جبروت مرات الابن فريده احمد
“بعد العمر ده كله… هترميني يابن بطني؟”
قالتها أمينة وهي واقفة قدام ابنها الوحيد حسن، وصوتها بيرتعش.
لكن اللي رد عليها مكانش ابنها…
كانت مراته.
نادية بصتلها من فوق لتحت وقالت ببرود: — الشقة دي بتاعتنا يا طنط، وإحنا محتاجين نعيش براحتنا.
شهقت أمينة وهي حاسة إن الأرض بتميد بيها.
دي الست اللي ربت ابنها لوحدها بعد موت أبوه، وباعت دهبها عشان تعلمه، واشتغلت خدامة في بيوت الناس عشان توصله للوظيفة اللي هو فيها دلوقتي.
لكن من ساعة ما اتجوز نادية وكل حاجة اتغيرت.
وحسن… بقى شخص تاني.
في الأول كانت نادية ملاك.
تدخل تبوس إيد أمينة وتقول: — إنتِ أمي التانية.
أمينة حبتها من قلبها.
لكن بعد الجواز بشهور قليلة بدأت الأوامر.
— الأكل ده مش عاجبني.
— البيت ضيق.
— وجود والدتك معانا مخنوقني.
وحسن كان كل مرة يقول: — معلش يا أمي استحملي.
لحد ما الاستحمال بقى أسلوب حياة.
واحدة واحدة نادية مسكت كل حاجة.
فلوس حسن.
حساباته.
قراراته.
حتى خروجه ودخوله.
لو أمينة كلمت ابنها شوية…
تعمل خناقة.
لو دخل يقعد معاها…
تزعل.
لو جابلها هدية…
تقلب البيت نار.
لحد ما حسن بقى يخاف من زعل مراته أكتر ما يخاف على قلب أمه.
في يوم أمينة وقعت في الشارع.
الناس خدوها المستشفى.
الدكتور قال إنها محتاجة عملية بسرعة.
اتصلوا بحسن.
جري على المستشفى.
لكن نادية أول ما عرفت قالت:
— وإحنا مالنا؟
بصلها مصدوم: — دي أمي!
ردت ببرود: — لو صرفت جنيه عليها متزعلش لما أسيب البيت.
وقف محتار بين أمه ومراته.
وفي الآخر…
اختار مراته.
أمينة كانت على سرير المستشفى مستنية ابنها.
كل شوية تسأل:
— حسن جه؟
وكل مرة الممرضة تهز راسها بالنفي.
دموعها كانت بتنزل بصمت.
مش عشان المرض.
عشان الوجع اللي جاي من ابنها.
وفي الآخر خرجت من المستشفى على حساب جمعية خيرية.
وابنها حتى ما زارهاش.
بعد شهور.
نادية قررت إنها مش عايزة أمينة في الشقة نهائي.
قالت لحسن: — يا أنا يا أمك.
كان المفروض يرفض.
كان المفروض يغضب.
لكن اللي حصل إنه راح لأمه وقال:
— يا أمي شوفي أي مكان تاني تقعدي فيه شوية.
بصتله أمينة ودموعها نازلة.
وقالت: — أنا اللي بنيت البيت ده طوبة طوبة يا حسن.
خفض عينه في الأرض.
وسابها تمشي.
استأجرت أمينة أوضة صغيرة فوق السطوح.
عاشت فيها لوحدها.
لا اشتكت.
ولا طلبت حاجة.
كل ليلة كانت ترفع إيديها للسماء وتقول:
— يا رب أريني فيهم عجائب قدرتك.
مش دعوة انتقام.
كانت دعوة مظلوم.
والدعوة دي طلعت من قلب موجوع.
بعد سنة واحدة.
الشركة اللي كان حسن شغال فيها أعلنت إفلاسها.
خسر شغله.
وبعدها بشهور دخل في ديون.
ساعتها ظهر الوجه الحقيقي لنادية.
بدأت تهينه.
وتعايره.
وتقوله:
— إنت فاشل.
نفس الست اللي كانت بتصرف فلوسه يمين وشمال.
بقت أول واحدة تدوس عليه وهو واقع.
في ليلة من الليالي رجع حسن البيت.
ملقاش نادية.
ولا ملابسها.
ولا دهبها.
ولا أي حاجة.
هربت بعد ما خدت كل اللي تقدر عليه.
وقفتله رسالة على الترابيزة:
“أنا اتجوزتك عشان الفلوس… والفلوس راحت.”
وقتها بس فهم.
فهم إنه خسر أمه عشان واحدة عمرها ما حبته.
جري حسن على أوضة أمه فوق السطوح.
خبط الباب وهو بيعيط.
فتحت أمينة.
أول ما شافها وقع عند رجليها.
— سامحيني يا أمي.
بكت هي كمان.
لكنها قالت بهدوء:
— السماح موجود يا ابني… لكن الجرح عمره ما بيرجع زي الأول.
حضنها وهو منهار.
لأول مرة من سنين.
أما نادية…
فبعد شهور اتنصب عليها في كل الفلوس اللي خدتها، والناس اللي كانت بتجري وراهم سابوها.
فضلت لوحدها.
زي ما خلت غيرها يعيش لوحده.
أما أمينة فكانت قاعدة في بيتها الصغير، قلبها مرتاح.
لأنها أخيراً عرفت إن ربنا مهما أخر الحق…
عمره ما بينساه.
