دعوه عيد ميلاد

 

​الدعوة بتاعة عيد ميلاد أبويا الستين وصلت في ظرف كريمي تقيل ومكتوبة بماء الدهب، وفي سطر مطبوع تحت حسيت بيه كأنه قلم على وشي، أقوى من أي إهانة قالهالي في حياتي:

“الدخول بالبدلة الكاملة والفساتين الرسمية.. اللي مش هيقدر يلتزم بالمظهر اللائق، بلاش ييجي أحسن.”

​قريتها مرتين وأنا واقفة في مطبخ شقتي الضيق، وبنتي خديجة عندها خمس سنين، قاعدة بتلون على الترابيزة جمبي.

سألتني: “ماما، هو احنا رايحين حفلة جدو؟”

ابتسمت بالعافية وقلت لها: “إن شاء الله يا حبيبتي.”

​بعد ساعتين، أمي كلمتني في التليفون.

قالتلي بصوتها المحرج اللطيف والمسموم اللي حافظاه صم: “نادية.. صاحب أختك هيكون موجود النهاردة.”

قلت لها: “تمام، وإيه المشكلة؟”

قالت: “دا يبقى ابن سيادة النائب.. وفي ناس كبار ومسؤولين واصلين جايين الحفلة. وأبوكي مش عاوز أي… إحراج.”

بصيت لخديجة وهي بترسم كلب بنفسجي بأجنحة وقلت: “إحراج إزاي يعني؟”

أمي اتنهدت وقالت: “أنتي فاهمة قصدي كويس يا نادية. أنتي ست مطلقة وبتعولي بنتك، وشغالة في مطعم.. يعني مش لايقة قوي على جو السهرة دي.”

صدري ضاق ونفسي اتكتم وقلت لها: “بس أنا بنته!”

ردت بسرعة: “واحنا بنحبك يا حبيبتي، بس دي مناسبة رسمية، وأبوكي تعب وشقي عشان يعمل لنفسه الاسم والسمعة دي.”

​أهي ظهرت اهي.. “السمعة”.. إله العيلة اللي بيعبدوه.

قلت لها: “يعني من الآخر مش عاوزيني أجي.”

قالت: “احنا بس مش عاوزينك تتحرجي.”

كنت هضحك من وجعي وقلت: “لا يا أمي، أنتي مش عاوزة حد يشوفني.”

سكتت ومردتش.

رحت قافلة السكة في وشها قبل ما تحاول تنعم الكلام وتد..بح..ني بيه تاني.

​في الليلة دي، كنت خلاص هقعد في البيت ونلغي الروحة. بس خديجة خرجت من الأوضة وهي لابسة فستان كحلي بسيط كنت جايباهولها من محلات التصفية، وقعدت تلف بيه وهي فرحانة كأنها أميرة في التلفزيون.

سألتني بعيون بتلمع: “ماما، شكلي حلو كدا وينفع للحفلة؟”

الدموع وقفت في زوري، وهمستلها وأنا ببتلع غصتي: “أنتي زي القمر يا قلب ماما.. ومثالية كمان.”

​وعشان خاطر فرحتها، روحنا.

​قاعة الفندق كانت مليانة نجف كريستال، وناس شيك، وكل واحد بيتمنظر على التاني بعيلته ومنصبه. أول ما دخلت وأنا ماسكة إيد خديجة، الهمس والأصوات بدأت تهدى. أختي فريدة بصتلي بقرف كأني داخلة بطين على السجاد النضيف، وصاحبها ابن النائب رفع حاجبه باستهزاء.

​في اللحظة دي أبويا شافني.

ابتسامته اختفت تمامًا، وقرب مني وقال بحدة وضيق: “نادية.. أنا افتكرت إن أمك فهمتك الوضع.”

رفعت راسي بكل كبرياء وقلت له: “فهمتني فعلاً.”

​وقبل ما يلحق يرد أو يطردني، الراجل اللي واقف ورا الميكروفون بيتكلم سكت فجأة في نص خطابه.

سيادة المحافظ بنفسه لف وورا ضهره للمسرح وبص ناحيتنا.

ملامحه الجد الصارمة اتقلبت تمامًا ووشه نور لما شاف خديجة.

ساب الميكروفون، ونزل من على المسرح، ومشي وسط قاعة الفندق اللي صمتها بقى زي القبور، لحد ما وصل لغاية عندي، ووطى على ركبه قدام بنتي الصغيرة وقالها بابتسامة تملى الوش: “أهلاً يا حبيبة قلب عمو.. أخيراً وصلتي؟ أنا مستني أشوفك من بدري!”

 

ابنتي خديجة بكتفها المضموم إليّ تراجعت خطوة للخلف بخجل، وعيناها الواسعتان تتنقلان بين وجه المحافظ الباسم وبين أضواء القاعة المبهرة. انحنى المحافظ أكثر، حتى أصبحت عيناه في مستوى عينيها تمامًا، وأخرج من جيب بدلتة الرسمية علبة صغيرة مخملية، ثم قال بصوت مسموع هز أرجاء القاعة الساكنة:

​”أنا جيت الحفلة دي مخصوص عشانك أنتي يا فندم.. والدك وجدك وجهوا لي الدعوة، لكني لم ألبِّها إلا عندما علمت أن حفيدته الجميلة، وابنة السيدة المحترمة نادية، ستكون هنا.”

​الهمسات التي كانت تملأ الأجواء انقطعت تمامًا، وحلت مكانها حالة من الذهول الصاعق. التفتُّ بطرف عيني نحو أبي؛ كان واقفًا وقد تيبس جسده، وفمه مفتوح قليلًا بعجز لم أره فيه قط، بينما تراجعت أمي خطوة للخلف وهي تضع يدها على فمها غير مصدقة ما تراه. أما أختي فريدة وصديقها ابن النائب، فقد تجمدت نظرات الاستعلاء على وجهيهما وتحولت إلى ملامح باهتة خالية من أي تعبير.

​تابع المحافظ وهو يفتح العلبة ليظهر منها دبوس صغير ذهبي يحمل شعار المحافظة الرسمي، وقام بتثبيته برفق على فستان خديجة الكحلي البسيط:

“هذا تقدير بسيط لشجاعتك ولوالدتك الصابرة المكافحة. إنها نموذج للمرأة المصرية التي نفخر بها جميعًا.”

​في تلك اللحظة، أدركت أن كرامتي التي حاولوا هدرها قد عُدت إليّ أضعافًا مضاعفة، ليس بقوة المال أو النفوذ، بل بفضل الله الذي لا يضيع أجر من أحسن عملاً، وجبر خاطر ابنتي الصغيرة التي باتت في تلك الليلة الملكة الحقيقية للحفل.

خديجة بصت للدبوس الدهب وهي مش مصدقة، وفجأة ضحكت ضحكتها الصافية اللي ملهاش ذنب في حسابات الكبار، وقالت بصوت طفولي واثق: “شكراً يا عمو!”

​المحافظ دانيال هايز ابتسم ووقف بطوله، والتفت للناس اللي في القاعة وبص لأبويا وقال بنبرة فيها هيبة واحترام كبير: “مبروك يا حاج.. ربنا يبارك لك في عمرك وفي عيلتك، ويحفظ لك حفيدتك وبنتك نادية.. كتر خيرها، لولاها ولولا الأمانة والخير اللي بتعمله في المطعم اللي شغالة فيه مع حالات التكافل وبقايا الوجبات اللي بتوزعها على الغلابة والمحتاجين من ورا القصد، ما كنتش هعرف أوصل للحالة الإنسانية العظيمة دي، ولا كنت هتشرف بحضور حفلتك النهاردة.”

​القاعة كلها اتقلبت.. الناس اللي كانت بتبصلي بقرف من شوية، بدأت تهمس بإنبهار، وفجأة القاعة كلها صقفت! تصفيق حار هز المكان، والكل بقى يتمنى بس يقرب يسلم عليا.

​أبويا مشي خطوات بطيئة ناحيتنا، وعينه فيها دموع أول مرة أشوفها في حياتي، دموع ندم وفخر في نفس الوقت. قرب من خديجة وشالها وباسها، وبعدين بصلي وقال بصوت مخنوق: “سامحيني يا بنتي.. أنتي السمعة والشرف الحقيقي لينا.”

​أمي قربت وهي بتعيط وأخدتني في حضنها، وأختي فريدة وابن النائب واقفين بعيد مش عارفين يودوا وشهم فين من الكسوف بعد ما اتقلب السحر على الساحر.

​في اللحظة دي، وبفضل الله، عرفت إن جبر الخواطر بييجي في وقته، وإن فستان بنتي البسيط اللي من محلات التصفية، كان أنضف وأشيك حاجة في القاعة كلها، لأنه كان متفصل بالرضا والعزة.

بعد ما الحفلة خلصت، والمحافظ استأذن ومشي بعد ما قلب كل الموازين، القاعة مكنتش هي نفس القاعة اللي دخلتها وأنا خايفة ومكسورة. الناس اللي كانت بتتحاشى تبص في عيني، بقت تتزاحم عشان تسلم عليا، وياخدوا الكارت بتاع المطعم اللي شغالة فيه، والكل بقى بيتكلم عن “بنت الحاج” وأصلها وجدعنتها.

​ابن النائب اللي كانوا خايفين أحرجهم قدامه، جه وقف قدام أبويا وبأدب شديد قال له: “بسم الله ما شاء الله يا فندم، الصيت والسمعة الطيبة مش بالفلوس، دا إحنا اللي يتشرف بوجودنا وسطكم.” فريدة أختي كانت واقفة جمبه، وشها جايب ألوان، وباصة في الأرض من كتر الكسوف، ومش قادرة تحط عينها في عيني.

​وأحنا خارجين، أبويا صمم إنه يوصلنا بنفسه لحد باب العربية، وفضل ماسك إيد خديجة كأنها جوهرة خايف تضيع منه. وقبل ما أركب، مسك إيدي وباس رأسي قدام الكل وقال لي: “بيتي مفتوح لك يا نادية أنتي وبنتك في أي وقت.. أنتي رفعتي رأسي، وربنا جير بخاطري بيكي.”

​ركبت التاكسي وأنا راجعة شقتي الصغيرة، وبصيت لخديجة اللي نامت من التعب وهي حاضنة الدبوس الدهب وساندة رأسها على كتفي. اتنفست براحة طويلة، وحسيت بسلام جوايا مكنتش حاسة بيه من سنين. عرفت ساعتها إن ربنا سبحانه وتعالى لما بيحب يعز عبد، بيعزه من حيث لا يحتسب، وإن الرضا باللي قسمه ربنا، واللقمة الحلال اللي بنشقى عشانها، هما الستر الحقيقي اللي مفيش أي بدلة غالية ولا مظهر كداب يقدر يشتريه.

مرت الأيام، والحفلة دي مكنتش مجرد ليلة وعدت، دي كانت نقطة التحول في حياتي كلها.

​صاحب المطعم اللي بشتغل فيه عرف باللي حصل، وجالي بنفسه وتفاجئت بيه بيعرض عليا أكون شريكة معاه بالجهد والإدارة في فرع جديد للمطعم، وخصصنا فيه جزء كبير ومستقل لتقديم وجبات يومية مجانية للأسر العفيفة والغلابة، والخير زاد وبقى اسمنا مسمع في المنطقة كلها.

​أبويا وأمي بقوا يجوا يزوروني في شقتي الصغيرة كل أسبوع، واللمة رجعت ليها الروح من تاني. أبويا بقيت أشوف في عينه نظرة فخر بيا وببنتي خديجة تسوى الدنيا وما فيها، وكل ما يشوف خديجة يلعب معاها ويقولها: “أهلاً بسيادة سفيرة العيلة”.

​أما أختي فريدة، فالعلاقة بيننا اتغيرت تماماً؛ اتعلمت الدرس وعرفت إن المظاهر الكدابة مبتدومش، وبقت تيجي تقعد معايا وتطلب نصيحتي في حاجات كتير، وعرفوا كلهم إن القيمة الحقيقية للبني آدم مش بفلوسه ولا بمنصبه، لكن بأصله، وطيبته، ونظافة قلبه.

​النهاردة، وأنا واقفة في مطبخي وبجهز حاجتي، بصيت لخديجة اللي كبرت شوية وبقت تساعدني، وحمدت ربنا من كل قلبي. ربنا سبحانه وتعالى كبير، لما بيقفل باب بيفتح قصاده أبواب، ولما بيجبر بخاطر العبد بيخلّي الكون كله يقف انتباه تعظيم لربنا.. والحمد لله رب العالمين، دايماً وأبداً.

ومع الأيام، المشروع كبر وبقى المطعم له بدل الفرع تلاتة، وكلهم ماشيين ببركة ربنا والوجبات اللي بنطلعها لوجه الله. ربنا فتحها عليا وسيبت الشقة الضيقة ونقلت أنا وخديجة في شقة تانية واسعة ومنورة، بس عمري ما نسيت الأيام اللي كنت بقف فيها في المطبخ القديم وأنا شايلة الهم.

​وفي يوم، كنت قاعدة في مكتبي في الفرع الرئيسي، ولقيت السكرتيرة بتميل عليا وبتقولي: “يا مدام نادية، في واحدة برا طالبة تقابلك ضروري، ومش راضية تمشي.”

​قلت لها: “دخليها يا بنتي.”

​الباب اتفتح، ودخلت فريدة أختي. بس مكنتش فريدة بتاعت زمان اللي لابة فساتين براندات وماشية تتنطط على الناس. كانت دبلانة، وعينيها حمرا من العياط. أول ما شافتني، مأستحملتش وجريت عليا رمت نفسها في حضني وقعدت تبكي بحرقة.

​طبطبت عليها وقلت لها: “مالك يا فريدة؟ في إيه يا حبيبتي؟ أبويا وأمي جرالهم حاجة؟”

​قالتلي وهي بتشحتف: “لا يا نادية، أبوكي وأمك كويسين.. أنا اللي كنت غبية وعمية.” وبدأت تحكيلي إن ابن النائب ده سابها وفسخ الخطوبة بعد ما أبوه سقط في الانتخابات واتشالت من عليهم الحصانة والوجاهة الكدابة، ودلوقتي بيعايروها بأصل عيلتهم وإنهم مش من مستواه.

​بصيت لها وابتسمت بهدوء، وقلت لها: “يا فريدة، ربنا مبيظلمش حد، والقرشين والمنصب اللي كنتي فاكراهم الستر، هما اللي كشفوا حقيقته. الستر الحقيقي هو النفس الشبعانة يا أختي.”

​مسحت دموعها وقلت لها: “انشفي كدا، أنتي أختي، ومكاني هو مكانك. تعالي امسكي معايا إدارة الفرع الجديد، وخلينا نكبر سوا بالحلال والجهد، وسيبيك من كلام الناس.”

​فريدة بصتلي بذهول، وكأنها مش مصدقة إني سامحتها بعد كل اللي عملته، وقالتلي: “أنتي إيه يا نادية؟ قلبتك دي إيه؟”

​قلت لها والابتسامة على وشي: “أنا نادية بنت أبوكي.. اللي اتربت على الأصول والرضا.”

​ومن يومها، وبقينا أنا وهي إيد واحدة، والعيلة اتلمت بجد على أساس نظيف ميهزهوش فلوس ولا مناصب. وخديجة بنتي كبرت وبقت قدوة في أدبها وأخلاقها، وكل ما أبص للدبوس الدهب اللي متشال في علبته فوق الدولاب، ببتسم وبفتكر إن من ترك شيئاً لله عوضه الله خيراً منه، وإن اللي بيشتري رضا ربنا، ربنا بيخلّي الدنيا كلها تجري وراه وتراضيه.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *