رحله سياحي حكايات اسما

ومن وسط الدوشة… قال الجملة اللي عمري ما توقعتها: “أبويا وقع… والناس بتقول إنه اتسمّم”
الكلمة وقفت الزمن… حرفيًا… شوكة الأكل وقعت من إيدي… وصوتها على الطبق كان أعلى من أي حاجة حواليّا… قلبي اتقبض بطريقة خلت نفسي يتقطع… أنا كنت زعلانة… آه… مجروحة… آه… بس مش لدرجة إن حاجة زي دي تحصل… قلت بسرعة وأنا قمت من مكاني: “إيه؟! إنت بتقول إيه؟!” صوته كان بيتهز: “مش فاهم… فجأة وقع… كان بيشرب عصير… وبعدها بدقايق… الناس بتصرخ… والدكاترة اللي كانوا موجودين بيحاولوا… بس في حد قال كلمة تسمم… وأنا… أنا مش فاهم حاجة”
سندت إيدي على الترابيزة… حاولت أستوعب… الزعيق اللي ورا صوته… صوت ناس بتعيط… موسيقى اتقطعت… حالة فوضى كاملة… قلت له بسرعة: “إنت فين دلوقتي؟” قال: “في الفيلا… الإسعاف لسه جاي… وأنا مش عارف أعمل إيه”
خدت نفس عميق… الصحفية اللي جوايا بدأت تصحى… رغم كل اللي بينا… رغم وجعي… الموقف أكبر من كل ده… قلت بحزم: “اسمعني كويس… ما تخليش حد يلمس الكوباية اللي كان بيشرب منها… ولا الأكل اللي على الترابيزة… ولا حاجة… فاهم؟” سكت لحظة… وبعدين قال: “ليه؟” قلت: “عشان لو ده تسمم فعلاً… يبقى فيه حد عمل كده… ولازم الأدلة تفضل زي ما هي”
سكت… وبعدين صوته بقى أوضح شوية: “إنتي جاية؟”
بصيت حواليّا… روما… الأضواء… الهدوء… اللحظة اللي كنت فاكرة إني أخيرًا بدأت أعيش لنفسي… وفجأة كل ده بقى بعيد… قلت من غير تفكير: “هحجز أول طيارة… وأنا جاية”
قفلت المكالمة… وإيدي بتترعش… مش عارفة أنا راجعة عشان مين… عشان كريم؟… ولا عشان الحقيقة؟… ولا عشان نفسي اللي دايمًا بتجري ورا القصص حتى لو بتوجعها…
—
الرحلة كانت طويلة… أطول من أي مرة… وأنا قاعدة في الكرسي… مش قادرة أغمض عيني… دماغي بتشتغل بسرعة جنونية… سيناريوهات… احتمالات… ناس… دوافع… عيلة “تقيلة”… فلوس… سمعة… والفرح اللي كان لازم يبقى “بيرفكت”… اتحول لكارثة…
وصلت القاهرة الصبح… أول ما خرجت… لقيت كريم مستنيني… شكله اتغير… عيونه حمرا… هدومه مكركبة… باين عليه ما نامش… أول ما شافني… قرب بسرعة… وكأنه كان مستني حاجة يمسك فيها عشان ما يقعش… قال: “الحمد لله إنك جيتي”
وقفت قدامه… لحظة صمت… بينا تاريخ… وجع… غضب… بس الوقت مش وقته… قلت بهدوء: “فين أبوك؟”
قال: “في المستشفى… في العناية… والدكاترة قالوا إنه تسمم فعلاً… بس مش عارفين المادة إيه لسه”
هزيت راسي… وقلت: “يلا”
—
المستشفى كانت مليانة… عيلته كلها هناك… أول ما دخلت… حسيت بنظراتهم… نفس النظرات اللي كانت شايفاني “مش لايقة”… بس المرادي فيها حاجة تانية… توتر… خوف… يمكن حتى احتياج… نادين كانت قاعدة… وشها شاحب… مكياجها بايظ من العياط… أول ما شافتني… عينيها وسعت… يمكن ما كانتش متوقعة تشوفني…
قربت… وقلت بهدوء: “إيه اللي حصل بالظبط؟”
بصتلي شوية… وبعدين قالت: “مش فاكرة… كل حاجة حصلت بسرعة… كان بيشرب عصير… وبعدين وقع”
قلت: “مين كان قريب منه؟”
سكتت… وبعدين قالت: “كلنا… يعني… الناس كلها كانت حوالين الترابيزة”
هزيت راسي… بس جوايا حاجة قالتلي إن فيه حاجة مش مظبوطة…
—
رجعت مع كريم للفيلا… المكان اللي كان مفروض يبقى مليان فرح… بقى ساكت… فاضي… كأنه بيت مهجور… بس فيه آثار اللي حصل… كراسي متحركة… كوبايات متسابّة… أطباق نصها مأكول…
قلت: “ما حدش لمس حاجة؟”
قال: “زي ما قولتي… خليت كله زي ما هو”
ابتسمت ابتسامة صغيرة… رغم كل حاجة… هو سمع كلامي…
بدأت أتحرك في المكان… أبص… ألاحظ… كل تفصيلة… كل حاجة ممكن تكون دليل… وصلت للترابيزة… بصيت على الكوبايات… واحدة منهم نصها فاضي… العصير لونه غريب شوية… قلت: “دي بتاعته؟”
قال: “أيوه”
طلعت منديل… ورفعتها بحذر… وشميت… ريحة خفيفة… غريبة… مش واضحة… بس مش طبيعية…
قلت وأنا ببص له: “فيه حاجة اتحطت هنا”
قال وهو صوته بيرتعش: “مين يعمل كده؟!”
