بابا جالي البيت
أبويا جالي البيت علشان يستلف مني خمسين ألف جنيه، ومراتي هانته في المطبخ وقالت له: “يروح يشتغل.. إحنا مش بنك تسليف!”.. أنا فتحت الخزنة وأديته الفلوس من غير ما أنطق بكلمة.. وما كنتش أعرف إن الفلوس دي هتكشف كدبة عشنا فيها سنين وسنين. بقلم منــال عــلي
أبويا كان واقف جنب الترابيزة، حاطط إيده في إيد بعض، كأنه بيعتذر للدنيا إنه لسه بيتنفس.
عمري في حياتي ما شفته بالمنظر ده..
هو.. اللي طفح الدم تلاتين سنة شيل أسمنت ورملة تحت شمس المحاجر الحارقة.بقلم منــال عــلي
هو.. اللي كان يرجع من الشغل ضهره مكسور وهدومه غرقانة عرق، ومع ذلك يقعد جنبي يذاكر لي ويشرح لي الواجب.
هو.. اللي باع المكنة اللي حيلته وشقا عمره عشان يدفع لي مصاريف الكلية، وعمره ما مَنّ عليا ولا قالي “أنا عملتلك”.
دلوقتي.. كان واقف عينه في الأرض، مش قادر يبص في عيني.. وبصوت واطي زي الهمس قال: بقلم منــال عــلي
— الفلوس دي مش ليا يا حسن.. دي حاجة ضرورية وسريعة.. طلقة لابد منها.
مراتي حتى ما كلفتش نفسها تبص له وهي واقفة قدام رخامة المطبخ بتقطع الخضار، وقالت ببرود يقص العمر:
— وهي من إمتى الحاجات ما كانتش ضرورية وسريعة؟ ما تخلصش يعني! بقلم منــال عــلي
حسيت بـصـدرى بيتقفل، ونغزة في قلبي كأنها سِـكّـ..يـنـة.
خمسين ألف جنيه..
بالنسبة لنا ما كانتش هتهد البيت ولا هتفقرنا.
لكن بالنسبة لأبويا.. كانت معناه إنه يبلع كرامته ويبوس إيدينا عشان يطلبهم.
بصيت له وقولت بـصـوت مخنوق: بقلم منــال عــلي
— يا با.. تعال معايا البلكونة نِـشْـرب كوباية شاي في الهوا.
طلعنا البلكونة، والجو كان كاتم ومخلوق. كان بيمسح إيده الـخـشـنـة في بنطلونه بـتـوتّـر، وكأنه هو العيل الصغير وأنا الراجل الكبير اللي بيحاسبه.
— يا ابني أنا ما كنتش عاوز أعمل لك مشاكل مع مراتك.. لو مش جاهزين أو صعبة عليك، أنا مقدر ومسامح يا حسن.
صعبة؟ بقلم منــال عــلي
تسهل وتفوت يا با.. تفوت وتقل لجل خاطرك.
أنا أقدر طبعاً أطلعهم في ثانية.
لكن كنت عارف الخناقة اللي مستنياني جوة.. في جوازتنا دي، كل مليم لازم “يتناقش” وناخد فيه موافقة، أو ده اللي كانت مراتي بتقوله كل ما تلاقي قرار مش على هواها.
بصيت لـمـلامـح وشه التعبانة، وافتكرت لقطة قطعت شـرايـيـن قلبي من جوة.. بقلم منــال عــلي
لما كنت في ابتدائي، وكنت محتاج جزمة جديدة عشان المدارس، أبويا وقتها قال إنه مش هيروح فرح ابن عمه عشان “مش غاوي هيصة ووجع دماغ”.. وبعد سنين طويلة عرفت الحقيقة؛ أبويا باع بدلته الوحيدة اللي كان بيحضر بيها المناسبات عشان يشتري لي الجزمة دي.بقلم منــال عــلي
عمره ما قالي..
عمره ما طالبني بتمنها..
كان دايماً يسند من غير ما يتكلم.
وقفت وقولت له بثقة: بقلم منــال عــلي
— هـيـكـونـوا عندك حالا يا با.. عيب عليك ده أنت أبويا.
عينه لمعت بـالـدمـوع.. ما كانتش دموع فرحة، كانت دموع “ستر” وراحة بعد شيل الهم.
دخلت الأوضة، فتحت الخزنة وطلعت الرزمة.
مراتي وقفت قدامي وعينها بتطلع شرار: بقلم منــال عــلي
— يعني هتعمل اللي في دماغك وتديله برضه؟
— أيون.. هعمله.
— تمام.. بس ما تجيش تشتكي بعد كدة لما يرجع يطلب تاني وتالت.
ما ردتش عليها بكلمة. بقلم منــال عــلي
طلعت برة وأديت الفلوس لأبويا عند باب الشقة.
مسك الرزمة بإيد بتترعش وقال بصوت حنين: بقلم منــال عــلي
— هـرجّـعـهـم لك يا حسن.. قريب قوي أول ما ربنا يسهل.
— ما تقولش كدة يا با.. فلوسك وخيرك مغرقنا.
ما حضنيش.. يمكن خاف يطول الوقفة عشان ما يكبرش المشكلة بيني وبين مراتي.
أول ما قفلت الباب، المطبخ انفجر في وشي: بقلم منــال عــلي
— أنت إزاي تاخد قرار مالي زي ده من غير ما ترجع لي؟ إحنا مش متفقين؟بقلم منــال عــلي
— ده أبويا يا نهى! أبويا!
— ودي بيتنا وحياتنا ومستقبل عيالنا!
بيتنا..
الكلمة نزلت في ودني غريبة ومجرحة.
البيت ده اشتريناه بقرشين من شقايا وقرشين من شقاها.. صح.
لكن السبب اللي خلاني أتعلم، وأشتغل، وأكبر، وأعرف أشتري الشقة دي.. هو الراجل اللي لسه نازل على السلم دلوقتي وضهره محني من الشقا.
ليللتها ما تكلمناش..
هي نامت مدياني ضهرها.. بقلم منــال عــلي
وأنا فضلت صاحي باصص للسقف، وفي بطني نار قايدة وإحساس بالذنب والوساخة مش عارف أهرب منه.
بعد تلات أيام.. وأنا في الشغل، تليفوني رن برقم غريب.
— أيوة.. مع حضرتك حسن رسلان؟
— أيوة أنا.. مين معايا؟
— أنا الممرضة هدى من مستشفى القصر العيني.. والد حضرتك ساب الرقم ده كحالة طوارئ قبل ما يدخل العمليات.
وقفت على حيلي وقلبي سقط في رجلي: بقلم منــال عــلي
— عمليات؟ عمليات إيه؟ جراله إيه؟!
الممرضة سكتت ثانية، وبعدين قالت بصوت هادي ومتردد:
— يا أستاذ حسن.. والدك ما كانش واخد الخمسين ألف جنيه عشان ديون ولا جمعية.. والدك دفع الفلوس دي عشان يعمل تحليل DNA (بصمة وراثية) مستعجل.. والنتيجة طلعت من ساعات..
مسكت التليفون بكل قوتي كأني هكسره وسألت بذهول:
— تحليل DNA إيه؟ وبابا ماله ومال الكلام ده؟!
صوت الممرضة كان فيه حزن وكسرة وهي بتقول:
— والدك كان شاكك في حاجة من سنين وعاوز يتأكد قبل ما يعمل العملية الكبيرة دي.. والتحليل أثبت إن الراجل اللي أنت عشت تلاتين سنة تقوله “يا بابا”.. مش أبوك البيولوجي.. هو لقاك ملفوف في كرتونة ومرمي جنب جامع في السيدة زينب وأنت عمرك أيام.. ورباك وكتبك باسمه وعاش يطفح التراب عشان يكبرك.. وهو دلوقتي طالب يشوفك قبل ما يدخل أوضة العمليات
برة مستشفى القصر العيني، في زحمة قصر العيني والمنيل..
أنا ما فهمتش.
أو يمكن فهمت، بس عقلي كان رافض يجمع الكلام ورا بعضه.
— يعني إيه مش أبويا الحقيقي؟ — سألت، وحلقي ناشف كأن بقالي أيام ما شربتش مية.
الممرضة اتنهدت براحة وقالت:
— يا أستاذ حسن، والدك جوة في العمليات. قبل ما يدخل طلب مننا إنك تستلم ملف معين، وطلب كمان وبشدة إن مراتك ما تدخلش عليه ولا تشوفه إلا لما تقابل المحامي بتاعه.
الجملة الأخيرة دي خلت جسمي كله يتنفض:
— مراتي؟ وهي مراتي مالها ومال الحكاية دي كلها؟!
الممرضة ما ردتش.
سوقت عربيتي لحد المستشفى ومن كتر الصدمة ما كنتش شايف الإشارات ولا فاكر أنا مشيت إزاي. عديت على شوارع وطرقات عشت فيها من صغري، على محلات كشري وعربيات فول، ناس راجعة من شغلها، الدنيا في القاهرة كانت ماشية طبيعي وحية.. في نفس اللحظة اللي حياتي أنا كانت بتتفرفـت حتت. أول ما وصلت، ريحة الكلور، وريحة قهوة المكن، وريحة الخوف ضربت في وشي.
أبويا كان لسه جوة في العمليات.
في صالة الانتظار، كان في راجل لابس بدلة بني شيك، وحاطط شنطة جلد على رجله. أول ما شافني قام وقف:
— أستاذ حسن رسلان؟
— أيوة أنا.
— أنا الأستاذ مصطفى الشافعي، محامي عيلة “الألفي”.
الاسم ده ما كانش غريب عليا، ده اسم عيلة من عائلات زمان.. عيلة عندها قصور وعمارات في وسط البلد ومصر الجديدة، عيلة ريحتها فلوس قديمة.
مد إيده وإداني ملف:
— الحاج.. والدك اللي رباك، طلب إن الحاجات دي ما تقعش إلا في إيدك أنت بس.
كنت هضربه من عصبيتي:
— ما تقولش اللي رباك.. قولي أبويا!
المحامي طأطأ راسه في الأرض وقال باحترام:
— عندك حق.. والدك.
فتحت الملف وإيدي بـتـتـرعـش.
كان في صورة قديمة.. أبويا وهو لسه شاب صغير، رفيع، ولابس خوذة وبنطلون الشغل، وشايل بيبي صغير ملفوف في بطانية كحلي. البيبي ده كان أنا. وفي الخلفية كان باين سور قديم، وعربية إسعاف، ويافطة ممسوحة لـمـسـتـشـفـى.
وبعدين.. كان في جواب مكتوب بخط إيده الناشف، نفس الخط اللي كان بيمضي بيه على وصولات استلام الرملة والأسمنت في الشغل.
”يا ابني.. سامحني. عمري ما عرفت أقولك إزاي إنك مش حتة من دمي. أنا لقيتك في فجر يوم أسود، بعد وردية شغل مهدودة، كنت بـتـعـيّـط جوة شنطة قماش مرمية جنب سور جامع في السيدة زينب. أخدتك وطلعت بيك على القسم، وبعدها على الشؤون الاجتماعية.. محدش سأل عليك ولا حد دور. بعد شهور وعذاب في الأوراق والمحاكم، وافقوا إني أربيك، وبعدها وافقوا يكتبوك باسمي وأبقى أبوك. أنا ما سرقتكش يا حسن.. أنا لمتك من الدنيا لما الدنيا رمتك في الشارع.”
رجلي ما شيلتنيش وقعدت على الأرض. المحامي سندني من كتافي.
أنا عيني ما كانتش شايفه غير جملة واحدة:
“أنا ما سرقتكش.”
أبويا عاش تلاتين سنة خايف إن حد يفتكره حرامي، في حين إنه كان البني آدم الوحيد اللي نجاني من الموت!
كملت قراية والدموع مغرقة عيني:
“من سنتين.. نهى (مراتك) جات لي ورشتي. قالت لي إنها عرفت كل حاجة، وفرجتني على تحليل DNA وجواب من ست غنية وواصلة بتسأل عنك. هددتني.. قالت لي لو اتكلمت أو نطقت بحرف، هحبسك وهبلغ إنك سرقت الواد من زمان. أنا كنت عاوز أجمع قرشين عشان أعمل تحليل رسمي وقانوني، مع محامي وموثق عشان أرجع لك حقك من غير ما تتبهدل.. عشان كدة طلبت منك الخمسين ألف جنيه.. ما كانتش ليا يا حسن، كانت عشان أرجع لك أصلك وفصلك.”
حسيت إن المستشفى بتلف بيا.
نهى!
مراتي!
الست اللي هانت أبويا في المطبخ وقدامي، كانت عارفة ومخبية إن الراجل ده مش أبويا الحقيقي.. ومع ذلك عاملته كأنه شحات بـيـتـسـوّل منها! لأ، والألعن من كدة، إنها كانت بتستغله وبتلوي دراعه عشان تخبي الحقيقة!
— عيلة مين دي يا أستاذ؟ — سألت وصوتي طالع بالعافية.
المحامي فتح جزء تاني من الملف:
— عيلة الألفي.. كان عندهم مصانع نسيج وأراضي في القليوبية والجيزة. والدتك الحقيقية كان اسمها “فريدة الألفي”. أنت اتولدت في مستشفى استثماري خاص من تلاتين سنة.. ووقتها قالوا لها إن الطفل نزل ميت.
حطيت إيدي على قلبي:
— هي عايشة؟
المحامي هز راسه بالنفي:
— للاسف توفت من ست شهور.. بس عمرها ما بطلت تدوّر عليك.
ما عيطتش..
مش وقت عياط..
الوجع كان أكبر بكتير من إنه يطلع في دموع.
المحامي كمل:
— الست فريدة سابت ورث.. وصية، شقة كبيرة في الزمالك، وحسابات في البنوك، وأسهم في شركات.. كل ده مشروط بـتـحـلـيـل الـبـصـمـة الـوراثـيـة. والدك دفع الفلوس وعمل التحليل بسرعة لأن في حد حاول يقدم تنازل رسمي عن الإرث ده باسمك وممضي عليه!
— أنا ما مضيتش على حاجة!
— إحنا عارفين.
المحامي وراني الورقة.. إمضتي كانت مكتوبة هناك، بس تزوير غبي وواضح. وتحت الإمضاء كان مكتوب اسم “نهى” كشاهد أول!
حسيت بـقـرف يـقـطّـع الـمـصـاريـن.
— الست دي مدسوسة عليا بقالها قد إيه؟
المحامي ضغط على شفايفه وقال:
— سنتين على الأقل.. الجوابات كانت بتيجي على عنوان بيتك، وهي اللي كانت بتستلم وتمضي. وفي تحويلات حصلت من حساب التركة لحساب شخصي باسم “نهى السعدني”.
مراتي مش بس كانت عارفة.. مراتي كانت بـتـقـبـض!
افتكرت ضوافرها اللي بتعملها كل أسبوع، وسفرياتها مع أصحابها للجونة والساحل، والعفش الغالي اللي كانت بـتـشـتـريـه وتقولي “ده عليه عرض يا حسن”، واصرارها إن كل مليم في البيت لازم يتناقش.. افتكرت كل مرة كنت بـعـوز أساعد فيها أبويا، وهي تقولي “أبوك بيستغلك وبياخد شقاك”.
ما كانش خوف عليا..
ده كان غل.. وخوف من إن الحقيقة تتكشف!
في اللحظة دي باب العمليات اتفتح.
الدكتور طلع ووشه تعبان بس ابتسم:
— أستاذ حسن.. والدك الحمد لله حالته استقرت. العملية كانت دقيقة وصعبة بس قلبه طلع عفي واستحمل.
هنا بقى عيطت..
مش عشان عيلة الألفي.. ولا عشان الملايين.
عيطت عشان طلعت لسه غني.. لسه عندي أب.
دخلت أشوفه أول ما سمحوا لي. كان وشه شاحب، ومتوصل بخراطيم، بس أول ما مسكت إيده فتح عينه بالراحة:
— يا حسن.. يا ابني..
وطيت عليه وبست إيده:
— يا با.. يا غالي.
غمض عينه جامد، ونزلت دموعة على خده:
— سامحني يا ابني..
— ما تقولش كدة تاني يا با.. أنت اللي عملتني راجل، أنت اللي حميتني من الشارع.. الدكتورة والتحاليل يقولوا اللي يقولوه، أبويا هو أنت، ومفيش غيرك.
حاول يبتسم بتعب وقال بصوت مخنوق:
— مراتك.. عارفة كل حاجة ومخبيـة.
— عرفت يا با.. وكل حاجة هترجع لأصلها.
مسك إيدي بقوته الضعيفة وقال:
— ما تروحش البيت لوحدك يا حسن.
بس أنا دمي كان بـيـغـلـي.
وأنا خارج في الطرقة، لقيت نهى داخلة ومعاها أمها، حماتي “الحاجة كريمة”. نهى كانت حاطة نظارة شمس كبيرة على وشها وشايلة شنطة براند، ووشها مقلوب من الضيق مش من الخوف. وأمها كانت ماسكة سبحة في إيدها وكأن ربنا شغال عندها!
— إيه.. الراجل العجوز ده قالك بقيت مسرحيته؟ — نهى قالتها بـتـريـقـة وقرف.
المحامي لف لها بالراحة وقال:
— يا مدام.. يفضل تحطي لسانك في بقك وتـسـكـتـي خالص.
هي ضحكت باستهزاء:
— ومين ده اللي بـيـهـدّدنـي كمان؟
بصيت لها كأني شايف واحدة شحاتة من الشارع:
— كنتِ عارفة إني مش ابنه الحقيقي.. وصح؟
ما نكرتش.. سكوتها في اللحظة دي كان هو حبل المشنقة اللي لفّته حوالين رقبتها.
— حسن.. أنا كنت بحميك..
— بتحميني من إيه؟ من الحقيقة ولا من الفلوس اللي كنتِ بـتـلـهـفـيـهـا من ورايا؟
حماتي كريمة دخلت في الكلام:
— جرى إيه يا حسن؟ ما تبقاش قليل الأصل.. العيلة دي رمتك في الشارع وإحنا اللي لميناك وسندناك!
المحامي طلع ورقة تانية من الشنطة:
— لأ يا حاجة.. حسن ما اترمىش.. حسن اتسرق وخطفوه من المستشفى.. وعشان كدة بالظبط إحنا محتاجين نتكلم معاكِ أنتِ بالذات يا ست كريمة!
حماتي ثبتت مكانها والسبحة وقفت في إيدها.
أنا بصيت للمحامي بذهول:
— هي مالها ومال الحكاية؟
المحامي وطى صوته وقال:
— لأن الست كريمة السعدني، كانت شـغّـالـة ممرضة مساعدة في نفس المستشفى الاستثماري وفي نفس الليلة اللي أنت اتولدت فيها!
وش نهى قلب أبيض زي الأموات.
وحماتي قفشت في السبحة وقالت بـتـهـتـهـة:
— ده.. ده كلام من تلاتين سنة.. أنا مش فاكرة حاجة وافترا على الناس!
كانت بـتـكـدب.. وعينها اللي رايحة جاية فـضـحـتـهـا.
المحامي طلع صورة قديمة بالأسود والأبيض.. كانت كريمة وهي شابة، بلبس الممرضات الأبيض الواقفة جنب حضّانة الأطفال، وضهر الصورة عليه ختم المستشفى القديم.
— الست فريدة الألفي سابت لستة بالناس اللي دخلوا عليها الأوضة يوم الولادة.. واسمك مكتوب في المحضر القديم اللي اتقفل زمان بالرشاوى!
الطرقة بتاعة المستشفى بقت زي القبر.. مفيش فيها نفس.
نهى همست برعب:
— ماما.. الكلام ده بجد؟
حماتي سكتتها ببرطمة ونظرة حادة.
في اللحظة دي فهمت.. الكدبة والوساخة ما بدأتش من يوم جوازي.. دي بدأت من يوم ما اتولدت!
رجعت البيت ومعايا المحامي واتنين أمناء شرطة من قسم السيدة زينب بعتهم رئيس المباحث بناءً على البلاغ. نهى ما رضيتش تيجي معانا، وقالت إنها رايحة مع أمها. وأنا ما بقاش يفرق معايا وجودها من عدمه.
دخلت الشقة.. المطبخ كان زي ما هو.
كوباية النسكافيه بتاعة نهى على الرخامة.
الكرسي اللي أبويا وقف جنبه وهو مكسور وذليل.
والخزنة اللي في المكتب.
فتحت الخزنة.. ما كنتش بدور على فلوس، كنت بدور على إجابات.
لقيت عقود الشقة، ووصولات، ولقيت دوسيه غريب مش بتاعي.. مكتوب عليه اسم نهى. جوة الدوسيه كان فيه كشوف حسابات بنكية، وصور من جوابات عيلة الألفي، وبوليصة تأمين على الحياة باسمي أنا.. والمستفيد الأول والوحيد: نهى السعدني!
وتاريخ البوليصة دي؟ بعد شهر واحد من استلامها لأول جواب من عيلة الألفي!
المحامي ما نطقش.. المكتوب كان كفاية.
ولقينا كمان طلب لـتـغـيـيـر نظام الجواز من “انفصال أموال” لـ “شركة وتضامن” بإمضاء مزور برضه باسمي، عشان لما الورث يظهر تاخد نص الشقة ونص كل حاجة!
شقتي.. اللي طفحت فيها الدم، واللي أبويا اداني مقدمها لما باع حتة الأرض اللي ورثها عن جدي في المحلة!
— كانت بتقول “بيتنا”.. — همست بقرف.
المحامي طلع شهادة من الشهر العقاري:
— الشقة قانوناً باسمك لوحدك يا فندم، ومحاولاتها للعب في العقود ما مشيتش لأنها ما اتوثقتش من محامي رسمي.. بس هي حاولت ترهن الشقة كمان!
يتبع….
ضحكت.. ضحكة ناشفة تـمـوّت من الوجع.
في الوقت اللي كانت بتقول فيه على أبويا “برص وطفيلى”، كانت هي بـتـبـيـع السقف اللي أبويا حماني تحت منه!
على بالليل.. نهى رجعت الشقة.
وشها ما كانش مقلوب، كان وش “الضحية” المسكينة اللي بـتـعـيّـط.
— حسن.. إحنا ممكن نحل الموضوع ده ودي بيننا..
وأمها كانت واقفة وراها:
— يا ابني اسمع من مراتك.. البيوت خربها ساهل.
كلمة “يا ابني” من بقها جابت لي غثيان وقرف:
— ما تقوليش يا ابني.. أنتِ بالذات تـسـكـتـي خالص!
نهى عيطت:
— أنا غلطت.. بس كنت بعمل كل ده عشاننا.. عشان نأمن مستقبلنا!
— عشاننا؟ تـلـهـفـي فلوس أهلي الحقيقيين من ورايا عشاننا؟ تـزوّري إمضتي عشاننا؟ تعملي تأمين على حياتي عشاننا؟!
بصت للمحامي بغل:
— أنت مالكش حق تفتش في حاجتي!
— الحاجة دي كانت في خزنتي وفي بيتي يا مدام!
حماتي قعدت على الكنبة من غير إذن وقالت بـجـبـاحـة:
— لولايا أنا.. ما كنتش هتبقى قاعد القاعدة دي دلوقتي ولا لابس النضيف ده!
البيت كله سكت.. وأنا قربت منها بالراحة:
— وريني بقى.. قوليلي إزاي؟
نهى بدأت تهز راسها وتصرخ:
— ماما لأ.. اسكـتـي!
بس الحاجة كريمة كانت مليانة كبرياء وغرور أعمى:
— أمك الحقيقية كانت بت غنية ومدلعة، وغلطت غلطة وكانوا عاوزين يداروا الفضيحة ويخلصوا من الواد.. وأنا كل اللي طلبوه مني إني أنقل البيبي برة المستشفى.. ما كنتش أعرف إنهم هيرموك في كرتونة جنب جامع! أنا لما عرفت بعد سنين إنك عشت، ولما نهى جابتك البيت وخطبتها، أنا عرفتك من الوحمة اللي في كتفك الشمال.. نفس الوحمة اللي كانت في الواد ابن الألفي! قولت لبنتي ما تبقاش عبيطة.. الواد ده لو اتجوزتيه، طاقة القدر هتتفتح لنا والفلوس هتجري في إيدينا!
نهى قعدت على الأرض بـتـعـيّـط بـحـرقـة.. مش عليا، على نفسها وعلى خطتها اللي باظت.
— حسن.. أنا حبيتك بجد..
بصيت لها وعيني مليانة احتقار:
— أنتِ حبيتيني زي ما الحرامي بـيـحـب الـخـزنة اللي هـتـغـنـيـه.
قامت وقربت مني:
— حسن فكر.. لو اطلقنا، الفضيحة هتبقى بجلاجل وكل الناس هتعرف.
— ياريت.. ده أنا مستني اللحظة دي بفارغ الصبر.
المحامي حط على الترابيزة ورق دعوى طلاق للضرر، وبلاغ رسمي بالتزوير والنصب والاشتراك في جناية خطف وتسهيل استيلاء على أموال قُصّر، وطلب تجميد لكل الحسابات البنكية اللي دخلت فيها فلوس عيلة الألفي.
نهى بصت للورق كأنها شافت تعابين:
— مش هتقدر تعمل فيا كدة يا حسن!
افتكرت أبويا وهو واقف في المطبخ، حاطط إيده في إيد بعض وراسه في الأرض.. افتكرت جزمته القديمة المقطوعة، وضهره المحني، والبدلة اللي باعها عشان يشتري لي جزمة المدرسة.. وافتكرت تلاتين سنة حب من غير نقطة دم واحدة تجمعنا، وسنتين جواز مليانين سِمّ وخيانة.
— أنا مش بعمل فيكِ حاجة.. أنا بس برفع الغطا عن البلاعة اللي عشت فيها.
أمها حاولت تقوم وتزعق، بس الباب خبط.. وكانوا أمناء الشرطة ومعاهم أمر ضبط وإحضار من النيابة.
الموضوع ما كانش شبه الأفلام.. مفيش صريخ.
كل اللي حصل كلبشات حديد اتـقـفـلـت على إيد الست اللي كانت بتقولي “يا ابني” وهي بـتـبـيـعـنـي، ونهى انهارة تماماً لما عرفت إنها مطلوبة للتحقيق كشريك أساسي.
— حسن.. عشان خاطري سامحني!
— أبويا طلب خمسين ألف جنيه وهو عينه في الأرض من الكسوف.. أنتِ سرقتِ سنين من عمري وما رمشتيش حتى!
ما شفتهاش تاني إلا في المحكمة.
أبويا جه المحكمة على كرسي متحرك، عنيد وزي ما هو، لابس جاكيت بني ومسرح شعره لورا. لما القاضي سأله: “ما علاقتك بالمدعو حسن رسلان؟”، رد من غير تردد وصوته زلزل القاعة:
— حسن ابني.. وأنا أبوه.
محامي نهى حاول يتذاكى ويـتـرّيـق:
— بس تحليل الـ DNA بيقول إنك مش أبوه يا حاج!
أبويا بص له بكل هدوء وثقة وقال:
— التحليل يقول إني ما خلفتوش.. ما يقولش إني ما ربيتوش!
محدش في القاعة كلها قدر ينطق بكلمة ولا يبتسم.
القض/ية خدت وقت، بس الورق كله اتكلم.. الجوابات المستخبية، التحويلات، بوليصة التأمين، الإمضاء المزور، ومحضر الشؤون الاجتماعية القديم اللي أثبت إن أبويا سـلّـمـنـي للقسم رسمي قبل ما ياخدني برعاية قانونية.
أبويا ما كانش حرامي..
ده كان الراجل اللي وقف في طوابير، وعمل أوراق، واستحمل أسئلة تـهـيـن الكرامة، واستنى شهور عشان ياخدني في حضنه ويروح بيا البيت وهو مطمن.
عيلة الألفي استقبلوني في بيتهم القديم في جاردن سيتي.. بيت بلكوناته حديد قديم وشكله أثري. خالتو الكبيرة، ست عجوزة وطيبة، مسكت وشي وعيطت من غير صوت.. ورتني صور لأمي “فريدة” وهي في الجيزة وسط الجناين، بـتـضـحـك وحاطة إيدها على بطنها وهي حامل فيا.
— عمرها ما صدقت إنك مت يا حسن.. فضلت تدور لآخر نفس.
ما عرفتش أرد بأيه..
ما كنتش قادر أحب فجأة ست ميتة ما شفتهاش..
بس كنت قادر أحترم حقها وحقي في الحقيقة.
استلمت الورث بشرط واحد: أبويا له حق الإقامة مدى الحياة معايا في أي مكان يختاره، وفتحت له حساب خاص لعلاجه وعملياته وكل اللي كان بيحرم نفسه منه.
لما عرف.. زعل وشخط فيا:
— أنا مش عاوز فلوسك يا حسن!
— دي مش فلوس يا با.. ده شقاك المعمور اللي بيرجع لك.. ده راحة بال متأخرة.
بص الناحية التانية، وعينه دمعت كأنه مكسوف إنه يستحق الراحة.
نهى حاولت تحارب في المحكمة عشان تاخد الشقة، وقالت إنها كانت زوجة ووقفت في البيت وعملت وعملت..
المحامي بتاعي قدم كل الحجج:
مقدم الشقة من أبويا..
أقساطي أنا اللي مدفوعة من حسابه..
وعقد انفصال الأموال.. والإمضاء المزور.
خرجت نهى من المولد بلا حمص.. خسرت الشقة، والحسابات، والاسم، وخرجت بقض*ية تزوير فوق كتافها.
وحماتي “كريمة” وقعت في شر أعمالها.. النيابة لما نبشت وراها، لقت قضايا تانية قديمة وبلاغات من أمهات تانين قالوا لهم إن عيالهم ماتوا في نفس المستشفى.. الحكاية كانت شبكة تجارة أطفال، وأنا كنت الناجي الوحيد اللي عاش باسم وأب حقيقي.
يوم ما خدوا كريمة على السجن، زعقت فيا وهي بـتـتـرحّـل:
— لولا أبوك الصعيدي ده لقطك من الشارع، كنت زمانك ميت في الزبالة!
وقفت وبصيت لها في عينها:
— لأ.. لولا إنك بعتيني وحرمتيني من أمي، كنت كبرت في حضنها.. بس ربنا عوضني بأجلّ راجل في الدنيا.
طأطأت راسها في الأرض.. وأخيرًا انكسرت عينها.
أبويا كان مستنيني برة المحكمة ومعاه كيس فيه “بندق وفستق” وسندوتشات كفتة جايبها من الحسين، وقالي: “الهم عاوز بطن مليانة يا حسن عشان تقدّر تدوس عليه”.
قعدنا على دكة في الشارع، هو بيشرب الحاجه الساقعة وأنا باصص له واللقمة واقفة في زوري.
— أنت كويس يا حسن يا ابني؟
بصيت لملامحه.. تجاعيد وشه.. إيده الخشنة اللي شالت الطوب.. ضوافره التعبانة من الشغل.. الراجل اللي لقاني في كرتونة وقرر ما يرمينيش للدنيا.
— دلوقتي بس بقيت كويس يا با.. دلوقتي عرفت أنا ابن مين.
طأطأ راسه وقال بصوت واطي:
— ومش زعلان مني؟
— زعلان إني ما بستش رجلك كل يوم يا با.. الدم ما بيعملش أب، اللي وقف وسند وعاش هو الأب.
ما عيطش.. أبويا عمره ما كان بتاع عياط.
كل اللي عمله إنه ضربني بالراحة على قفايا، نفس الضربة اللي كان بيعملها زمان لما كنت بطلع الأول في المدرسة.
بعد كام شهر.. بعت نص الأملاك والبيوت اللي مش عاوزها، وفتحت مؤسسة خيرية صغيرة باسم “مؤسسة الألفي رسلان” لرعاية الأطفال مجهولي النسب ومساعدة الأهالي الغلابة اللي بيربوا عيال مش من دمهم بس بـيـعـامـلـوهـم بأصلهم.
الخزنة في بيتي دلوقتي فاضية تماماً من الفلوس.
مفيش فيها رزم ولا دولارات.
فيها جواب أبويا.. وصورتي وأنا في البطانية الكحلي.. وورقة طلاقي من نهى.
في يوم، جالي رسالة من رقم غريب.. كانت نهى بـتـبـعـت من رقم في السجن أو تليفون حد هناك:
“كل ده حصل عشان خمسين ألف جنيه؟”
قريت الرسالة مرتين.. أخدت سكرين شوت وبعتها للمحامي، وبعدين رديت عليها بـجـمـلـة واحدة:
“لأ.. كل ده حصل عشان هُنـتِ الراجل الوحيد اللي عمري ما هُـنـت عليه.”
وعملت بلوك.
ليلِتها.. أخدت أبويا وعزمته في مطعم كباب وكفتة كبير في الحسين.. فضّل يقولي: “ده غالي، والمحلات دي بتاعة السياح، وأكل البيت أحسن ومصاريف ع الفاضي”.. بس أول ما داق اللحمة، ابتسم زي العيل الصغير.
— أمك الحقيقية كانت من عيلة الألفي بتاعة وسط البلد.. أكيد كانت غاوية الأكل النضيف ده — قالي وهو بـيـضـحـك.
هزيت راسي وقولتله:
— وأبويا كمان غاوي الأكل ده.. كل يا با ومستخسرش في نفسك.
ساب الشوكة وبصلي وعينه مليانة مية:
— أنهي أب فيهم يا حسن؟
بصيت في عينه مباشرة وقولت بكل فخر:
— أنت.. أنت يا رسلان.. أنت أبويا.
الدنيا برة كانت زحمة، وصوت الأذان طالع من المساجد، وتواشيح الحسين بـتـلـعـلـع في الجو.. القاهرة اللي خبتني، هي نفسها اللي رجعتني. أنا خسرت ست خاينة، وكدبة عشت فيها سنين، واسم مالوش لازمة.
بس كسبت الحقيقة..
بيت نضيف مفيش فيه خاين..
وأب ما رمانيش في الهوا.. أب لـمّـنـي واداني عمره مرتين.
الأولى.. لما شالني من جنب السور.
والتانية.. لما وقف يستلف وعينه في الأرض، عشان يـوّرّيـنـي الوش الحقيقي للدنيا.
نهى كانت فاكرة إن أبويا جاي يشحت فلوس..
ما كانتش تعرف إن أبويا جاي يـصـحّـي الـعـدالـة.
ولما فتحت الخزنة، الكنز ما كانش جوة الحديد..
الكنز كان واقف في طرقة المستشفى، بجلابيته البسيطة وقلبه التعبان.. وله كل الحق في الدنيا إنه يقولي: “يا ابني”.
