولقت قيمتها الحقيقية. أستاذ فريد طلع على المسرح، مسك المايك قدام كبار رجال الأعمال والوزراء والمسؤولين اللي حضروا الحدث في رحلة أي نجاح كبير، فيه لحظات فارقة بتبين مين اللي بيشيل ومين اللي بيتعلق. مشروع طريق النجوم مر بأزمة كانت ممكن تقضي عليه وعلى سمعة شركتنا كلها، لولا وجود قائدة حقيقية، مهندسة شالت المسؤولية في أصعب لحظة، وحمت حقوق الشركة بكل شرف وأمانة.. أقدم لكم المهندسة مريم عبد الرحمن، نائب رئيس مجلس الإدارة للشؤون التنفيذية وشريكة النجاح الدائمة للشركة. القاعة كلها قامت تسقف بحرارة. التصفيق كان رنان، صوته بيملا المكان ويدخل جوه شراييني يدوب أي ألم قديم. طلعت على المسرح بخطوات واثقة، استلمت درع التكريم، وبصيت في وجوه الناس، وابتسمت ابتسامة واحدة صافية من غير أي حقد أو غل، ابتسامة انتصار حقيقي مش على حد، بل انتصار على ضعفي القديم. بعد انتهاء الحفلة، نزلت للجراج عشان أركب عربيتي الجديدة، عربية جيب شيري كنت مطلعاها زيرو بعد المكافأة الضخمة اللي نزلتلي مع الترقية ونسبة الأرباح. وأنا بقرب من العربية في هدوء الجراج الواسع، لمحت خيال طالع من ورا عمود خرساني. وقفت مكاني فوراً، وإيدي على شنطتي جاهزة أطلب أمن الفندق. مريم.. الصوت كان مكسور، طالع من حنجرة مدمرة، كأنه جاي من قاع بير. طلع مازن من ورا العمود. اتسمرت في مكاني لحظة عشان استوعب الشخص اللي قدامي. مكنش مازن بتاع زمان، المغرور اللي لابس دايماً قمصان مكوية وعامل تسريحة شعره بعناية وبيتكلم بنفخة كدابة. كان شخص تاني خالص.. دبلان، وشه مصفر وعينيه غايرة لجوه، دقنه مش محلوقة بطريقة عشوائية ومهموشة، لابس بلوفر قديم مش مناسب لحجمه وواسع عليه بعد ما خسر نص وزنه تقريباً، وبنطلون جينز متبهدل. كان طالع بكفالة من أسبوعين بس، بعد ما عيلته باعت أرضهم في الشرقية عشان يسددوا جزء من الاختلاس للشركة ويتنازلوا عن الشق المدني، لكن القضية الجنائية لسه كانت متسجلة، وسمعته في السوق المهني بقت تراب؛ مفيش شركة في مصر كانت تقبل توظفه ولا حتى كمتدرب بعد التعميم اللي اتعمل في الغرفة التجارية ونقابة المهندسين. إنت بتعمل إيه هنا؟ سألته بصوت هادي جداً، مفيش فيه لا خوف ولا غضب، بس صرامة تلجم أي تطاول. مازن قرب خطوتين وعينيه بتبص في الأرض، إيديه كانت بتترعش مريم.. وقفت هنا تلات ساعات مستنيكي تخرجي. شوفتك على الشاشات الكبيرة في اللوبي وإنتِ بتتكرمي.. كان المفروض نبقى واقفين هناك سوا. ده كان حلمنا إحنا الاتنين. ضحكت بهدوء، رفعت المفتاح الذكي وفتحت قفل العربية اللي أنوارها نورت في الضلمة حلمنا؟ لا يا مازن، ده كان شغلي أنا، وحلمي أنا اللي كنت بتسرقه مني وبتجيره لحسابك. إنت كان حلمك شاليهات دهب مع نهى، وفواتير مضروبة، وساندوتشات كفتة رخيصة في وادي دجلة. مازن عيونه دمعت، ووقع على ركبه على أرضية الجراج الخرسانية الباردة، وبدأ يتوسل بطريقة تثير الشفقة والاشمئزاز في نفس الوقت أنا اتدمرت يا مريم! أهلي فلسوا، وباعوا اللي وراهم واللي قدامهم عشان يخرجوني بكفالة.. نهى رمت كل حاجة عليا في التحقيقات وجابت محامين كبار من ورايا، وسافرت بفيزا مزورة على دبي وسابتني أشيل الليلة لوحدي.. مفيش شركة بتقبل تديني انترفيو، أصحابي كلهم عملولي بلوك، أنا بشحت يا مريم! كلمي فريد بيه يسحب البلاغ النهائي قبل جلسة الحكم الأسبوع الجاي.. هتحبس خمس سنين مع الشغل والنفاذ! عشان خاطر الخمس سنين اللي عشناهم، عشان خاطر العشرة! بصيت له من فوق لتحت. مكنش في قلبي شماتة، لكن كان فيه عدالة إلهية واضحة وضوح الشمس. العشرة اللي إنت دوست عليها برغيف كفتة قدام عيون زمايلنا؟ العشرة اللي بعتها عشان شوية مظاهر ونصب وسرقة من حساب عروسة كانت شايلاك فوق كتافها؟ عايزني أكلم أستاذ فريد؟ أقوله إيه؟ أقوله اتفضل سامح الحرامي عشان كان خطيبي؟ القانون بياخد مجراه يا مازن، واللي بيزرع شوك مبيحصدش قمح. إنت مش مظلوم، إنت بس بتدفع فاتورة كل لقمة كلتها في حق غيرك، وكل كدبة استغفلت بيها واحدة كانت مأمناك على بيتها ومستقبلها. أنا لسه بحبك.. قالها بصوت مخنوق وهو بيحاول يمسك في طرف عبايتي أو حذائي والله العظيم عمري ما حبيت نهى، كانت مجرد نزوة وطمع وعين فارغة.. أنا لسه فاكر كل تفصيلة فيكي، مريم، اديني فرصة تانية نبدأ من الصفر، لو هشتغل عندك سواق، بس متبعديش! رجعت خطوة لورا بحزم، وبصيت له بنظرة قطعت آخر حبل وهم كان ماسك فيه الحب اللي يذل صاحبه مش حب، والاستغفال اللي باسم الأمانة ده اسمه خسة. إنت مبتحبش غير نفسك يا مازن، وحتى نفسك معرفتش تحبها صح ودوديتها في داهية. وقفتك دي ملهاش أي معنى، ووجودك هنا تعدي أمني، لو ما وقفتش ومشيت في ظرف دقيقة واحدة، هنده الأمن يسلموك للقسم وينفذوا فيك أمر الضبط فوراً. مازن سند بإيده على ركبه وقام ببطء، ظهره محني كأنه راجل في السبعين من عمره. بص في عينيا، وشاف فيهم حيطة سد مفيهاش أي ثغرة ممكن ينفذ منها. مسح دموعه بكم بلوفره المبهدل، ووطى راسه، ومشي يجر رجليه في الضلمة بتاعت الجراج لحد ما اختفى من غير ما ينطق ولا كلمة تانية. فتحت باب عربيتي وركبت. قفلت الباب، سمعت صوته وهو بيترزع بهدوء وفخامة، عازلاً كل دوشة الدنيا وكل أشباح الماضي برة. شغلت الموتور، وحطيت إيدي على الدركسيون، وبصيت على نفسي في المراية الداخلية. كانت عنيا بتلمع، صافية وقوية، مفيهاش ذرة ندم، ومفيهاش دمعة واحدة محبوسة. طلعت من الجراج، وخدت كورنيش النيل في طريقي للمعادي. نسمة الهوا الباردة كانت داخلة من الشباك، ريحة الياسمين اللي على الكورنيش، ونور الفوانيس اللي عاكس على المية الهادية. أول ساندوتش، وأول اهتمام، وأول حب، مكانش المفروض أصلاً يروح لحد يستغلني.. كان المفروض يكون لنفسي، لكرامتي، ولشقايا اللي بنيته بإيدي. وصلت لبيتي الجديد، فتحت النور، الاستوديو كان دافي وريحته قهوة وخشب نضيف. حطيت درع التكريم على أعلى رف في المكتبة، وعملت كوباية شاي بالنعناع، وقعدت على الكرسي الهزاز قدام الشباك المفتوح على وسعه للسما. لأول مرة من خمس سنين، حسيت بطعم السكينة الحقيقية.. السكينة اللي متقدرش أي قلة أصل أو خذلان في الدنيا يكسرها، لأن اللي يعرف ينهي حكاية غلط في أولها، هو الوحيد اللي يستاهل يكتب نهايته بإيده، نهاية تليق بيه وبأصله.