سر الصندوق المترب بقلم منال علي
من عشر سنين، حياتي اتشقلبت في لحظة. البوليس كلمني وبلغني إن ابني ومراته عملوا حادثة وراحوا فيها. قبل السفرية دي بكام يوم، كانوا سابوا لي عيالهم السبعة عشان يقضوا معايا يومين، وما كنتش أعرف إن اليومين دول هيبقوا عُمر كامل.بقلم منــال عــلي
لقيت نفسي وأنا عندي 59 سنة، مسؤولة عن “كوم لحم”.. 7 عيال برقبتي. نقلنا كلنا لبيت ابني الله يرحمه عشان شقتي كانت ضيقة عليهم، وبدأت رحلة شقى ما يعلم بيها إلا ربنا.
أصغرهم كانت “رحمة”، كان عندها 4 سنين بس.بقلم منــال عــلي
الأيام كانت تقيلة، كنت بشتغل أي حاجة تيجي قدامي عشان أكفيهم، وأحاول أعوضهم بحضني عن حنان أبوهم وأمهم اللي اتحرموا منه. السنين جريت زي الحلم، وبقوا هما دنيتي كلها، بس ما فيش يوم عدا عليا من غير ما أفكر في الليلة المشؤومة دي.. كان جوايا دايماً سؤال مش لاقية له إجابة، وحاسة إن في حاجة ناقصة.
”رحمة” كبرت وهي ما تعرفش عن ملامحهم غير الصور، كانت دايماً تسألني: “يا تيتة، إيه اللي حصل بالظبط ليلة الحادثة؟” وكنت بحكي لها اللي عرفته من الظباط، بس الفترة الأخيرة أسئلتها زادت وبقت غريبة، كأنها بتدور على خيط أنا مش شايفاه.
يوم سبت الصبح، وأنا واقفة في المطبخ بعمل لهم الفطار، دخلت عليا “رحمة” وهي شايلة في إيدها صندوق قديم ومترب.
حطت الصندوق على التربيزة، وصوتها كان بيترعش وهي بتقول:
“لقيت ده في البدروم يا تيتة.. كان مستخبي ورا كراسي قديمة.. الصندوق ده ماما هي اللي كانت شايلاه.”
أنا عمري ما شفت الصندوق
ده قبل كده، ورجلي ما كانتش بتعتب البدروم كتير؛ كراكيب ابني ومراته كلها هناك، وما كنتش قادرة أهوب ناحيتها عشان قلبي بياكلني عليهم.
رحمة بصت لي بصه عمري ما هنساها وهمست:
“ماما وبابا ماماتوش في الحادثة يا تيتة!”
جسمي كله سقع، والدم هرب من عروقي. بـإيد بتترعش، فتحت الصندوق.. وفي لحظة، حسيت إن الأرض بتلف بيا والدنيا بتسودّ في عيني. بقلم منــال عــلي
بعد اللي حصل في المطبخ، “رحمة” كانت واقفة وعنيها بتطق شرار، حطت الصندوق القديم المليان تراب على التربيزة كأنه قنبلة موقوتة وهتنفجر فينا كلنا.
قالت بصوت مخنوق: “لقدته مستخبي ورا الدولاب القديم في البدروم يا تيتة.. أمي وأبويا ماماتوش في الليلة دي!”
أنا طبعاً ما صدقتهاش في الأول، “رحمة” كان عندها 4 سنين لما الحادثة حصلت، وبقالها سنين بتسأل عنهم بزيادة، قلت يمكن ده خيال أطفال أو هوس باللي فات.
قلت لها: “يا رحمة يا حبيبتي، أنا حكيت لك مية مرة..”
قطعت كلامي بحدة: “بصي في الصندوق يا تيتة!”
سبت الطاسة من إيدي وقعدت على الكرسي ورجلي مش شايلاني. فتحت الصندوق، وفجأة حسيت المطبخ بيضيق عليا والنفس بيروح.. لقيت رزم فلوس، ورق كتير، وتحت الفلوس شفت اللي خلى قلبي يقف.. أنا عشت في كدبة كبيرة بقالها عشر سنين!
غمضت عيني وافتكرت “فريد ” ابني ومراته “لبنى” آخر مرة شفتهم فيها وهم بيسيبوا لي العيال السبعة عشان يفسحوهم، “فريد ” باس راسي وقال لي: “عارف إنهم غلابة عليكي، بس ما تدلعيهومش أوي يا ست الكل”. وبالليل، كان مأمور
القسم على بابي بيبلغني إنهم راحوا في حادثة مروعة، ودفناهم في جنازة مقفولة من كتر بشاعة المنظر.
فتحت عيني وبصيت للفلوس تاني.. رزم دولارات، وشهادات ميلاد العيال السبعة الأصلية، وخريطة مرسوم عليها طرق بره البلد!
طلبت من “رحمة” تنادي إخواتها كلهم في الصالة. اتجمعوا السبعة، “أحمد” الكبير وإخواته، والكل عينه على الصندوق. بدأت أطلع الفلوس قدامهم، “أحمد” بدأ يعد.. “يا تيتة دول أكتر من 40 ألف دولار! ده مبلغ يخليهم يهربوا ويبدأوا من جديد في أي حتة”.
نزلنا كلنا البدروم ندور تاني، لحد ما “يحيى” لقى ملف مستخبي في الحيطة. فتحته ولقيت فواتير وديون متلتلة وإنذارات قضائية.. ابني كان غرقان في المشاكل وهرب هو ومراته وسابوا ولادهم لست عجوزة تشيل الشيلة لوحدها.بقلم منــال عــلي
تاني يوم الصبح، رحت البنك برقم حساب لقيته في الملف. الموظفة بصت لي وقالت لي: “يا فندم الحساب ده لسه شغال، وفي عمليات سحب وإيداع حصلت الأسبوع اللي فات!”
رجعت البيت مكسورة، والعيال مستنيين على نار. قلت لهم الحقيقة: “أبوكم وأمكم عايشين.. والحساب لسه شغال”. “رحمة” صرخت: “قلت لكم! باعونا وسابونا!” أما “أحمد” فكان هيموت من القهر: “ليه ما خدوناش معاهم؟ ليه سابونا كل السنين دي؟”
قلت لهم بجمود: “إحنا هنجبرهم ييجوا لحد عندنا”. رحت البنك وطلبت قفل الحساب فوراً بصفتي الوصية ومعايا شهادات الوفاة القديمة.
بعد تلات أيام، الباب خبط.بقلم منــال عــلي
فتحت لقيت راجل باين عليه العجز والكسرة، بس هو “دانيال”
.. ووراه “لبنى” خاسة وضعيفة.
قلت له ببرود: “يعني الحكاية طلعت صح.. إنتو لسه عايشين”.
العيال السبعة اتجمعوا ورايا زي الحيطة. “أحمد” صرخ في وش أبوه: “كنت فين؟ وليه سبتنا؟”.بقلم منــال عــلي
“فريد ” حاول يبرر بصوت مرتعش: “كنا بنغرق يا ابني.. ديون وتهديدات، هربنا عشان نعرف نعيش، وكان في نيتنا نرجع ناخدكم بس الدنيا كانت صعبة.. إحنا محتاجين الفلوس اللي في الحساب دلوقتي ضروري، افتحيه يا أمي أرجوكي”.
”رحمة” قطعت كلامه بصرخة هزت البيت: “لأ! إنتو ما رجعتوش عشاننا، إنتو رجعتوا عشان الفلوس! عشر سنين ميتين بالنسبالنا، وجايين دلوقتي تطلبوا ورثنا؟”بقلم منــال عــلي
أنا ربعت إيدي وقلت له: “الحساب اتقفل يا فريد ، والفلوس اللي فيه وفي الصندوق حولتها لحسابات تعليم العيال في الجامعة.. مفيش مليم هيطلع لك”.
”فريد ” اتجنن: “إزاي؟ هنعيش إزاي؟ كوني عاقلة يا أمي!”
ردي كان قاسي بس حق: “ده كل اللي فارق معاك؟ مصلحتك؟”بقلم منــال عــلي
“أحمد” زقه لبره وقال له: “إنتو اخترتوا نفسكم عشر سنين، وتيتة اختارتنا إحنا. هي اللي شالت السبعة وهي عندها 60 سنة، وإنتو هربتوا زي الفيران.. امشوا من هنا، ملوش مكان وسطنا”.
”لبنى” كانت بتعيط وبتقول: “إحنا بنحبكم”، بس “مريم” ردت عليها: “الحب أفعال مش هروب.. اللي بيحب ما بيرميش ضناه في النار ويجري”.
قفلنا الباب في وشهم.. ولفيت لقيت السبعة رمت نفسهم في حضني. وجع الحقيقة كان صعب، بس عرفنا إننا لبعض، وإن العيلة مش بس بالدم، العيلة
باللي بيقف جنبك وقت الشدة وما بيسيبش إيدك أبداً.بقلم منــال عــلي