بصيت له… وسكت… لأن الإجابة مش سهلة… بس أكيد مش حد غريب…
—
بدأنا نراجع اللي حصل… مين كان قريب… مين قدم العصير… مين دخل المطبخ… الخيوط بدأت تتجمع… ببطء… بس بثبات… لحد ما وصلنا لنقطة وقفتني…
قلت: “العصير… مين عمله؟”
كريم قال: “الشيف… بس… في حد ساعده”
قلت: “مين؟”
سكت… وبعدين قال: “نادين”
الدنيا سكتت… قلت بهدوء: “نادين كانت في المطبخ؟”
قال: “أيوه… قالت إنها بتتأكد إن كل حاجة مظبوطة”
ابتسمت ابتسامة صغيرة… مرة… قلت: “طبعًا… كل حاجة بيرفكت”
—
رجعنا المستشفى… وأنا جوايا شك… كبير… بس محتاجة دليل… دخلت عند الدكتور… سألته عن الحالة… قال: “المادة اللي اتسببت في التسمم… مادة نادرة… مش سهلة تتجاب… ومش موجودة في أي مكان عادي”
سألته: “يعني حد جابها مخصوص؟”
قال: “أكيد”
—
خرجت… وأنا قررت… لازم أواجهها…
دخلت على نادين… كانت لوحدها… بصتلي… وفي عينيها خوف… قلت بهدوء: “أنا عارفة”
قالت بسرعة: “عارفة إيه؟!”
قربت منها… وقلت: “إنك كنتي في المطبخ… وإن العصير اتسمم… وإن المادة دي مش سهلة… وإن حد كان لازم يكون عايز حاجة تحصل”
سكتت… عينيها دمعت… وقالت: “إنتي بتتهميني؟!”
قلت: “أنا بس بسأل… ليه؟”
هنا… انهارت… قعدت على الكرسي… ودفـ,ـنت وشها في إيديها… وقالت بصوت مكسور: “أنا ما كنتش عايزة أمو*ته”
الكلمة دي… كانت كفاية…*
قالت وهي بتعيط: “أنا بس كنت عايزة أخوفه… كان رافض يكتب كل حاجة باسم يوسف… وأنا… أنا كنت محتاجة أضمن مستقبلي… أهلي ضغطوا عليا… قالولي لازم كل حاجة تبقى في إيدنا”
حسيت بغثيان… قلت: “فسممتيه؟!”
قالت: “كانت جرعة صغيرة… المفروض بس يتعب… مش يم*وت!”
—
خرجت… وأنا مش مصدقة… الفرح المثالي… العيلة المثالية… طلع وراه كل ده…
كريم كان واقف… مستني… أول ما شافني… قال: “في إيه؟”
بصيت له… وقلت: “الحقيقة”
—
بعد أيام… أبوه فاق… نجا… بالعافية… والشرطة خدت نادين… والفرح… اتحول لقضية…
أما أنا… وقفت قدام كريم… في نفس البيت… بس كل حاجة اتغيرت… قال: “أنا آسف”
بصيت له… وسكت… وبعدين قلت: “أنا ما زعلتش عشان ما عزمتنيش… أنا زعلت عشان ما اخترتنيش”
سكت… وما ردش…
لفيت… وكنت همشي… بس وقفت… وبصيت له تاني… وقلت: “أنا رجعت عشان أنقذ حياتكم… مش عشان أرجع لنفس الحياة”
ومشيت…
