حق لا يموت لمني السيد

جوز بنتي كلمني في التليفون وهو بيعيط وصوته مخنوق: “بنتك ماتت وهي بتولد يا طنط”.
الدنيا لفت بيا، ونزلت جري زي المجنونة على مستشفى “الصفا التخصصي” وقلبي حتت حتت. لما وصلت عند أوضة 212 وحاولت أدخل، وقف قدامي بوشه، وسند بإيده على الباب وهمس لي: “بلاش تدخلي تشوفها وهي كده يا طنط.. عشان خاطري ثقي فيا”.
كنت هصدقه.. خلاص كنت هقع من طولي وأستسلم. بس في اللحظة دي عيني جت في عينه. مكنش فيها حزن. كان فيها رعب. وفي ثانية واحدة، عقلي نور وفهمت.. الناس دي مش بتخبي عني وداع أخير.. الناس دي بتداري مصيبة.
أنا اسمي **كريمة نصار**.. وفي صوت في الدنيا دي الأم مستحيل تنساه.
تصدقوا.. في الليلة دي بالذات، كنت واقفة في المطبخ بعمل رز بلبن؟ أصل **مريم** بنتي كانت بتموت فيه من صغرها. كانت مكلماني الصبح من المستشفى، صوتها كان منهج بس فرحانة، وقالت لي: “يا ماما متقلقيش، أول ما البشائر تهل هكلمك تيجي جري”.
مريم كانت بنتي الوحيدة.
اتجوزت **طارق الهواري** من تلات سنين. طارق من عائلات الدقي القديمة، الناس اللي الفلوس معاهم مبتعملش دوشة. كان دايماً شيك ومؤدب ويقولي “يا ماما كريمة”.
لما تليفونه رن الساعة 4:38 العصر، صوته كان مكسور: “يا طنط كريمة.. مريم عاشت وماتت وهي بتولد.. البقاء لله”.
المعلقة وقعت من إيدي.. ومش فاكرة مشيت إزاي لحد ما وصلت المستشفى. طارق كان مستنيني جنب الأسانسير ووشه باين عليه العياط. بس عينيه كانت غلط!
أخدني من إيدي ومشي بيا في الممر ناحية أوضة 212، وفجأة وقف في وشي وسد السكة: “بلاش تشوفها وهي كده.. ثقي فيا”.
> **ثقي فيا.**
> الكلمة دي المفروض تدفي.. بس الليلة دي كانت زي الس*كينة.
>
أنا بطلت عفرة في ثانية عشان يفتكرني انكسرت، وبصيت من فوق كتفه وقلت له بنبرة ناشفة: “عايزة أشوف بنتي”.
فك الحنك بتاعه اتشنج.. وفي اللحظة دي، الوش المرسوم وقع.
ممرضة عدت من جنبنا، وحد نده على طارق من آخر الممر. طارق لفت انتباهه لثانية واحدة.. في الثانية دي أنا زقيت الباب ورفست الأوِكرة ودخلت قبل ما يلحق يمسكني.
الأوضة جوة كانت ضلمة والأجهزة مطفية، وفي ملاية بيضا مغطية حاجة نايمة على السرير. قربت خطوة وهمست: “مريم..” مفيش رد.
مديت صوابعي وشديت الملاية.. مخدات! تلات مخدات بتوع المستشفى مرصوصين فوق بعض! مفيش ج*ثة.. مفيش مريم!
رجعت لورا وسندت على السرير.. وفي اللحظة دي عيني لقطت حاجة جنب الحوض: أنسيالين بلاستيك بتوع المستشفى، واحد مقاس كبير.. وواحد صغنن قوي بتاع طفل لسه مولود.
حفيدي اتولد وعاش لدرجة إنهم عملوا له أسورة باسمه! وطارق قالي إنه مات؟
خبيتهم في جيب العباية، وفجأة سمعت صوت رجلين برة الأوضة. دخلت جري استخبيت ورا باب الحمام، وواربته حتة صغيرة. دخلت ممرضة كبيرة، ووراها راجل لابس بالطو أسود.
الراجل قال بنبرة تخوف: “نضفتي الأوضة؟ التعليمات كانت إنك تشيلي أي أثر”.
الممرضة ردت: “أنا حكيمة وممرضة.. مش مجرمة!”
بعدها الراجل قال كلمة شقلبت الليلة: “هي متبنجة ومتخدرة تماماً.. مش هتفوق قبل الصبح”.
مريم عايشة! بنتي بتتنفس في حتة في المستشفى دي، وجوزها واقف برة بيعزيني فيها!
الممرضة سألته بخوف: “والطفل؟”
رد عليها: “ملكيش دعوة بالطفل”.
الممرضة قالت وصوتها بيرتعش: “بس أنا سمعت صوته وهو بيعيط”.
أول ما الراجل خرج، طلعت للممرضة وعيني فيها شرار: “بنتي فين؟ أنا أمها”.
الكلمة دي هزت فيها حاجة، فهمست لي: “غرف العمليات القديمة.. الممر الغربي.. أوضة و-17 (W-17).. هي عايشة هناك، والولد نزل وصوته مالي المكان”.
جريت في الممرات الخلفية لحد ما وصلت: **و-17.**
الباب كان مقفول بالكمبيوتر. بصيت من الإزاز شفت مريم نايمة مش حاسة بالدنيا. الممرضة ظهرت ورايا فجأة وفتحت الباب بالكارت.
دخلت جري.. مريم كانت باهتة وخرطوم الأكسجين تحت مناخيرها. لمست خدها، فتحت عين بالعافية وقالت بصوت طالع بالعافية: “ماما… ابني فين يا ماما؟ طارق أخده”.
وفي نفس اللحظة.. صفارات الإنذار ضربت في الممر برة. عرفوا إننا هنا ومفيش قدامي غير ثواني. طلعت تليفوني وكلمت **أبلة ماجدة**، صاحبة عمري اللي كانت مستشارة ورئيسة نيابة متقاعدة، قلت لها: “مريم عايشة يا ماجدة وفي مؤامرة في مستشفى الصفا”.
ماجدة قالت بصوت هز الحديد: “اوعي تقفلي الخط.. وخلي التليفون في جيبك”. متوفرة على صفحة روايات و اقتباسات
الباب اتفتح وظهر طارق.. ومعاه دكتور، والراجل اللي لابس بالطو أسود، ورجال الأمن.
طارق قرب وقال بخبث وصوت واطي: “طنط كريمة.. أهدي.. أنتي الصدمة مأثرة عليكي ومش في وعيك”.
بصيت لبنتي اللي قال لي إنها ماتت، ولأول مرة في الليلة دي.. ابتسمت، لأن الحيطة سدت في وشهم.
رفعت إيدي لفوق والأساور البلاستيك في صوابعي، وقلت بأعلى صوت والخط مفتوح مع النيابة:
“فهمّني يا طارق بيه.. طالما أنا مش في وعي.. بنتي بتتنفس وراك اهي ليه؟ والأسورة دي مكتوب عليها اسم ابن مريم وتوقيت ولادته قبل ما تكلمني وتقولي البقاء لله بربع ساعة ليه؟! ردو عليا يا مجرمين!”
حكايات مني السيد

## الفصل الثاني: جحيم الممر الغربي
الكلمة طلعت من بوقي زي الرصاص، رنت في الممر الضيق المخنوق بتاع العمليات القديمة وهزت الحيطان المقشرة. “ردوا عليا يا مجرمين!”. الأوضة اللي كانت من ثانية واحدة تحت رحمة السكوت المفاجئ، اتقلبت لساحة حرب باردة، الكل فيها واقف متثبت في مكانه كأن على رؤوسهم الطير.
طارق وقف مكانه، خطوته اللي كانت داخلة بثقة وإجرام متداري ورا قناع الوداعة اتهزت. عينيه زاغت بيني وبين الأساور اللي برقت في إيدي تحت نور اللمبة النيون المرعشة، وبعدين رمت عينه على مريم اللي كانت ورايا على السرير، نايمة بين الحياة والموت، الخرطوم في مناخيرها وصدرها بيعلو ويهبط ببطء، كأنها بتكدب كل حرف نطق بيه من ساعة ما كلمني في التليفون.
الدكتور اللي معاه —الراجل أبو بالطو أسود اللي عرفت بعد كده إنه الدكتور رفعت، مدير القسم الطبي الخاص في المستشفى— وشه اتقلب ألوان، ملامحه اللي كانت باردة وزي الخشب انكمشت، وبص لطارق ببرود مرعب، بصة لوم وعتاب، كأن لسان حاله بيقوله: “وديتنا في داهية بغبائك”.
“طنط كريمة.. أرجوكي وطي صوتك، إحنا في مستشفى محترم ومفيش داعي للشوشرة دي”، طارق قالها وهو بيحاول يرمم وشه اللي اتهد، خطى خطوة ناحيتي وهو مادد إيديه الإتنين زي اللي بيحاول يهدّي حيوان هائج، صوته كان ناعم زيادة عن اللزوم، النعومة اللي بتسبق الغدر علطول. “أنتي فاهمة غلط.. والله فاهمة غلط، الموضوع فيه لبس طبي كبير والدكاترة هيفهموكي”.
“يفهموني إيه يا ابن الهواري؟” صرخت فيه، والصوت المرة دي طلع من حنجرتي مخنوق بالغل والوجع، عيني كانت بتطق شرار، والتليفون اللي في جيب عبايتي مفتوح مع أبلة ماجدة، كنت حاسة بحرارته في جيب الصدر كأنه جمرة نار بتسند قلبي. “يفهموني إن المخدات اللي كانت تحت الملاية في أوضة 212 هي بنتي؟ يفهموني إن الأسورة دي اللي مكتوب عليها (ابن مريم طارق الهواري) والوقت الساعة 4:15 العصر دي كانت لعيّل مات في بطن أمه؟ أنت كلمتني كام الساعة؟ كلمتني 4:38.. يعني الولد اتولد وعاش واتعملت له أسورة، وبنتك كانت لسه طالعة من العمليات، وأنت واقف برا بتمثل عليا دور الجوز المكسور وتقولي بنتك ماتت وهي بتولد!”.
الأمن اللي كان واقف ورا طارق —اتنين رجالة بج*ثث عريضة ولابسين لبس أمن أزرق غامق— بصوا لبعض بتردد. الأمن في المستشفيات الاستثمارية الكبيرة متعود على خناقات الأهالي، على العياط، على الصريخ من الصدمة، بس مش متعودين على أم داخلة بقلب ميت، معاها أدلة، وبتواجه جوز الست والدكتور الكبير بتهمة خط*ف وق*تل. واحد منهم قرب خطوة وهتف بتردد: “يا فندم.. طارق بيه.. إحنا ممكن ننقل الست الكبيرة لـ…”.
“أقعد مكانك أنت وهو!”، الصوت المرة دي مكنش صوتي أنا. الصوت كان طالع من سماعة التليفون اللي كنت حطاه على الإسباكر من غير ما حد ياخد باله في وسط الدوشة. صوت أبلة ماجدة، المستشارة اللي قضت نص عمرها في المحاكم بتزلزل رجالة بشنبات. الصوت طلع حاد، قاطع، وزي الس*كينة: “أنا المستشارة ماجدة السيوفي، رئيسة جنايات الجيزة السابقة. المكالمة دي مسجلة، والشرطة وقوة من مباحث قسم الدقي في طريقها للمستشفى حالاً بناءً على بلاغ رسمي بخطف واحتجاز أنثى وإخفاء طفل حديث الولادة. أي فرد أمن، أو دكتور، أو عامل هيلمس الحاجة كريمة نصار أو هيحاول ينقل المريضة مريم نصار من مكانها، هيتحبس بتهمة التواطؤ في جناية خطف وتزوير أوراق رسمية. الزموا أماكنكم!”.
الكلمات نزلت عليهم زي المية الساقعة في عز كشكاش الصيف. رجال الأمن رجعوا خطوتين لورا تلقائياً، إيديهم اللي كانت ممدودة نزلت جنبهم، وبصوا للأرض. الدكتور رفعت رجع خطوة هو كمان لورا، وبدأ يمسح عرق ظهر فجأة على قورته رغم إن التكييف في الممر كان عالي وتلج.
طارق بس هو اللي عينيه لفت، وفي لحظة، القناع سقط بالكامل. الوش الشيك، المؤدب، اللي بيبوس الإيد ويقول “يا ماما كريمة”، اختفى. ظهر مكانه وش تاني خالص، وش ابن عائلة الهواري اللي متعود إن الفلوس بتشتري له كل حاجة، الوش الأناني اللي مستعد يدوس على أي حد عشان يوصل للي هو عايزه.
بصلي ونظرة عينه بقت حادة وزي الموس، قرب مني لحد ما بقى بيني وبينه شبر واحد، وقال بصوت واطي ومسموم، صوت مش عايز الميكروفون بتاع التليفون يلقطه: “ماشي يا كريمة.. لعبتيها صح وجبتي ماجدة السيوفي في ضهرك. بس وحياة رحمة أبويا، لو مخرِجتيش من هنا بالذوق، ونسيتي موضوع الواد ده خالص، بنتك مش هتشوف نور الصبح. الدكاترة هنا دكاترتي، والمستشفى ده بفلوسنا، وبنتك محتاجة حقنة واحدة غلط من أي ممرضة تعدي بالصدفة عشان تلحق اللي قولتلك إنها لحقتهم. فكري في بنتك يا حماتي العزيزة.. الواد غار، حافظي بقى على اللي فاضلة”.
جسمي كله اترعش، مش من الخوف، من القرف والذهول. بني آدم بالبشاعة دي؟ ده اللي بنتي حبته؟ ده اللي كانت بتدافع عنه لما كنت بقولها طارق غامض وبيحب المظاهر زيادة عن اللزوم؟
قبل ما أرد عليه، سمعنا صوت حركة من ورايا على السرير. أنين واطي وموجوع، صوت مريم وهي بتحاول تجمع شتات نفسها من وسط البنج اللي كان متقل دماغها. التفتّ ليها بسرعة، سبت طارق ورميت نفسي جنب السرير. مريم كانت بتفتح عينيها بالعافية، بتبص حواليها بتوهان، عينها جت في عيني، شفايفها الباهتة المشققة اتململت وقالت بصوت مكسور: “ماما… طارق… طارق أخد الولد.. سألت الممرضة قالت لي مات.. بس أنا سمعته.. أنا سمعته بيصرخ يا ماما.. صرخته لسه في ودني.. طارق أخده ووداه…”.
مريم ملحقتش تكمل الكلمة، دماغها ريحت تاني على المخدة وعينيها قفلت، البنج كان تقيل ومفعوله لسه مسيطر على أعصابها وجسمها الضعيف من أثر الولادة القيصرية الصعبة.
“مريم! مريم رد عليا يا بنتي! وداه فين؟” صرخت وأنا بهز كتفها براحة، دموعي اللي حبستها طول الليلة نزلت غصب عني، غسلت وشي المجهد. بصيت لطارق اللي كان واقف بيبتسم ابتسامة تشفي باردة.
“مش هتقولك حاجة يا طنط”، طارق قالها وهو بيعدل ياقة قميصه ببرود مستفز. “لأنها متعرفش. ومحدش هنا يعرف. فريحي نفسك واقعدي جنبها لحد ما الحكومة بتاعتك تيجي، وخلينا نشوف المستشارة بتاعتك هتعمل إيه مع ورق رسمي طالع من المستشفى بيقول إن الطفل اتولد ميت وتم نقل الج*ثة لثلاجة المستشفى تمهيداً للدفن”.
الدكتور رفعت، مدير القسم، أول ما سمع طارق بيقول كده، شجاعته رجعت له شوية، اتنحنح وقرب خطوتين وقال بنبرة رسمية مصطنعة: “فعلاً يا فندم.. الحاج طارق بيتكلم صح. حالة المريضة مريم كانت حرجة جداً، والطفل نزل عنده ضمور في الرئتين ومات بعد الولادة بدقايق. الأساور دي إجراء روتيني بيتعمل أول ما الطفل بينزل وقبل الوفاة. إحنا مفيش عندنا أي مخالفات طبية، وتقدري تتفضلي مع الأمن لمكتب الإدارة عشان تستلمي تصريح الدفن، وبلاش إثارة ذعر في المستشفى”.
بصيت لهم هما الاثنين، الكدب متفصل وجاهز، والورق مترتب، والسيستم كله متقفل عشان يغطي على الج*ريمة دي. بس هما نسوا حاجة واحدة.. نسوا الممرضة.
التفتّ بعيني في الأوضة بدور على الممرضة الكبيرة اللي دلتني على الأوضة، الست اللي قالت لي “أنا حكيمة مش مجرمة”. مكنتش موجودة في الأوضة، بصيت برا في الممر، لمحها واقفة بعيد، ورا رجال الأمن، وشها كان أبيض كأنها ج*ثة، وإيديها بتترعش وهي ماسكة سبحة خشب صغيّرة. طارق والدكتور رفعت كانوا ملهيين فيا ومنتبهين للتليفون ومخدوش بالهم إن الممرضة لسه واقفة وشهادتها ممكن تهد المعبد على اللي فيه.
في اللحظة دي، سمعنا صوت دوشة جاية من أول الممر الغربي. صوت خطوات جزم ميري تقيلة بتخبط في الأرض الإيبوكسي بتاعة المستشفى، ومعاها صوت زعاق ونبرات حاسمة.
“أيوة يا فندم.. الممر ده.. غرف العمليات القديمة المعزولة”، ده كان صوت حد من موظفين الاستقبال بالمستشفى وهو بيتكلم برعب.
وبعدها بـ ثواني، ظهروا في أول الممر. تلات رجالة بلبس مدني بس هيبتهم وس*لاحهم الميري اللي باين من تحت الجواكت كان بيقول كل حاجة، ووراهم ظابط صغير برتبة ملازم أول بلبس ميري، ومعاهم أبلة ماجدة بشعرها الفضي القصير، ونظارتها النظر الرفيعة، ووشها الصارم اللي مفيش فيه ذرة تهاون.
طارق أول ما شاف أبلة ماجدة والظابط، ابتسامته الباردة اتمسحت. الدكتور رفعت خطى خطوتين لورا وحط إيده في جيوب البالطو بتاعه وهو بيحاول يبان طبيعي.
الظابط قرب بسرعة، عينه لفت في المكان، لقط المريضة اللي على السرير، ولقط الأساور البلاستيك اللي في إيدي، وبعدين بص لطارق وللدكتور رفعت. “مساء الخير يا فندم. أنا النقيب حازم الشناوي، معاون مباحث قسم الدقي. جالنا بلاغ رسمي من سيادة المستشارة ماجدة السيوفي بوجود شبهة جنائية خطيرة واحتجاز مواطنة وإخفاء طفل”.
الدكتور رفعت تقدم بسرعة وهو بيرسم ابتسامة ترحيب صفرا: “يا فندم مرحباً بيك.. المستشفى مستشفى الصفا التخصصي وتحت أمر القانون دايماً. بس الموضوع كله سوء تفاهم من الحاجة كريمة، والدة المريضة. صدمة الوفاة بتاعة الجنين أثرت عليها، والطفل هنا حالته مثبتة في الدفاتر إنه اتولد بتقرير طبي وفاة طبيعية نتيجة توقف عضلة القلب، والج*ثة حالياً في الثلاجة”.
أبلة ماجدة قربت مني، حطت إيدها على كتفي بتطمني، وبصت للدكتور رفعت بعينين زي الصقر: “دفاتر إيه يا دكتور رفعت؟ الدفاتر اللي بتتكتب بعد ما الج*ريمة تتم؟ طارق بيه كلم الحاجة كريمة الساعة 4:38 وقالها بنتك ماتت.. وبنتها أهي عايشة وبتتنفس ورايا. لما جوز الست يكدب في موت مراته، يبقى كل ورق بيطلع من تحت إيدكم فيه شبهة تزوير وجناية”.
الظابط حازم بص لطارق: “طارق بيه الهواري؟ ممكن تفهمني ليه قولت لوالدة مراتك إنها ماتت وهي صاحية؟”.
طارق بلع ريقه، بس ثبت نفسه، ورجع لنبرة الهدوء الماكرة: “يا فندم.. أنا مأقلوتش إنها ماتت.. أنا قولت (عاشت وماتت وهي بتولد) كنت أقصد على الحالة الطبية الصعبة وإنها كانت بين الحياة والموت، والحاجة كريمة من خضتها سمعت الغلط وجت جري. أنا هكدب ليه؟ دي مراتي وحبيبتي وأم ابني اللي ملحقتش أفرح بيه”.
“كداب! كداب يا سيادة الظابط!”، الصوت المرة دي جه من ورا الكل. الصوت كان حاد ومبحوح ومخلوق بالدموع.
الكل التفت. الممرضة الكبيرة كانت واقفة، عينيها مليانة دموع، وجسمها كله بيترعش، بس رجليها شالتها وتقدمت لحد ما بقت وسط الدائرة، قدام الظابط علطول.
الدكتور رفعت بص لها بنظرة تهديد صريحة برقت في عينه، وطارق ضغط على سنانه لدرجة إن عروق رقبته ظهرت. “سعاد! ادخلي على شغلك وبلاش كلام فارغ”، الدكتور رفعت قالها بزجر.
لكن الممرضة سعاد متهزتش، بصت للظابط وقالت وصوتها بيرن في الممر: “مش هسكت يا فندم.. أنا بقالي ثلاثين سنة بشتغل في المستشفى دي ومستحيل أضيع آخرتي عشان فلوس طارق بيه ولا تهديدات الدكتور رفعت. الولد ماتولدش ميت.. الولد نزل سليم وزي الفل وصوته كان مالي أوضة العمليات. طارق بيه اتفق مع الدكتور رفعت يكتبوا تقرير وفاة ويطلعوا إخطار دفن مزور، والولد اتسلم لست تانية برة المستشفى من حوالي ساعة!”.
الكلمة نزلت كأنها قنبلة انفجرت في وسطنا. طارق اندفع ناحية الممرضة وهو بيزعق: “أنتي اتجننتي يا ست أنتي؟ أنتي بتخرفي بتقولي إيه؟”.
الظابط حازم حط إيده في صدر طارق وزقه لورا بقوة: “الزم مكانك يا طارق بيه! ومسمعش صوتك”. التفت للممرضة وعينه بقت حاسمة: “الولد اتسلم لمين يا مدام سعاد؟ وفين؟”.
الست بكت وقالت: “معرفش اسمها يا فندم.. بس شفتها.. ست شيك جداً، كانت مستنية في عربية مرسيدس سودا ورا المبنى الطبي الخلفي للمستشفى. الدكتور رفعت بنفسه أخد الولد في بطانية وخرج سلمه ليها، وطارق بيه كان واقف معاه. أنا سمعتهم وهم بيقولوا (كده الورق اتقفل والواد ده ملوش وجود في الدنيا خلاص)”.
بصيت لطارق.. وشه بقى زي الرماد، عينيه بقت تدور في المكان كأنه فار محبوس في مصيدة ويدور على أي جحر يهرب منه. الدكتور رفعت حط إيده على راسه وقعد على كرسي خشب في الممر كأنه جاله هبوط مفاجئ.
“يا ملازم حازم”، الظابط كلم العسكري اللي معاه بسرعة: “اتحفظ على الدكتور رفعت وطارق الهواري حالا. واطلب قوة إضافية تقفل مخارج المستشفى بالكامل وتتحفظ على كاميرات المراقبة بتاعة المبنى الخلفي وبوابات الخروج من الساعة 4 العصر لحد دلوقتي!”.
“حاضر يا فندم!” الملازم أخد طارق والدكتور رفعت على جنب، ورجال الأمن بتوع المستشفى وقفوا يتفرجوا ومحدش فيهم تجرأ ينطق بكلمة.
أنا سبتهم وروحت جري على الأوضة تاني، قعدت جنب مريم، مسكت إيدها الساقعة وبقيت أبوسها وأنا بعيط. بنتي عايشة.. بس حفيدي، حتة من قلبي، ضاع في شوارع القاهرة في وسط الضلمة دي. مع مين؟ وليه؟ طارق يعمل كده في ابنه ليه؟ إيه السر اللي يخلي أب يسرق ابنه من حضن أمه ويزور شهادة وفاته ويبيعه أو يديه لست غريبة؟
أبلة ماجدة دخلت ورايا الأوضة، حطت إيدها على كتفي وقالت بصوت هادي بس مليان قلق: “كريمة.. إحنا مسكنا أول الخيط.. بس الحكاية دي أكبر بكتير من مجرد جوز بيخون مراته أو بيسرق ابنها. عائلة الهواري وراها بلاوي، وطارق مكنش بيتحرك لوحده. لازم نفوق مريم، لازم نعرف منها كل حاجة حصلت قبل ما تدخل العمليات. هي المفتاح الوحيد اللي هيقولنا الواد ده راح فين”.
في اللحظة دي، تليفون طارق اللي كان محطوط على الترابيزة جنب السرير —الظابط كان حطه هناك بعد ما فتّشه— بدأ يرن. الشاشة نورت، ومكنش في اسم مكتوب، كان مجرد رقم غير مسجل.
الظابط حازم دخل الأوضة بسرعة لما سمع الرنة، بص للشاشة، وبصلي، وبعدين فتح الخط وفتح الإسباكر من غير ما ينطق ولا حرف.
صوت ست.. صوت ناعم، ارستقراطي، بس فيه نبرة فزع وتوتر قت*لت السكون اللي في الأوضة، جه من السماعة:
“طارق؟ أنت فين؟ الدكتور رفعت ميردش ليه؟ العربية اتحركت والولد معايا.. بس في حركة مش طبيعية على أول الشارع، وفي بوكس شرطة واقف عند البوابة الخلفية. طارق.. اتصرف، لو اتكشفنا، عيلتك كلها هتروح في داهية، وأنت أولهم!”.
الظابط حازم شاور للعسكري بسرعة يسجل المكالمة ويتتبع الخط، وأنا قفلت كف إيدي على ملاية السرير بقوة لدرجة إن ضوافري كانت هتقطع القماش.. الصوت ده مش غريب عليا. الصوت ده أنا سمعته قبل كده..
حكايات مني السيد
## الفصل الثالث: خيوط العنكبوت
الصوت ده.. الصوت الناعم، الأرستقراطي، اللي طالع من سماعة التليفون وهو بينضح بالفزع، رن في دمي زي الكهربا. مكنتش محتاجة عبقرية عشان أفتكره، النبرة دي سكنت ودني لمدة تلات سنين في كل مناسبة، في كل عزومة، وفي كل قعدة عائلية اتفرِضت عليا.
ده صوت **شريفة هانم الهواري**.. عمة طارق، الست الكبيرة اللي ممشية العيلة كلها على عجين متبلخطوش، اللي لما بتدخل مكان الكل بيقف لها انتباه. الست اللي كانت دايماً بتبص لبنتي مريم من فوق لتحت، كأنها حتة أرض اشتروها بفلوسهم وندمانين على ثمنها.
الظابط حازم لقط نظرة عيني وعملي إشارة بصباعه على بوقه عشان أفضل ساكتة. شاور للعسكري اللي معاه بسرعة عشان يلقط إشارة التليفون ويحدد المكان. الصوت رجع تاني من السماعة، والمرة دي كان أشرس وأسرع: “طارق! رد عليا أنت فين؟ الولد عمال يعيط وأنا مش عارفة أسكته.. اخلص وقولي أتحرك من الممر الخلفي ولا لاء؟!”
الظابط حازم غيّر نبرة صوته، وبحرفية ظابط مباحث متمرس، اتكلم بصوت واطي ومخنوق كأنه بينهج: “يا فندم.. طارق بيه مش عارف يتكلم حالياً.. الدنا مقلوبة في الدور فوق، خليكي مكانك ومتتحركيش بالعربية لحد ما نأمن لك السكة”.
“أنت مين؟” الصوت اتقطع فجأة بنبرة شك قاتلة. شريفة هانم مش غبية، حست إن النبرة مش نبرة رجالة طارق. “طارق فين؟ أنتوا مين؟!” متوفرة على صفحة روايات و اقتباسات
الخط قطع. تيت.. تيت.. تيت.
الظابط حازم ضرب كف على كف وزعق في العسكري: “لقطت المكان؟”
العسكري بص في الجهاز الصغير اللي معاه وقال بسرعة: “أيوة يا فندم، التليفون لسه جوة نطاق المستشفى، تحديداً في الإشارة ورا الملحق الطبي ب، عند الجراج المفتوح بتاع الإدارة”.
“معايا بسرعة!”، الظابط حازم خرج جري من الأوضة، ووراه اتنين عساكر مس*دساتهم في إيديهم. طارق والدكتور رفعت كانوا واقفين برة تحت حراسة أمين شرطة، طارق لما سمع صوت عمته طالع من التليفون، وشه اتقلب أزرق، وبص للأرض كأنه بيلعن الحظ اللي جابني وجاب الشرطة في اللحظة دي.
أنا مكنتش قادرة أقف مكانب. رجلي سحبتني ورا الظابط. أبلة ماجدة مسكتني من دراعي: “رايحة فين يا كريمة؟ استني هنا جنب بنتك”.
“بنتي في أمان هنا يا ماجدة”، قلتها وأنا بدمع، والغل مالي قلبي، “لكن حفيدي برة مع الحرباية دي.. مش هقعد هنا والنار بتأكل في صدري.. لازم آجي معاكي”.
ماجدة بصت لي بنظرة فهم، الست دي عاشت في المحاكم وشافت قلوب الأمهات لما بتتحول لـ صخر. سابت دراعي وقالت: “طب يلا.. بس ورايا وفي ضهري”.
نزيلنا جري من السلم الخلفي اللي ريحته رطوبة وعفن، السلم اللي بيودي على ورا المستشفى، الحتة اللي مبيعديش منها غير عمال النظافة وسيارات نقل الموتى. الهوا البارد بتاع الليل خبط في وشي أول ما فتحنا الباب الحديد الصديان.
المكان ورا كان ضلمة، عبارة عن ساحة ترابية واسعة فيها شوية شجر دبلان، وفي آخرها الجراج المخصص لدكاترة الإدارة وعربياتهم الشيك. في النص، كانت واقفة عربية مرسيدس سودا، مفيهاش ولا لقمة نور، فوانيسها مطفية، والزجاج الفاميه بتاعها مسوّد الدنيا أكتر.
الظابط حازم شاور لرجالته بالراحة. انتشروا حوالين العربية زي الضلال. قربنا أنا وأبلة ماجدة ووقفنا ورا سور شجري قصير. قلبي كان بيدق زي طبول الحرب. في اللحظة دي، سمعت الصوت.
صوت عياط واطي.. مخنوق.. صوت صرخة طفل لسه مولود، حنجرته لسه يدوب بتجرب الهوا. الصوت ده اخترق ضلمة الليل ونزل على قلبي برد وسلام. عايش! الواد عايش وبيتنفّس برة بطن أمه!
فجأة، نور الفانوس الداخلي للعربية نور. شريفة هانم كانت قاعدة ورا، شفتها من الزجاج الأمامي وهي بتلفت حواليها برعب، كانت لافة العيل الصغير في بطانية صوف بيضا، وبتحاول تكتم بوقه بإيدها وهي بتزعق للسواق اللي قدام: “دور العربية واطلع.. اطلع اِكسر البوابة دي.. في حاجة غلط!”.
“اثبت مكانك أنت وهي! الشرطة محاصرة المكان!”، الظابط حازم صرخ وهو بيطلع مس*دسه وبيوجهه ناحية الزجاج الأمامي للعربية. العساكر حاصروا الأبواب الأربعة، وواحد منهم ضرب بكعب بندقيته على إزاز السواق: “انزل وارفع إيدك برة!”.
السواق فتح الباب ونزل وترمى على الأرض وهو بيترعش: “ماليش دعوة يا باشا.. أنا سواق الهانم والله ماليش ذنب في حاجة!”.
الباب الخلفي للعربية اتفتح ببطء. نزلت شريفة هانم الهواري. هيبتها اللي كانت بتخوف عائلات، كانت متهدمة. شعرها الأصفر المصبوغ كان منكوش، وجاكت البدلة الشيك بتاعتها كان متبهدل، بس عينيها كانت لسه فيها النبرة المتكبرة الناشفة. كانت ماسكة العيل في حضنها وقافلة عليه كأنها بتتحامى فيه.
“أنت بتكلم مين كدا يا ظابط أنت؟” شريفة زعقت وصوتها اتهز بس حاولت تداريه: “أنت عارف أنا مين؟ أنا شريفة الهواري! أنت إزاي تتجرأ توجه س*لاحك ناحية عربيتي؟ أنا معايا حفيد عيلتي، والولد ده أمه ماتت جوة وإحنا بناخده لرعايتنا!”.
