حافيه القدمين

شكرا سيدي المدير. لكن بينما كنت أعود إلى مقعدي أوقفني صوته لحظة من فضلك. توقفت والقلق يزحف إلى صدري. نظرت إليه في دهشة بينما كانت القاعة كلها تتابع الموقف في صمت مطبق لا يسمع فيه إلا صوت أجهزة التكييف الخاڤتة. رأيت المدير يتقدم خطوة ثم خطوتين إلى مقدمة المنصة.

ألقى نظرة سريعة على الحضور وكأنه يبحث عن الكلمات المناسبة ثم قال بصوت رخيم يحمل نبرة انفعال صادق أيها السادة أمامنا اليوم ليست مجرد خريجة نالت شهادتها بل قصة تمشي على قدميها حافية من كل مظاهر الرفاهية لكنها مكللة بالكرامة والجهد والتعب الشريف. بدأ الهمس ينتشر بين الصفوف.

هل هذا صحيح ارتفعت نبضات قلبي. شعرت بالحرارة تتجمع في وجهي لكنني تماسكت وقلت بهدوء نعم سيدي. لكنني مشيت المسافة نفسها ست سنوات لأصل إلى فصولكم الدراسية. اليوم لم يكن مختلفا. ساد الصمت. حتى الطيور التي كانت تغرد في الخارج بدت وكأنها توقفت لتسمع.

رأيت شيئا يتغير في عينيه شيئا يشبه الفخر الممزوج بالذنب. ثم فجأة فعل ما لم يتوقعه أحد. انحنى وسط ذهول الجميع وبدأ يخلع حذاءه الجلدي الأسود اللامع. كان المشهد غير معهود في حفل رسمي. وقف يحمل الحذاء بيديه ثم قال بصوت متهدج من التأثر هذه الأحذية مشت على السجاد وفي المكاتب المكيفة وفي قاعات الاجتماعات لكنها لم تعرف الطريق الذي عرفته قدماك.

هذه الأحذية لم تنل شرف أن تطأ الأرض التي سلكتها. أرجوك تقبليها. ليست هدية بل تقديرا واحتراما. تجمدت مكاني وعيناي تدمعان بلا إرادة. شعرت بأن العالم كله قد توقف عند تلك اللحظة. من بين الصفوف رأيت أمي كانت تجلس في المقاعد الخلفية ترتدي فستانها القديم المزين بزهور باهتة وقد غطت فمها بيدها لتكتم بكاءها.

اقتربت من المدير ببطء ويدي ترتجف. أخذت الحذاء منه ولم أستطع أن أقول شيئا في البداية. كانت الكلمات تهرب من لساني كطيور مڤزوعة. لكني رفعت رأسي وقلت بصوت خاڤت يحمل ما تبقى من قوتي شكرا سيدي المدير لكن إن سمحت لي لن أرتديه الآن.

رفع حاجبيه باستغراب وهمس الجمهور فيما بينهم فتابعت وأنا أتنفس بعمق أريد أن أنهي هذا اليوم كما بدأته بالقدمين اللتين أوصلتاني إلى هنا. سأرتديه غدا عندما أبدأ أول يوم لي كمعلمة. حين أبدأ بفتح الطرق لآخرين مثلما فعلت أنا حفاة بخطى بطيئة لكن ثابتة.

الصفحة السابقة 1 2 3 4الصفحة التالية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *