امي قصت شعري سما سامح
البنت المحترمة مش محتاجة شعر علشان تحس إنها جميلة… قالتلي أمي في الليلة اللي حلقتلي فيها شعري تاني وأنا نايمة.
اسمي شهد، ولسنوات طويلة كنت فاكرة إن شكلي في المراية هو غلطتي أنا. في بيتنا في شبرا، كانت أمي أمينة عندها قاعدة ممنوع حد يناقشها فيها لازم أفضل حالقة شعري على الزيرو.
مش قصير… مش علشان الراحة… لا، زيرو بالكامل.
وأنا صغيرة كانت تقول إن ده علشان النظافة، وإن الشعر الطويل بيجيب قمل، وإنه وجع دماغ على الفاضي. ولما كبرت وبدأت أفهم إن باقي البنات من حقهم يعملوا ضفاير ويحطوا توك ويختاروا شكلهم، بدأت مبرراتها تتغير.
طول ما إنتِ عايشة تحت سقف بيتي، جسمك له احترامه بالطريقة اللي أنا شايفاها.
أبويا حسن عمره ما كان بيتدخل. كان دايمًا يطأطئ راسه كأنه بيهرب من عاصفة. كنت أبصله برجاء يمكن يقف جنبي، لكنه كان يهمس بس
بلاش تعصبي أمك يا شهد.
وعدّت السنين.
في الإعدادي كنت أستخبى في الحمام وأعيط لما البنات ينادوني الصلعة أو الولد. وفي الثانوي بطلت حتى أحاول أدافع عن نفسي. اتعلمت أمشي وراسي في
الأرض، وألبس هدوم واسعة، وأتفادى نظرات الناس.
أمي كانت تقول إن فضلها عليّ إنها خلتني مختلفة ومنضبطة وبعيدة عن الغرور. لكن الحقيقة كانت أبسط وأقسى
كانت عايزاني صغيرة وضعيفة وتحت سيطرتها طول الوقت.
في الصيف اللي قبل دخولي الجامعة، كل حاجة بدأت تتغير.
كنت اتقبلت في جامعة خاصة في الإسكندرية بمنحة جزئية، ودي كانت أول مرة هعيش فيها بعيد عن البيت. فضلت أترجاها تسمحلي أسيب شعري يطول، حتى لو سنة بسيطة.
في الأول رفضت.
صرخت، وبكت، واتهمتني إني بقيت شبه البنات اللي بيدوروا على لفت الانتباه. لكن أبويا تدخل أخيرًا بصوت مرتعش
سيبيها يا أمينة… دي داخلة على مرحلة جديدة.
بصتلي أمي كأني خنتها.
وفي الآخر وافقت.
وخلال شهرين بدأت أحس بشعيرات ناعمة بتغطي راسي. كان شعر بسيط جدًا، لكن بالنسبة لي كان أول طعم للحرية. اشتريت أول فرشة شعر في حياتي من غير ما حد يعرف، وخبيتها تحت المرتبة كأنها كنز.
في الليلة اللي قبل سفري للإسكندرية، نمت وأنا متحمسة ومتوترة. الشنط كانت جاهزة، والأوراق مترتبة، وعندي أمل إني أبدأ حياة جديدة.
صحيت وأنا حاسة ببرودة غريبة في مؤخرة رقبتي.
مديت إيدي على راسي…
ولقيتها ناعمة.
ناعمة بالكامل.
حلقتلي شعري تاني.
كانت أمي واقفة جنب السرير وماكينة الحلاقة في إيدها.
وقالت بمنتهى الهدوء
أنا عملتلك خدمة. ماكنتش عايزاكي تروحي هناك وتفتكري نفسك حاجة كبيرة.
في اللحظة دي، حاجة جوايا اتكسرت.
ما صرختش.
ما عيطتش.
بس بصيتلها وفهمت إن بالنسبة لها أنا عمري ما هبقى بنت كبيرة مستقلة.
أنا مجرد لعبة بتحركها وتغير شكلها وقت ما تحب.
وصلنا الإسكندرية في اليوم التالي.
أنا ما كنتش بتكلم.
أما أمي فكانت بتمثل دور الأم الحنونة قدام الناس كلها. سلمت على زميلاتي في السكن، وفتشت سريري، والدولاب، وحتى هدومي الشخصية.
وبعدين ضحكت وقالت
شهد بنت مميزة شوية… طول عمرها غريبة شوية، وأنا اللي باخد بالي منها.
البنات بصوا لبعض بإحراج.
أما أنا فكنت نفسي الأرض تنشق وتبلعني.
افتكرت إنها هترجع البيت في نفس اليوم.
لكنها ما رجعتش.
قالت إنها هتفضل كام يوم علشان تساعدني أتأقلم.
كام يوم بقوا أسبوع.
والأسبوع بقى أسبوعين.
كانت نايمة في أوضتي، وتنتقد أكلي في المدينة الجامعية، وتصحح كلامي قدام زمايلي، وتحكي مواقف محرجة من طفولتي وكأنها نكتة.
وفي صباح من الأيام، قدام مجموعة من الطلبة، لمست راسي المحلوقة وقالت وهي بتضحك
كده محدش هينشغل بيها… خليها تركز في المذاكرة أحسن.
الكل ضحك ضحكة متوترة.
أما أنا فكنت حاسة إن وشي بيولع من الإحراج.
في الليلة دي، وهي نايمة على السرير اللي استولت عليه كأنه ملكها، بصيت لشعرها الأسود الطويل المفروش على المخدة.
الشعر اللي كانت بتعتني بيه وتفتخر بيه طول عمرها…
واللي حرمتني منه دائمًا.
وقعت عيني على المقص الموجود في شنطتي.
ولأول مرة في حياتي…
فكرت إن العدل أحيانًا بيبدأ بصوت خافت جدًا في نص الليل.
وماحدش كان يتخيل إيه اللي هيحصل بعد كده…
كانت الساعة قرب اتنين بعد نص الليل.
والمقص ما زال بين إيديا.
بصيت لشعر أمي الطويل المفروش على المخدة.
كان سهل جدًا أعملها.
ضغطة واحدة بالمقص، وأخد حقي.
لكن وأنا واقفة جنب السرير، افتكرت حاجة.
لو عملت كده… هبقى زيها.
رجعت المقص مكانه.
وسحبت هاتفي بهدوء.
ومن غير ما حد يحس، بدأت أسجل.
سجلت كل حاجة.
طريقة كلامها
لمحة نيوز
معايا.
إهاناتها قدام زمايلي.
تفتيشها لأغراضي.
تحكمها في لبسي وشكلي.
حتى وهي نايمة في أوضتي رغم إن قوانين السكن كانت بتمنع وجود أي شخص خارجي لأكثر من يومين.
خلال الأسبوع التالي جمعت تسجيلات وصور ورسائل قديمة كانت باعتاهالي على مدار سنين.
رسائل كلها أوامر وتهديدات.
هحلقهولك غصب.
إنتِ ملكي طول ما أنا عايشة.
مش هسيبك تبقي زي البنات التانيين.
كنت لأول مرة في حياتي بجمع أدلة.
مش علشان أنتقم.
علشان أتحرر.
وفي صباح يوم الإثنين، دخلت مكتب مشرفة السكن.
حكيت كل حاجة.
في البداية افتكرت إني هتعتبرها مشكلة عائلية عادية.
لكن لما سمعت التسجيلات، اتغير وشها.
ولما عرفت إن أمي عايشة في السكن بشكل مخالف للقوانين من أسبوعين، استدعت الإدارة فورًا.
بعد ساعات قليلة، دخل الأمن الجامعي.
وأمام عشرات الطلبة.
طلبوا من أمي مغادرة المبنى.
جن جنونها.
صرخت.
اتهمتني بالجحود.
قالت إني بنت عاقة.
لكن للمرة الأولى…
لم أعتذر.
ولم أبكِ.
وقفت فقط أراقبها وهي تُجبر على جمع حقائبها.
وأثناء خروجها التفتت لأبي الذي كان قد وصل بعد استدعائه.
وقالت بغضب
هتسيبهم يعملوا فيا كده؟
ولأول مرة في حياتي…
رفع أبي رأسه.
وقال بهدوء
كفاية يا أمينة.
ساد صمت غريب.
حتى أنا لم أصدق ما سمعته.
ثم أضاف
ضيعتي عمر بنتنا وهي خايفة منك.
وانصرف.
بعدها بأيام عاد أبي إلى القاهرة.
لكن قبل سفره أعطاني ظرفًا قديمًا.
وقال
افتحيه بعد ما أمشي.
داخل الظرف وجدت عشرات الصور.
صور لي وأنا صغيرة.
بشعر طويل.
عمري وقتها ثلاث وأربع سنوات.
تجمدت في مكاني.
عندما عاد أبي للرد على اتصالي، أخبرني الحقيقة التي أخفاها سنوات.
أمي لم تكن تحلق شعري بسبب النظافة.
ولا بسبب الدين.
ولا بسبب التربية.
كانت تفعل ذلك بسبب غيرة مرضية.
لأن الجميع كانوا يعلقون على جمال شعري وأنا طفلة.
وكانوا يقولون إنني أشبه خالتي الراحلة أكثر منها.
ومع الوقت تحولت الغيرة إلى هوس بالسيطرة.
جلست ساعات أبكي.
ليس بسبب الشعر.
بل لأن عمري كله بُني على كذبة.
مرت الشهور.
بدأ شعري ينمو.
سنتيمترًا بعد سنتيمتر.
وتعرفت على أصدقاء حقيقيين لأول مرة.
وفي نهاية العام الدراسي حدث شيء لم أتوقعه.
أعلنت الجامعة مسابقة كبيرة للتصوير الفوتوغرافي بعنوان الحرية.
تقدمت بصورة واحدة فقط.
صورة جانبية لرأسي.
نصفها بشعر قصير بدأ ينمو.
والنصف الآخر انعكاسه في المرآة.
وراء الصورة كتبت جملة واحدة
أحيانًا لا تكون الحرية في أن تصبح شخصًا جديدًا… بل في أن يُسمح لك أخيرًا بأن تكون نفسك.
فازت الصورة بالمركز الأول.
وعندما صعدت إلى المسرح لاستلام الجائزة، كان الحضور كله يصفق.
وفي الصفوف الخلفية رأيت أبي واقفًا.
يبكي.
ويبتسم.
بعد عامين تخرجت.
وبعد ثلاثة أعوام افتتحت أول معرض تصوير خاص بي.
أما أمي؟
فحاولت مرات كثيرة العودة إلى حياتي.
لكن هذه المرة كانت هناك حدود.
حدود لم أسمح لأحد بتجاوزها.
وفي يوم افتتاح المعرض، وقفت أمام أكبر صورة علقتها على الجدار.
كانت صورة لفرشاة الشعر الصغيرة التي أخفيتها تحت المرتبة يومًا ما.
الفرشاة التي اشتريتها عندما كان لدي بضعة شعيرات فقط.
ابتسمت.
لأنني أدركت أخيرًا شيئًا مهمًا.
أمي لم تخسر شعري.
هي خسرت ابنتها يوم قررت أن تملكها بدل أن تحبها.
وكان ذلك آخر يوم سمحت فيه للماضي أن يتحكم في مستقبلي.