“حفيد عيلتك؟” طلعت من ورا الشجر وزعقت فيها، وصوتي شرخ صمت الجراج: “بنتي مامتتش يا شريفة! بنتي مريم عايشة جوة وبتتنفس! وأنتي وجميلك الحرامي طارق كنتوا بتسرقوا ابني وبتقولوا إنه مات!”.
شريفة أول ما شافتني، عينيها وسعت، وبصت ورايا لـ أبلة ماجدة. عرفتها. الستات الكبار في السن من الطبقة دي يعرفوا بعض بالاسم. “ماجدة السيوفي؟ أنتي إيه اللي جابك هنا؟ وإيه التهريج اللي بيحصل ده؟”.
أبلة ماجدة تقدمت بخطوات ثقيلة وحاسمة، وقفت قدامها وقالت ببرود قاتل: “التهريج ده اسمه جناية خطف طفل حديث الولادة، وتزوير ورق رسمي، واحتجاز أنثى بدون وجه حق، يا شريفة هانم. والظابط اللي واقف قدامك ده مش هيهمه اسم عيلتك ولا فلوسك لما يلاقي الج*ريمة متلبسة في حضنك”.
الظابط حازم قرب ومد إيده: “هاتي الطفل يا فندم بالذوق.. هاتي الطفل عشان متتحمليش مقاومة سلطات فوق القض*ية اللي أنتي لبساها”.
شريفة بصت حواليها، لقت السكة سدت بالكامل. العساكر محاوطينها، السواق على الأرض، وماجدة السيوفي واقفة بتسجل كل حركة بـ عين القاضي. ببطء، وبقرف شديد، مدت إيدها بالبطانية.
أنا منتقلتش.. أنا طرت. أخدت الولد من حضنها.. حطيته في صدري.
يا الله.. السخونة اللي طلعت من جسمه الصغير ودخلت قلبي، دفت سنين عمري كلها. بصيت في وشه.. حتة سكرة صغنونة، وشه أحمر ومكرمش، وعينيه مقفولة وبيعيط بصوت واطي. شميت ريحته.. ريحة المية بتاعة ربنا، ريحة البراءة اللي كانت هتروح في داهية بسبب طمع وجشع الناس دي. وبقيت أقول وأنا ببكي: “يا حبيبي.. يا قلب تيتة.. أنت هنا.. أنت في أمان يا واد مريم”.
الظابط حازم كلبش شريفة هانم ووراها السواق، وأمر العساكر يركبوهم البوكس اللي دخل الجراج بصوت سرينته اللي هزت الحتة.
رجعنا تاني على المبنى، كنت شايلا الولد ومرعوبة حد يلمسه أو ياخده مني. طلعنا للدور اللي فيه مريم. أول ما وصلنا، لقيت الممر مقلوب. دكاترة تانين وممرضات من دور الأطفال المبتسرين كانوا جايين جري، ومعاهم جهاز حضانة متنقل.
“الحاجة كريمة.. هاتي الطفل بسرعة”، ده كان صوت دكتور شاب، باين على وشه الاحترام والنظافة، مش زي الدكتور رفعت. “أنا الدكتور شريف، رئيس قسم الأطفال هنا. الممرضة سعاد بلغتني بكل اللي حصل. الولد ده محتاج يدخل الحضانة فوراً، نزل قبل معاده ومحتاج أكسجين ورعاية طبية عاجلة”.
خفت.. قفلت إيدي على البطانية أكتر: “مش هسيبه.. مش هسيب حد ياخده”. حكايات مني السيد
أبلة ماجدة قربت مني وطبطبت عليا: “اديه له يا كريمة.. الدكتور شريف ملوش دعوة بيهم، والشرطة واقفة معاه. لازم يطمنوا على الواد”.
سلمت الولد للدكتور، وقلبي كان بيتسحب مع عربية الحضانة وهي بتتحرك بسرعة ناحية العناية المركزة للأطفال.
في نفس الوقت، الظابط حازم كان واقف مع طارق والدكتور رفعت في الممر. طارق كان لسه بيحاول يلعب دور الضحية، أول ما شافني داخلة، صرخ: “يا فندم.. حماتي دي مجنونة.. والست الممرضة دي أنا هقاضيها بتهمة التشهير وبلاغ الكذب! أنا ابن الهواري.. أنا هخطف ابني ليه؟ إيه المنطق في كده؟!”.
الظابط حازم بص لـ طارق باحتقار وقال: “المنطق ده والسبب هتقوله في النيابة يا طارق بيه.. عمتك شريفة هانم اتقبض عليها في الجراج والطفل كان في حضنها جوة العربية، يعني مكنش في الثلاجة زي ما الدكتور رفعت قال. فوفّرو الكلام ده كله لـ محضر التحقيق”.
أنا سبتهم ودخلت الأوضة لـ مريم. البنج بدأ يروح أكتر، ومريم كانت صاحية، بتلتفت برقبتها يمين وشمال ودموعها مغرقة المخدة. أول ما شافتني داخلة، حاولت تقعد على السرير بس آهات الوجع من جرح العملية منعتها. “ماما.. ابني فين؟ شفتيه؟ طارق عمل فيه إيه؟”.
قعدت على طرف السرير، أخدت راسها في حضني وبقيت أملس على شعرها: “الولد سليم وزي الفل يا مريم.. الولد في الحضانة دكاترة بجد بيراعوه.. والشرطة قبضت على طارق وشريفة عمتو والدكتور الحرامي”.
مريم بكت.. بكاء طويل، بكاء مرير، كأنها بتغسل تلات سنين من الخديعة والوهم اللي عاشت فيهم مع الراجل ده. لما هديت شوية، بصت لي وعينيها فيها علامات استفهام تخوف: “ماما.. أنا لازم أقولك على حاجة.. طارق مكنش عايز الولد ده يطلع للدنيا باسمي”.
“يعني إيه يا بنتي؟” سألتها وأنا مش فاهمة.
مريم بلعت ريقها بصعوبة وقالت: “من ست شهور.. طارق جابلي ورق كتير وقالي اِمضي عليه عشان نشتري الأرض الجديدة اللي في التجمع. أنا وثقت فيه ومضيت من غير ما أقرا. بس من أسبوع، بالصدفة، وأنا بنظف مكتبه، لقيت نسخة من الورق ده.. طارق مخليني أمضي على تنازل عن كل ورثي من بابا، والتنازل ده لصالح شركاته هو وعمته شريفة. ومش بس كده.. لقيت عقد غريب جداً.. طارق مأجر رحم ست تانية برة مصر، والعقد مكتوب فيه إن الطفل اللي هيتولد من مريم.. هيتسجل باسم الست التانية دي!”.
جسمي سقع.. “ليه؟ يعمل كل ده ليه؟”.
“عشان جدي الكبير.. الحاج عاصم الهواري”، مريم قالت وصوتها بيرتعش: “كتب في وصيته إن نصيب طارق في المحلات والأراضي الكبيرة في وسط البلد، مش هيتنقل لاسمه ولا يقدر يتصرف فيه، إلا لو خلف ولد يحمل اسم العيلة من زوجة تكون من عائلة الهواري! شريفة عمتو متجوزة برة العيلة، وطارق اتجوزني أنا ومكنتش عاجباهم. فالخطة كانت إنهم ياخدوا الولد، ويسجلوه باسم بنت عم طارق اللي عايشة في دبي ومبتخلفش، عشان الورث كله يتفك والفلوس تدخل جيب طارق وشريفة.. وأنا اطلع من المولد بلا حمص.. ويقولوا إني موت وأنا بولد والواد مات معايا!”.
أنا كنت بسمع الكلام وضغطي بيعلى، الدم بيغلي في عروقي. اللعبة مكنتش مجرد سرقة عيل.. دي مؤامرة قذرة، تزوير في أنساب، وسرقة ورث، وق*تل بالبطيء لـ بنتي عشان الفلوس! الملايين عمت عينيهم لدرجة إنهم يرموا أم في الترب وهي صاحية ويحرموها من ضناها!
في اللحظة دي، دخلت أبلة ماجدة الأوضة، ووشها كان قلقان، ماسكة تليفونها في إيدها. بصت لي وقالت: “كريمة.. لازم نيجي مع الظابط حازم حالاً على قسم الدقي عشان نسجل الأقوال رسمي والنيابة هتبدأ التحقيق الفجر. بس في مصيبة تانية حصلت برة”.
“مصيبة إيه تاني يا ماجدة؟” سألتها بنفاذ صبر.
“المستشفى.. مستشفى الصفا التخصصي طلع مش ملك الدكتور رفعت لوحده. عائلة الهواري شريك بنسبة 40% في المستشفى ده من خلال شركات تانية. وأول ما خبر القبض على شريفة وطارق انتشر، في محامين كبار جداً وصلوا القسم دلوقتي ومعاهم تليفونات من جهات تقيلة بيحاولوا يلموا الموضوع ويوجهوا التهمة كلها للدكتور رفعت والممرضة سعاد على إنه (خطأ طبي وفردي)، وعايزين يخرجوا طارق وشريفة بكفالة على ذمة التحقيق بحجة إن مفيش دليل رسمي إنهم كانوا بيخطفوا الواد!”.
وقفت على رجلي، وجسمي كله مشدود زي الوتر: “مفيش دليل؟ والولد اللي كان في عربية شريفة في الضلمة ورا المستشفى ده إيه؟ والأسورة اللي في جيبي دي إيه؟”.
“المحامين بتوعهم أذكياء يا كريمة”، ماجدة قالت بنبرة خوف حقيقية: “بيقولوا إن شريفة هانم كانت بتاخد الولد تنقله لمستشفى تاني لإنقاذ حياته بعد ما الدكتور رفعت قالها إن الأجهزة هنا بايظة، وإن طارق مكنش يعرف بحكاية المخدات اللي على السرير وكان فاكر مراته ماتت فعلاً من كلام الدكاترة. هيلبسوها كلها للدكتور والممرضة.. ولو طارق وشريفة خرجوا الصبح.. مريم وابنها مش هيكونوا في أمان.. الناس دي معاها نفوذ يهد جبال”.
بصيت لـ مريم اللي كانت بتبكي على السرير، وبصيت لنفسي في الإزاز.. كريمة نصار، الست اللي عاشت طول عمرها في حالها، بتربي بنتها بعد موت جوزها، ومبتعرفش في المشاكل. بس الليلة دي غيرتني. الليلة دي خلقت مني حد تاني خالص.
“مش هيخرجوا يا ماجدة”، قلتها بصوت ناشف وزي الحديد، “لو هقعد على باب النيابة بـ طشت دم.. مش هسيب حق بنتي وحفيدي. يلا بينا على القسم”.
خرجنا من الأوضة، الممر كان فضي تماماً من الشرطة، طارق وشريفة والدكتور رفعت أخدوهم في البوكسات على القسم. سيبنا مريم تحت حراسة اتنين عساكر تبع الظابط حازم ودكتور شريف الطيب اللي وعدني مش هيسيب الولد ثانية واحدة.
ركبنا عربية أبلة ماجدة واتحركنا في شوارع القاهرة اللي بدأت تفضي في الهزيع الأخير من الليل. الدنا كانت هادية من برة، بس جوة قلبي كان في بركان شغال.
وصلنا قسم الدقي.. المكان كان زحمة على غير العادة في الوقت ده. برة القسم كان واقف تلات عربيات مرسيدس وبي إم دبليو، ورجالة بلبس شيك جداً، محامين بشنط جلد غالية، بيتكلموا في التليفونات بنبرات صوت عالية وأوامر.
دخلنا جوة.. في مكتب رئيس المباحث، كان قاعد الظابط حازم، وقدامه طارق الهواري قاعد وحاطط رجل على رجل، وبيدخن سيجارة بكل برود، وكأن المكان بتاعه. وشريفة هانم كانت قاعدة على كرسي جلد، وواقف وراها محامي عجوز، شعره أبيض ونظرته خبيثة جداً.
أول ما دخلت، طارق بصلي وابتسم ابتسامة خفيفة، ابتسامة ثقة مسمومة، كأنه بيقولي: “وريني هتعملي إيه يا حماتي”.
المحامي العجوز تقدم خطوة وبص للظابط حازم وقال بنبرة واثقة: “يا فندم.. إحنا قدمنا الطلب خلاص، والتقرير الطبي الاستشاري من دكاترة المستشفى التانيين بيقول إن حالة المريضة مريم نصار كانت تستدعي عزل طبّي تام، والطفل كان محتاج نقل سريع لغرفة رعاية مركزة مش متوفرة في القسم القديم. موكلي طارق بيه وشريفة هانم مكنش عندهم أي نية إجرامية، والموضوع كله سوء تفاهم ناتج عن بلاغ كاذب وانفعالي من الحماة. وإحنا بنطلب إخلاء سبيلهم حالاً بضمان مالي أو محل الإقامة”.
الظابط حازم بص لـ أبلة ماجدة ولي، ووشه كان باين عليه الضغط.. المحامي بيتكلم بالقانون، والورق اللي معاهم متقفل صح.
في اللحظة دي، أبلة ماجدة لفتت ووقفت في نص المكتب، فتحت شنطتها وطلعت جهاز تسجيل صغير جداً، حطته على مكتب رئيس المباحث وقالت: “ده تسجيل للمكالمة اللي دارت بين طارق الهواري وبين والدة مريم الساعة 4:38.. اللي بيقولها فيها بلفظ صريح (بنتك ماتت وهي بتولد.. البقاء لله). لو كان الموضوع نقل طبي زي ما الأستاذ بيقول.. كان كدب ليه وقال إنها ماتت؟”.
المحامي العجوز ضحك بسخرية: “التسجيلات الصوتية غير المأذونة من النيابة يا سيادة المستشارة، لا قيمة لها في المحكمة وتعتبر باطلة.. أنتي أستاذتنا وعارفة الكلام ده كويس”.
طارق نفخ دخان سيجارته وبصلي وقال بنبرة تحدي واضحة: “قولتلك يا طنط.. الصدمة مأثرة عليكي.. روحي روحي بيتك واعملي الرز بلبن اللي مريم بتحبه.. وسيبيلنا ابننا نربيه بمعرفتنا”.
دمي فار.. الغضب عما عيني. مكنتش سامعة كلام القانون ولا البطلان. كنت شايفة الشيطان واقف قدامي وبيضحك في وشي ويهددني ياخد حفيدي مني بعد الصبح. قربت من مكتب الظابط، خبطت بإيدي الإتنين على الخشب وزعقت: “القانون بتاعكم باطل لو هيخرج المجرمين دول! أنا معايا الأسورة.. ومعايا شهادة الممرضة.. ومعايا…”.
قبل ما أكمل الكلمة، الباب بتاع المكتب اتفتح بقوة.
دخل عسكري وهو بينهج، وبص للظابط حازم وقال بصوت مسموع للكل: “يا فندم.. في دكتور جيه برة ومصمم يدخل حالاً.. دكتور من نفس المستشفى ومعاه حاجة خطيرة تخص الق*ضية دي!”.
التفتنا كلنا ناحية الباب.. طارق وقف وسيجارته وقعت من إيده.. والمحامي العجوز وشه اتغير.. مين اللي جيه في الوقت ده؟ وإيه الحاجة الخطيرة دي؟
حكايات مني السيد
## الفصل الرابع: الرصاصة الأخيرة
الباب بتاع مكتب رئيس المباحث رزع في الحيطة، ودخل منه الدكتور شريف —رئيس قسم الأطفال المبتسرين— وهو هدمته مبهدلة، ووشه عرقان ونفسه عالي كأنه كان في سباق جِري. مكنش لوحده، كان ماسك في إيده ملف جلد لونه كحلي، ووراه ممرضة تانية صغيرة في السن، تالتة الشغالين في الليلة دي، كانت واقفه وراه وبتعيط وضانة إيديها على صدرها برعب.
طارق أول ما شاف الدكتور شريف، عينيه وسعت وبص للمحامي العجوز بنظرة فزع صريحة، الحركة دي مكنتش متوقعة في حساباتهم. المحامي العجوز تدارك الموقف بسرعة، وقف في وش الدكتور وقال بنبرة حادة: “أنت مين يا أفندم؟ وإزاي تدخل مكتب رئيس المباحث بالطريقة الهوجائية دي؟ إحنا في تحقيق رسمي!”.
الظابط حازم شاور للمحامي بـ إيده إنه يسكت، وبص للدكتور شريف باهتمام: “اتفضل يا دكتور.. قولي في إيه؟ ومين اللي معاك دي؟”.
الدكتور شريف أخد نفسه، وحط الملف الكحلي على مكتب الظابط حازم بقوة: “يا فندم.. أنا جيت جري أول ما طفل مريم نصار دخل عندي الرعاية المحصنة. الدكتور رفعت وطارق بيه كانوا مفهمين الإدارة إن الطفل نزل ميت، بس لما استلمت الولد وبدأت أعمله الفحص الشامل عشان نحدد نسبة الأكسجين، اكتشفت الج*ريمة التانية اللي كانوا بيدبروها”.
“ج*ريمة إيه يا دكتور؟ اخلص!”، صرخت فيه وأنا بقرب، قلبي رجع يتخض تاني على حتة السكر اللي سبتها في الحضانة.
الدكتور شريف بصلي بنظرة طمأنينة سريعة وقال: “الولد سليم يا حاجة كريمة ومتخافيش، بس الج*ريمة في الورق اللي في إيدي ده. دي دفاتر تسجيل المواليد الحقيقية بتاعة غرف العمليات، الدفاتر دي مبيشوفهاش غير حكيمة الدور والدكتور اللي ولد. الدكتور رفعت كان مطلع إخطار وفاة وإخطار ولادة تانيين خالص، بأسماء تانية. الممرضة اللي معايا دي —أمل— هي اللي كانت مسؤولة عن السيستم الإلكتروني الليلة دي، ولما شافت الحركة مش طبيعية في الممر الغربي، صوّرت شاشات السيستم قبل ما الدكتور رفعت يدخل يمسح البيانات بنفسه ويعمل (تعديل للحالة)”.
الممرضة الصغيرة —أمل— تقدمت خطوة وصوتها بيرتعش: “أيوة يا باشا.. الدكتور رفعت جالي المكتب الساعة 5 إلّا ربع، وكان وشّه متغير، وطلب مني باسوورد السيستم الرئيسي بحجة إنه بيعمل تحديث لبيانات وفيات الليلة. أنا خفت من طريقته، ولأننا عارفين إن مدام مريم ولدت والولد نزل صاحي وصريخه سمع الدور كله، دخلت بسرعة وعملت سكرين شوت لكل الخطوات من تليفوني ونقلت الدفتر اليدوي ده في شنطتي وخرجت من الباب الوراني قبل ما الأمن يمنعني”.
أبلة ماجدة السيوفي اتقدمت بسرعة زي الصقر، سحبت الملف الكحلي من على المكتب، فتحته وبدأت تقلب في الورق بعين الخبير، عينيها برقت ولقطت تليفونها وفتحت الكاميرا وصوّرت الصفحات، وبصت للمحامي العجوز بابتسامة نصر هزت كيانه: “امسك بقى يا أستاذ.. الدفتر اليدوي اللي متسجل فيه ساعة الولادة 4:15 باسم (ابن مريم طارق الهواري) ومكتوب جنبه بخط الدكتور اللي ولد (الحالة مستقرة وتم النقل للحضانة).. والسيستم الإلكتروني المصور بيثبت إن التعديل تم الساعة 4:42 وتحول لـ (جنين ميت) بواسطة الأكونت الشخصي للدكتور رفعت! ده مش خطأ طبي.. ده تزوير في أوراق رسمية وجناية تلاعب في أنساب لسرقة طفل قاصر وتسهيل خطفه!”.
المحامي العجوز وشه جاب ألوان، وبص لـ طارق اللي كان واقف ساند على الحيطة، السيجارة وقعت من بوقه على الأرض ولطخت السجاد الميري، وعروق جبهته اتنفخت وبقى يبص للدكتور شريف والممرضة بغل كأنه عايز يأكلهم بسنانه.
“يا فندم.. الكلام ده كله كلام مرسل ويحتمل اللبس المادي”، المحامي حاول يعافر للمرة الأخيرة وصوته بدأ يشرخ ويفقد ثقته: “الدفاتر اليدوية دي مفيهاش توقيع موكلي طارق بيه، والدكتور رفعت هو المسؤول الأول والأخير عن الجانب الإداري والطبي للمستشفى، موكلي ملوش صفة!”.
شريفة هانم اللي كانت قاعدة ساكتة طول الوقت وبتابع المشهد بكبرياء زائف، وقفت فجأة وخبطت بـ شنطتها الجلد الغالية على مكتب الظابط: “إحنا مش هنقعد هنا نسمع كلام ممرضات ودكاترة من حواري القاهرة! كلمولي وزير الصحة! كلمولي رئيس المحكمة! أنا شريفة الهواري ومستحيل أتحبس في مكتب زي ده بناءً على تهم ملفقة من ست مجنونة وصاحبتها!”.
الظابط حازم وشه اتقلب خشب، النبرة المتكبرة دي جابت معاه العكس تماماً. وقف بطوله، ضرب مكتبه بـ كف إيده ضربة رنت في الأوضة وخلت الكل يتثبت: “الزمي حدودك يا شريفة هانم! أنتي في قسم شرطة جمهورية مصر العربية، والقانون هنا بيمشي على الصغير قبل الكبير. والوزير اللي بتقولي عليه مش هيشيل عنك تهمة خطف عيل متلبسة بيها في جراج مستشفى وورا الزجاج الفاميه!”.
التفت للعسكري بتاعه وبصوت حاسم وزي الرصاص: “خد المتهم طارق الهواري، والمتهمة شريفة الهواري، على الحجز فوراً! ويتم إخطار النيابة العامة بوصول الدفاتر والأدلة الجديدة، والتحقيق هيتفتح مع دكتور رفعت في الأوضة التانية حالاً ونواجهه بالدفتر اليدوي والسيستم”.
“حاضر يا فندم!” العسكري قرب من طارق وكلبش إيده. طارق وهو بيتسحب، عينه جت في عيني.. النظرة مكنتش نظرة خوف، كانت نظرة توعد مرعبة. قرب مني وهو بيمر من جنبي، وهمس بصوت فحيح الأفاعي: “الواد جوة الحضانة يا كريمة.. والمستشفى بتاعي.. والليل لسه مخلصش”.
جسمي كله سقع، النبرة دي مكنتش نبرة واحد اتهزم، دي نبرة واحد عارف إن لسه معاه كروت مطلعهاش، أو إن في ضهر برة القسم بيتحرك عشان يقلب التربيزة علينا في أي لحظة.
أبلة ماجدة أخدتني من إيدي وخرجنا برا المكتب عشان الدكاترة والممرضات يسجلوا أقوالهم في المحضر. قعدنا على كراسي حديد في ممر القسم، ريحة السجاير الميري والهموم كانت مالية المكان. النهار كان بدأ يشقشق من الشبابيك العالية، نور رمادي باهت داخل بيطرد ضلمة الليلة الطويلة دي.
“ماجدة.. أنا خايفة”، قلتها وأنا ساندة راسي على الحيطة الساقعة، دموعي كانت نشفت وبقى مكانها حرقان ووجع في عيني: “طارق عينه مفيهاش انكسار.. الراجل ده وراه حد كبير، والكلمة اللي قالهاالي وهو خارج رعبتني.. قالي المستشفى بتاعي والليل مخلصش.. تفتكري ممكن يعملوا حاجة في الواد وهو في الحضانة؟”.
أبلة ماجدة حطت إيدها على إيدي، وشها الصارم كان فيه علامات قلق هي كمان بتحاول تداريها عني: “مش هكذب عليكي يا كريمة.. عائلة الهواري ليهم فروع كتير، وشريفة هانم متجوزة راجل أعمال تقيل جداً وله علاقات في كذا جهة رسمية. المحامين اللي واقفين برة دول مش جايين من نفسهم، دول مدفوع لهم آلاف عشان يخرجوا طارق وشريفة بأي طريقة قبل ما الق*ضية تتحول لجنايات رسمية والجرائد تشم خبر. بس إحنا معانا الظابط حازم، وهو راجل نظيف ومش هيرضى بالظلم”.
“والورق اللي مريممضت عليه؟” سألتها بـ افتكار والخوف بيعصر بطني: “مريم قالت لي إنها مضت على تنازل عن كل ورثها لشركات طارق وعمته من ست شهور.. العقد ده لو حقيقي.. بنتي كدا ضاعت، الفلوس راحت والواد مهدد!”.
ماجدة هزت راسها بالتفكير: “التنازل ده هيبقى باطل لو أثبتنا إنه تم تحت الخديعة أو التزوير المعنوي، بس الأهم دلوقتي مش الفلوس يا كريمة.. الأهم هو الواد ومريم. مريم لازم تتنقل من المستشفى دي فوراً.. مستشفى الصفا مبقاش أمان ليها ولا لابنها بعد ما عرفنا إن الهواري ليهم أسهم فيه”.
في وسط الكلام، تليفون ماجدة رن. بصت في الشاشة ووشها اتغير، قامت وقفت بعيد شوية وردت. كنت بتابع تعبيرات وشها من بعيد.. حواجبها عقدت، وعينيها وسعت، وبدأت تتكلم بنبرة سريعة وحادة: “إزاي؟ ومين اللي أدا القرار ده؟.. لا يا فندم، المحضر لسه شغال والدفاتر الحقيقية معانا.. ده كلام مش قانوني!”.
قفلت الخط ورجعتلي وهي بتنهج، وشها كان أبيض زي الورقة.
“في إيه يا ماجدة؟ أنطقي باللي لله!”، وقفت وقفشت في جاكت بدلتها برعب.
“المستشار القانوني بتاع مجموعة مستشفيات الصفا وصل النيابة دلوقتي ومعه أمر رسمي من جهة تفتيشية بـ… بـ نقل الدكتور رفعت والممرضة سعاد للتحقيق الإداري الداخلي، وتقديم تقرير طبي بديل بيقول إن الدفتر اليدوي اللي مع الدكتور شريف ده دفتر قديم وملغى ومش معتمد من وزارة الصحة!”. ماجدة قالتها وصوتها فيه ذرة يأس: “ومش بس كده.. في محامي تاني جاب شهادة ميلاد تانية خالص صادرة من مكتب صحة برة القاهرة، مسجل فيها طفل بنفس المواصفات والتاريخ باسم بنت عم طارق اللي في دبي! هما قفلوا اللعبة من برة يا كريمة.. المحضر بتاعنا هنا بيحاولوا يفرغوه من مضمونه عشان لما يروح للنيابة الصبح، وكيل النيابة ميردش قدامه غير (تضارب في الأقوال وتقارير طبية متناقضة)، وبكدا طارق وعمته يخرجوا بكفالة على طول!”.
“يعني إيه؟” صرخت والناس في الممر بتاع القسم بدأت تبص علينا: “يعني تعبي وشقايا وطيري في وسط الليل والولد اللي أخدته من حضن الحرباية ده كله هيروح؟ هيرجعوا ياخدوه تاني بالقانون؟! بنتي هتموت يا ماجدة لو صحيت ولقت ابنها اِتاخد منها تاني!”.
“أهدي يا كريمة.. أهدي ومتضيعيش عقلك دلوقتي”، ماجدة مسكتني من كتافي وبقت تهزني عشان أفوق: “إحنا لسه في الملعب.. المحضر بتاع حازم الشناوي لسه شغال وهو متمسك بالدليل والولد في إيدينا. مفيش حد يقدر ياخد الولد من المستشفى طول ما هو في الحضانة وتحت حراسة الشرطة. إحنا لازم نرجع المستشفى حالاً.. لازم نكون جنب مريم والواد، النيابة هتبعت وكيل نيابة يعاين الحالة في المستشفى الصبح، والمعاينة دي هي اللي هتفصل في كل حاجة”.
جرينا برا القسم، ركبنا العربية تاني والنهار كان خلاص طلع بالكامل، الشمس بدأت تظهر من ورا عمارات الدقي، بس مكنش فيها دفى، كانت شمس باردة وبتنور حقيقة مرعبة. السكة كانت بدأت تلتخم بالعربيات والناس اللي رايحة شغلها، كل واحد رايح لحاله ومحدش عارف النار اللي قايدة في قلب الأم اللي قاعدة في العربية دي.
وصلنا مستشفى الصفا تاني الساعة 7 الصبح. أول ما دخلنا من البوابة الرئيسية، حسيت إن الجو اتغير. الأمن اللي على البوابة كان باصص لنا بنظرات غريبة، ومكنش في الحراسة اللي سابها الظابط حازم برة!
“فين العساكر اللي كانوا واقفين هنا؟” سألت ماجدة وأنا بجري ناحية الأسانسير وقلبي مقبوض قبضة موت.
“مش عارفة.. يلا نطلع فوق بسرعة!”.
طلعنا للدور الغربي، ممر العمليات القديمة. أول ما وصلنا، لقيت الأوضة و-17 بابها مفتوح على الآخر. دخلت جري وأنا بصرخ: “مريم!”.
الأوضة كانت فاضية!
السرير كان مترتب، الملايات مغسولة ونظيفة، خرطوم الأكسجين محطوط على الترابيزة، ومفيش أي أثر لـ بنتي! مريم اختفت!
“مريم فين؟ بنتي راحت فين؟” بقيت ألف حوالين نفسي في الأوضة زي المجنونة، بفتح الدولاب، وبفتح الحمام، وبصرخ بأعلى صوتي لحد ما الممرضات والدكاترة اتلموا على صوتي.
دكتور شريف —رئيس قسم الأطفال— جه جري من الممر، وشّه كان متبهدل وفي جرح صغير عند حاجبة كأنه انضرب أو دخل في خناقة. “حاجة كريمة.. الحقيني يا فندم”.
“بنتي فين يا دكتور شريف؟” مسكته من بالطوه وأنا بنهار: “مريم فين؟ والولد فين؟”.
دكتور شريف اتكلم وصوته مخنوق بالدموع والعجز: “من نص ساعة.. جيه أمر إداري مختوم من مجلس إدارة المستشفى بنقل المريضة مريم نصار لـ مستشفى تانية تابعة للمجموعة بحجة إن حالتها محتاجة رعاية مش متوفرة هنا. أنا حاولت أمنعهم، ووقفت قدام السرير، وقولت لهم في حراسة شرطة وفي محضر.. بس جابوا رجالة أمن شداد من برة المستشفى، ومعاهم ورق رسمي وتنازل ممضي من طارق بيه بصفته جوزها والولي عليها.. ضربوني وأخدوا مريم في عربية إسعاف تابعة ليهم!”.
“والولد؟” صرخت والروح كانت بتطلع مني: “ابن مريم فين؟”.
الدكتور شريف بص للأرض ودموعه نزلت: “أخدوه من الحضانة يا فندم.. المحامي بتاعهم جيه ومعه أمر من النيابة الجزئية —أمر مستعجل طلع في الفجر— بـ تسليم الطفل لـ عّمته شريفة الهواري بصفتها الوصية البديلة لحد ما التحقيق يخلص بحجة إن الأم غائبة عن الوعي والأب متحفظ عليه! أنا مكنش في إيدي حاجة أعملها.. القوة القانونية والورق اللي معاهم كان أقوى مني.. الولد ومريم اِتاخدوا في نفس اللحظة!”.
الدنيا اسودت في عيني.. الحيطان بدأت تلف، وصوت دقات قلبي بقى مسموع في ودني زي الرعد. الناس دي مش بشر.. الناس دي أخطبوط مخالبة في كل حتة، بيتحركوا في الضلمة وبيشتروا النفوس بالفلوس، وقدروا في ساعتين يقلبوا المحضر والأدلة والشرطة لـ ورق ملوش قيمة، وياخدوا بنتي وحفيدي من قلب المستشفى وتحت عين الشمس!
أبلة ماجدة مسكتني قبل ما أقع على الأرض، كانت بتزعق في الدكتور وبتطلع تليفونها عشان تلم الدنيا، بس أنا مكنتش سامعة حاجة. السمع عندي وقف عند كلمة واحدة: *أخدوهم.*
قمت وقف على رجلي.. الدموع وقفت، والرعشة اللي في إيدي اختفت. ظهر مكانهم برود غريب، برود قاتل، البرود اللي بيجي للأم لما بتعرف إنها مبقاش معاها حاجة تخسرها في الدنيا دي.
بصيت لـ أبلة ماجدة وقلت لها بنبرة صوت هادية جداً، هدوء يخوف أكتر من الصريخ: “ماجدة.. طارق وشريفة فاكرين إنهم كسبوا بالورق والقانون بتاعهم.. فاكرين إن الفلوس بتقفل السكك كلها”.
“كريمة.. أنتي هتعملي إيه؟ أرجوكي اِهدى وإحنا هنرفع الأمر للمحامي العام حالا!”، ماجدة قالتها وهي خايفة من نبرة صوتي وطريقتي.
“المحامي العام هياخد أيام يا ماجدة.. وأنا بنتي وحفيدي تحت إيد مجرمين ممكن يخلصوا عليهم في ثانية عشان يداروا الج*ريمة”، قلتها وأنا بندفع ناحية الباب وبخرج للممر: “أنا مش هستنى القانون اللي بيتفصل على مقاس فلوس عائلة الهواري.. أنا هروح لهم بنفسي.. هروح لبيت الهواري الكبير في الدقي.. البيت اللي طارق قالي إن السر كله جواه.. وحياة روح جوزي اللي مات وسابلي البنت دي.. لو مخرجتش من هناك بـ بنتي وحفيدي.. لـ هكون قيدالهم البيت ده باللي فيه.. وال ليل الليلة دي مش هيطلع عليهم!”.
جريت في الممر، ورايا صوت ماجدة وهي بتصرخ وتطلب مني أقف، وصوت دكتور شريف.. بس رجلي كانت بتتحرك بقوة مكنتش أعرف إنها فيا. نزلت لـ شارع القاهرة المشمس.. الشارع اللي مليان ناس وعربيات.. وركبت أول تاكسي قابلني وقلت له بـ نبرة زي حد السيف: “على بيت الهواري الكبير اللي في الدقي يا اسطى.. واِجري.. اِجري عشان في أرواح هتروح!”.
التاكسي طار بيا في الشوارع، وأنا عيني على الطريق، وإيدي قافلة على الأسورة البلاستيك الصغنونة اللي فضلت معايا في جيب العباية.. الأسورة دي هي الحبل الوحيد اللي فاضل بيني وبين حفيدي.. ومش هسيبه يتقطع.. حتى لو كان الثمن حياتي أنا شخصياً.
وصلنا الشارع اللي فيه بيت الهواري.. قصر قديم محاط بـ سور شجري عالي وبوابة حديد ضخمة. نزلت من التاكسي، وبصيت للبوابة المقفولة.. ولمحت عربية الإسعاف السودا واقفة جوة الجراج الداخلي للقصر..
يتبع
حكايات مني السيد
## الفصل الخامس والأخير: حريق في بيت الهواري
التاكسي مشي وسابني واقفه بطولي في وسط الشارع. الهوا بتاع العصر في الدقي كان محمل بتراب ناعم بيلسع العين، بس أنا مكنتش حاسة بحاجة. عيني كانت متثبتة على البوابة الحديد الضخمة بتاعة قصر الهواري. قصر قديم، مبني من أيام الملكية، حيطانه عالية ورمادية كأنها سجن، ومحاط بشجر كافور عالي ومغطي على الشبابيك. كان باين عليه العز، بس العز اللي ريحته موهوبة للظلم والدم.
لمحت من بين الفتحات بتاعة البوابة عربية الإسعاف السودا اللي أخدوا فيها مريم وهي واقفة جوة الجراج، وموتورها لسه بيطلع صهد كأنها لسه واصلة من دقيقين.
مستنتش، ومفكرتش. خطوت رجلي كانت أسرع من الخوف. روحت على البوابة الحديد وخبطت عليها بـ كفوف إيدي الإتنين بكل قوتي. الحديد رن في الشارع الفاضي الهادي: “افتحوا الباب! افتحوا يا حرامية يا مجرمين! هاتوا بنتي! هاتوا حفيدي!”.
ظهر من ورا الباب فرد أمن ج*ثته عريضة، لابس قميص أسود، وبصلي بنظرة استهزاء من ورا السلك: “أمشي من هنا يا ست أنتي.. ده قصر الهواري هانم، مش تكية! أمشي بدل ما أطلبلك النجدة”.
“اطلب النجدة يا روح أمك!”، صرخت فيه وأنا بتعلق في الحديد وبحاول أهز البوابة: “أنا كريمة نصار.. أم مريم اللي خطفتوها من المستشفى! قول للشيطانة الكبيرة شريفة الهواري إن أم مريم واقفة برة، ومش هتمشي من هنا غير وضناها في حضنها.. افتح الباب!”.
الراجل وشه اتقلب لما سمع الاسامي، ولف بسرعة ودخل الأوضة الصغير بتاعة الأمن ورفع سماعة تليفون داخلي. دقيقة واحدة، وخرج وبابه انفتح تكة صغيرة. “ادخلي.. الهانم مستنياكي جوة.. بس لوحدك”.
دخلت. الساحة جوة كانت واسعة، في نجيل الأخضر والورد المرصوص، بس أنا كنت شايفة الدم والكدب مغطي على كل ورقة شجر. مشيت بخطوات ثابتة لحد ما وصلت للسلالم الرخام الكبيرة اللي بتودي لباب القصر الرئيسي. الباب كان مفتوح، وجوة الصالون الكبير، اللي مليان نجف كريستال وسجاجيد عجمي غالية، كانت قاعدة شريفة هانم الهواري.
كانت قاعدة على كرسي مذهب، مغيرتش هدمتها المبهدلة بتاعة المستشفى، بس كانت حاطة رجل على رجل وبكل برود الدنيا ماسكة فنجان قهوة صيني وبتشرب منه. وعلى الكنبة اللي جنبها، كانت محطوطة البطانية الصوف البيضا.. وفيها الولد!
حفيدي كان نايم، هادي، كأنه حاسس إن الحيطان دي غريبة عنه ومستسلم للقدر.
“مريم فين؟” ده كان أول سؤال نطق بيه بوقي وأنا واقفة في وسط الصالون، متهزتش من الفخامة ولا النور اللي مالي المكان.
شريفة حطت فنجان القهوة على الترابيزة ببطء، وبصتلي بابتسامة صفرا مليانة شماتة وتكبر: “أهلاً يا كريمة.. كنت عارفة إنك هتيجي جري. الأمومة برضه بتعمل عمايلها. بس أنتي داخلة بيت الهواري من غير إذن، وده في حد ذاته جنحة اقتحام”.
“اِخرسي يا حرباية!”، صرخت فيها وتقدمت خطوة، بس فرد الأمن وقف في وشي ومنعني أقرب من الكنبة: “بنتي فين يا شريفة؟ والولد ده بيعمل عندك إيه؟ الورق المزور بتاعكم مش هيمشي عليا.. الشرطة جاية في سكتي وأبلة ماجدة مش ه تسيبكم!”.
شريفة ضحكت ضحكة عالية، رنت في سقف الصالون العالي: “ماجدة السيوفي؟ المحضر بتاع صاحبك الظابط حازم اتقفل يا حبيبتي في القسم خلاص. الدكتور رفعت اعترف إن الموضوع كله خطأ غير مقصود في دفاتر المواليد نتيجة ضغط الشغل، والمستشفى غرمته وفصلته. وطارق جوز بنتك خرج بكفالة من النيابة الجزئية من ساعة، وحالياً بيخلص أوراق نقل الولد لـ مكتب الصحة الرئيسي باسم والدته الشرعية.. (شهيرة الهواري) بنت عمه اللي في دبي. يعني الولد ده بالقانون والسيستم والدفاتر المعتمدة.. ملوش أي صلة بيكي ولا ببنتك مريم!”.
“وبنتي؟” سألتها وصوتي بدأ يشرخ من كثر الوجع: “مريم فين؟ عملتوا فيها إيه؟”.
شريفة لفت وشها وبصت لـ ممر ضيق في آخر الصالون: “مريم في مكانها الطبيعي.. في الرعاية الطبية الخاصة بتاعة القصر هنا. طارق بيه جاب لها أكبر دكاترة في مصر عشان يعالجوها من الصدمة العصبية اللي جاتلها بعد ما عرفت إن ابنها نزل ميت! مريم هتقعد هنا تحت عينا، لحد ما تمضي على باقي تنازلات الشركات، وتوافق بالذوق على الطلاق وتخرج من حياتنا.. وزي ما دخلت بشنطة هدمها، هتخرج بشنطة هدمها”.
“أنتم مش بني آدمين.. أنتم شياطين!”، دموعي نزلت، دموع قهر وعجز. المحامين بتوعهم قفلوا كل حاجة، والقانون واقف يتفرج على الورق المزور المكتوب بـ مية الذهب والفلوس.
في اللحظة دي، سمعت صوت خطوات جاية من ورايا. التفت ولقيت طارق الهواري داخل من باب القصر. كان لابس بدلة جديدة، وشه كان راجع له فيه الدم والكبر، وباصص لي بنظرة تشفي ووقاحة مكنتش شفتها في حياتي.
“منورة يا حماتي العزيزة”، طارق قالها وهو بيقرب من شريفة ويبوس إيدها: “قسماً بالله أنتي ست ممتازة يا طنط كريمة، تعبتينا الليلة دي وخلتينا ندفع مبالغ طائلة للمحامين والدكاترة عشان نقفل الحكاية، بس في الآخر.. الهواري دايماً بيكسبوا. قولتلك الليل مخلصش.. والولد ده شايل ورث عيلة كاملة، تفتكري هسيبه لست من حارة شعبية زيك عشان تكبري بيه؟ الواد ده هو اللي هيخليني أدير شركات العاصم كلها”.
قربت من طارق، وبصيت في عينيه القذرة: “أنت بعت ابنك يا طارق؟ بعت ابنك ومرتك اللي كانت بتموت فيك عشان الفلوس؟”.
طارق تف ع السيجارة اللي في إيده وقال ببرود: “الفلوس هي اللي بتعمل البني آدم يا طنط.. ومريم هتاخد قرشين حلوين لما تطلق وتخرج، بس بعد ما نخلص موضوع الورث. ف ريحي نفسك، واخرجي من هنا بالذوق بدل ما الأمن يرميكي برة في الشارع ويرملك معاكي ق*ضية بلاغ كاذب توديكي ورا الشمس في السن ده”.
وقفت في وسط الصالون. بصيت لـ شريفة، وبصيت لـ طارق، وبصيت لفرد الأمن اللي واقف زي الحيطة. حسيت إن الدنيا كلها قفلت في وشي، المحاكم هتاخد شهور وسنين، وبنتي هتموت جوة الأوض المقفولة دي بالبطيء، وحفيدي هيتسجل باسم ست تانية ويسافر دبي والاسم والنسب هيتغيروا للأبد.
في اللحظة دي.. افتكرت جوزي. افتكرت “نصار” الله يرحمه لما كان بيقولي: *”يا كريمة.. الحق مبيحتاجش ورق عشان يبان.. الحق بيحتاج قلب ميموتش”*.
