حكايه امل

كانت بتشوف كل العيال في المحيط بتاعنا مع أبهاتهم، بيلعبوا معاهم، بيشيلوهم، وهي عمرها ما حست إن ليها أب. أبواها عايش معاها في نفس البيت بس كأنه غريب، لا بيكلمها ولا بيطبطب عليها، ولا عمره نطق اسمها. كانت لما تعدي من جنبه يلف وشه الناحية التانية. البنت كبرت هادية، ساكتة، دايماً سرحانة، بس كان في عينيها نظرة حزن تقطع القلب.
وفي يوم.. اليوم اللي عمري ما هنساه .
كنت بحضر الغدا، وقولت أدخل أوضتها أناديها عشان تاكل. فتحت الباب براحة وصوت رجلي مكنش باين.. وبصيت.. واتصدمت صدمة عمري!
جسمي كله اتنفض، وحسيت إن ركبي مش شايلاني.
الدم اتجمد في عروقي من اللي شفت بنتي بتعمله! لثواني مكنتش قادرة أستوعب، هل ده حقيقة ولا أنا اتجننت؟
جريت بسرعة الصاروخ، مكنتش شايفة قدامي من كتر الذهول والخوف والرجفة اللي هزت كياني. دخلت الصالة وجوزي كان قاعد بيشرب شاي، مسكته من إيده بكل قوتي وكنت بشده ورايا وأنا بتنفض وبترعش كأني شوفت ميت قايم من تربته.
جوزي استغرب من منظري وزعق: “في إيه يا ولية؟ جرا ل عقلك إيه؟” مكنتش قادرة أنطق، لساني كان مربوط.. شديته لحد باب الأوضة، ورفعت إيدي وأنا بصوب صباعي ناحية البنت، وإيدي بتترعش زي ورقة شجر في مهب الريح.
جوزي بص مكان ما شاورت واتجمد في مكانه كأنه اتحول لتمثال من تلج. عينيه وسعت على أخرها وعرف وقتها ليه ربنا اختار البنت دي تعيش !!!!!…..
جوزي وقف متنح، أنفاسه حامية وصوت ضــ,,ـــــربات قلبه كنت سامعاها من كتر الصمت اللي حل في الأوضة. البنت، أمل، اللي كان مفكرها “قاتلة أخوها” واللي قاطعها ١٣ سنة، كانت قاعدة على الأرض في ركن الأوضة، وحواليها ورق كتير جداً، خرائط، ورسومات هندسية معقدة، وكتب قديمة بلغات غريبة، وجنبها “تابلت” قديم كانت مستلفاه من بنت عمها عشان تذاكر عليه.
لكن الصدمة مكنتش في الورق، الصدمة كانت في اللي بتعمله!
أمل كانت ماسكة حتة حديدة مصدية، وفي إيدها التانية جهاز صغير متوصل بأسلاك غريبة مجمعاها من لعب أطفال قديمة وخردة من البيت، وكانت بتركب قطع دقيقة جداً مع بعض بحرفية ومرونة متطلعش من إيد دكتور جراح! والأغرب من ده كله، إنها كانت بتكلم نفسها بلغة إنجليزية فصحى وبطلاقة رهيبة، وبتكتب معادلات رياضية وفيزيائية معقدة جداً على الحيطة بتباشير، معادلات دكاترة الجامعة ميعرفوش يفكوا رموزها!
بس مش ده اللي جمد الدم في عروق أبوها..