إيدي دخلت جوة جيب العباية.. صوابعي لمست الأسورة البلاستيك الصغير، ولمحت حاجة تانية كانت جوة الجيب من الصبح.. الولاعة البلاستيك الصغير اللي كنت بولع بيها البوتاجاز وأنا بعمل الرز بلبن لمريم.
أنا مكنتش في وعيي.. أو يمكن ده كان أوعى وقت في حياتي.
لفت عيني في الصالون.. الستائر الشيفون الغالية الكبيرة اللي نازلة من السقف لحد الأرض ورا الكنبة المذهبة.. السجاد العجمي التقيل.. الخشب الأرو بتاع الباب.
خطيت خطوة سريعة ناحية الستارة، طارق وافتكرني هقع أو هبكي.. بس أنا طلعت الولاعة من جيبي، وولعتها في ثانية، وحطيت النار في طرف الستارة الشيفون!
الشيفون لقط النار في لمح البصر.. النار شرزت وطلعت لفوق كأنها تعبان من نار، ومشت في القماش بسرعة مرعبة.
“أنتي بتعملي إيه يا مجنونة!”، طارق صرخ واندفع ناحيتي، بس أنا زقيته بكل قوتي وبقيت أصرخ زي الأسد الجريح: “هحرقكم! هحرق البيت ده باللي فيه لو مخرجتش ببنتي وحفيدي! الموت علينا وعليكم يا ولاد الهواري!”.
النار لقطت في الخشب بتاع الكنبة، والدخان الأبيض التقيل بدأ يملأ الصالون العالي. شريفة هانم وقفت وتصرخ وهي بتلم فستانها الشيك: “يا غفير! يا أمن! اطّفوا النار! الست دي اتهبلت!”.
الأمن ساب السكة وجري يدور على طفايات الحريق، وطارق كان بيحاول يشد الستارة المشتعلة بإيده والنار لقطت في كم بدلتها، فبقى يجري ويصرخ من الوجع والخوف.
في وسط الهرج والمرج والدخان اللي بدأ يخنق الأنفاس، أنا جريت على الكنبة. شلت البطانية الصوف البيضا اللي فيها الولد.. حفيدي صحي وبدأ يعيط بـ صرخة قوية هزت قلبي. حطيته في حضني وقفلّت عليه بجسمي، وجريت ناحية الممر الضيق اللي شريفة شاورت عليه من دقيقة.
الممر كان ضلمة ومخلوق بالدخان اللي بدأ يسحب من الصالون. بقيت أجري وأنا بكح وبنادي: “مريم! مريم أنت فين يا بنتي؟!”.
عديت على أول أوضة.. قفل.. تاني أوضة.. قفل. لحد ما وصلت لآخر الممر، باب خشب أرو كبير، وكان في مفتاح محطوط فيه من برة. لفيت المفتاح بسرعة وفتحت الباب.
جوة الأوضة.. كانت مريم نايمة على سرير طبي، إيديها ورجليها مربوطة بشاش أبيض في حرف السرير عشان م تتحركش، وفي محاليل متعلقة في دراعها. عينيها كانت مفتوحة وبتعيط بتعب من الدخان اللي بدأ يدخل من تحت عقب الباب.
“ماما!” مريم صرخت بصوت مبحوح لما شافتني داخلة والدخان ورايا.
“أنا جنبك يا مريم.. جنبك يا قلب ماما”، حطيت الولد على السرير بسرعة، ومديت إيدي على الشاش اللي مربوط في إيديها وبقيت أقطعه بـ سناني وأ ضافري لحد ما دمي سال على الملاية البيضا. قطعت الشاش بتاع إيديها ورجليها، وشديت خرطوم المحلول من دراعها.
“خدي الولد يا مريم! خدي ابنك في حضنك واِجري ورايا!”، صرخت فيها وأنا بشيلها من على السرير. مريم شالت ابنها، وضمتّه لـ صدرها وهي بتبكي، وجسمها كان لسه ضعيف ومهمد، بس غريزة الأمومة وقفتها على رجليها زي الحديد.
خرجنا للممر.. الدخان كان بقى أسود وتقيل، ومبقاش في ركوب نفس. الصالون برة كان عبارة عن كتلة نار شاعلة، والنجف الكريستال بدأ يقع ويتكسر على الأرض الرخام بصوت زي المدافع. طارق وشريفة والأمن كانوا خرجوا للجنينة برة وبيدوروا على خراطيم مية، ومحدش فيهم كان قادر يدخل وسط الجحيم ده تاني.
“ماما.. السكة مقفولة بالنار من برة! هنخرج إزاي؟” مريم صرخت وهي بتكتم بوق ابنها بـ طرف البطانية عشان الدخان م يخنقوش.
“من المطبخ يا مريم! أكيد في باب خلفي للمطبخ بيودي على الجنينة الورانية!”، مسكت إيد مريم وجرينا في ممر جانبي لحد ما وصلنا للمطبخ الكبير بتاع القصر. الباب الإستيل بتاعه كان مقفول بـ ترباس حديد. زقيت الترباس بكل قوتي وفتحت الباب.
الهوا النظيف خبط في وشنا.. عدينا السلم الصغير ونزلنا للجنينة الخلفية المظلمة المهجورة. السور الشجري هنا مكنش عالي، وكان في بوابة حديد صغيرة بتاعة خدمات.
جرينا ناحيتها.. وأول ما فتحنا الباب وخرجنا للشارع الجانبي.. لقيت الدنا مقلوبة برة.
صوت سرينات إسعاف ومطافئ وشرطة مالي المكان. وفي أول الشارع الجانبي، كانت واقفة عربية أبلة ماجدة السيوفي، ومعاها عربية بوكس شرطة تانية.
أبلة ماجدة أول ما شافتني خارجة من ورا السور والدخان مغطي وشي وهدمتي ومريم شايلا الولد في حضنها، جِريت علينا وهي بتعيط وتصرخ: “كريمة! مريم! أنتم دايسين في النار دي إزاي؟!”.
الظابط حازم الشناوي نزل من عربية الشرطة وجري علينا هو كمان، وشاف المنظر.. القصر من ورا كان الدخان الأسود طالع منه والسحاب مغطي الشمس. “إيه اللي حصل جوة يا فندم؟!”.
“حصل الحق يا سيادة الظابط”، قلتها وأنا بققع على الرصيف من التعب، نفسي كان بيطلع بالعافية وصدر بيزيق من الكلور والدخان: “جبت بنتي وجبت حفيدي من وسط جحيم الهواري.. والورق المزور بتاعهم أهو بيتحرق جوة مع كدبهم!”.
أبلة ماجدة أخدت مريم والولد وقعدتهم في عربيتها بسرعة، ودكتور الإسعاف جيه جري وحط ماسك الأكسجين لـ مريم وللواد الصغير عشان يطمن على نفسهم.
في الوقت ده، كانت عربيات المطافئ لفت وراحت للبوابة الرئيسية عشان تطفي الحريق اللي لقط في الدور الأول بالكامل من القصر. والظابط حازم أخد رجّالته ودخل الجنينة الرئيسية عشان يتحفظ على طارق وشريفة الهواري اللي كانوا واقفين برة بيموتوا من الغيظ والقهر، وهدومهم متبهدلة بالهباب الأسود، والمحامين بتوعهم واقفين حواليهم ومش عارفين يعملوا إيه بعد ما الج*ريمة اتكشفت بالمنظر ده.. مريم والولد خرجوا من القصر والكل شافهم، ومبقاش ينفع يتقال إنهم ماتوا أو مش موجودين.
أبلة ماجدة قعدت جنبي على الرصيف، مسحت وشي بـ منديل مبلل وقالت وصوتها بيرتعش من الذهول: “أنتي اتجننتي يا كريمة؟ أنتي حركتي قصر الهواري؟ أنتي عارفة العقوبة القانونية للحريق العمد إيه؟”.
بصيت لـ ماجدة.. وابتسمت، ابتسمت بقلب صافي ورايق لأول مرة من تلات سنين: “القانون بتاعكم يا ماجدة كان هيسيب بنتي تموت بالبطيء جوة، وكان هيسيب حفيدي يتسرق نسبه ويتسجل باسم ست تانية. النار دي هي اللي طهرت الدنيا من ورقهم المزور، وهي اللي خرجت بنتي للنور. خلّيهم يحبسوني.. خلّيهم يعملوا اللي يعملوه.. المهم إن مريم وابنها في حضني دلوقتي.. ومفيش قوة في الأرض تقدر تاخدهم مني تاني”.
الظابط حازم رجع ومعه محضر صغير في إيده، بصلي بنظرة فيها إعجاب وتقدير وداراها بـ نبرة رسمية: “حاجة كريمة.. إحنا سجلنا في التقرير المبدئي إن الحريق ناتج عن ماس كهربائي في التكييف بتاع الصفا الكبير نتيجة الإجهاد، وطارق بيه وشريفة هانم م اِتهموكيش بحاجة جوة لإنهم لو اتكلموا.. هيتفتح عليهم محضر الخطف والاحتجاز الرسمي اللي ثبت بوجود مدام مريم والطفل جوة القصر بدون إذن طبي. هما دلوقتي في البوكس ورايحين النيابة العامة بـ تهمة تزوير أوراق المواليد واحتجاز أنثى.. والمرة دي المحامي العام بنفسه هو اللي ماسك القض*ية بناءً على البلاغ اللي قدمته سيادة المستشارة ماجدة”.
قمت وقف على رجلي.. روحت على عربية أبلة ماجدة، فتحت الباب وبصيت جوة.
مريم كانت قاعدة، حاطة ماسك الأكسجين، بس عينيها كانت بتلمع بالنور. والولد الصغير كان نايم في حضنها، لافف صوابعه الصغننة حوالين صباع مريم الكبير، وبيتنفس بهدوء.
مديت إيدي.. طلعت الأسورة البلاستيك الزرقا الصغير من جيب عبايتي المحروقة.. الأسورة اللي مكتوب عليها (ابن مريم طارق الهواري.. 4:15 العصر). حطيتها في إيد مريم وقفت عليها صوابعها.
“دي الحقيقة يا بنتي”، قلتها وأنا ببوس قورتها: “دي الحقيقة اللي هتعيشي بيها وتكبري ابنك عليها. عيلة الهواري راحت.. والفلوس بتاعتهم ولعت.. وبقيتي أنتي وابنك وبس في الدنيا دي.. وأنا في ضهركم لحد آخر يوم في عمري”.
مريم مسكت إيدي وبستها وهي بتبكي.. وصوت صرخة الولد الصغير طلعت تاني، بس المرة دي مكنتش صرخة وجع ولا خوف.. كانت صرخة حياة جديدة بتبدأ من وسط الرماد.
شوارع الدقي كانت بدأت تضلم تاني، والليل كان بيقرب، بس المرة دي مكنش ليل مخيف.. كان ليل هادي، ليل بيعلن إن الحرب خلصت.. وإن الأم كسبت برصاصتها الأخيرة.. رصاصة القلب اللي ميموتش.
النهاية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *