ليلة فرحي

“ليلة فرحي، استخبيت تحت السرير عشان أعمل مقلب في إخواتي… لكن اللي سمعته خلاني أتصل بالمحامية وأسجل كل كلمة، بعد ما عرفت إنهم ناويين يضيعوني أنا وعروستي.”
— بكرة أول ما يمضي… الشركة وكل الحسابات هترجع باسم العيلة.
صوت أخويا الكبير كريم كان هادي بشكل يخوف. في الأول افتكرت إني سمعت غلط.
كنت مستخبي تحت سرير أوضة في فندق كبير في القاهرة، لازق وشي في السجادة، ورجلي متنية بالعافية. كنت مجهز مقلب سخيف ليلة الفرح… أمثل إني نزلت، وأستخبى تحت السرير، وأسمع هيقولوا إيه لما يفتكروا إني مش موجود. كنت متخيل شوية ضحك، وهزار على توتري، وبعدها أطلع لهم وأفاجئهم.
لكن اللي حصل كان كابوس.
رد أخويا التاني شريف وهو بيضحك:
— أحمد عمره ما بيقرأ أي ورقة… اكتب على الغلاف “اتفاق لحماية حقوق العيلة”، وهيمضي وهو مغمض.
حسيت جسمي كله ساقع.
بقى لي أكتر من سبعتاشر سنة شايل العيلة كلها على كتافي.
أنا اللي دفعت مصاريف تعليمهم، وسددت ديونهم، وعالجت أمي، وأجرت شقق، وصرفت على مشروعين فشلوا. أنا اللي اشتريت لأمي بيت في مدينة نصر، وأنا اللي فتحت لكريم المطعم، وشغلت شريف معايا في شركة النقل، رغم إنه أصلًا مايعرفش يشتغل على إكسيل.
ولا مرة حسيت إني بتفضل عليهم…
كنت فاكر إن ده الطبيعي بين الأهل.
قال كريم:
— المشكلة مش أحمد… المشكلة في يارا. دي بتراجع كل حاجة.
يارا… البنت اللي كنت هتجوزها تاني يوم.
مهندسة ديكور وعندها شركتها الخاصة، وعمرها ما بصت لفلوسي.
أول سؤال سألتني يوم اتعرفنا كان:
“أولادك موافقين على جوازنا؟”
لكن أهلي كانوا بيعاملوها بابتسامات صفرا،

وكلام كله سم في العسل.
قال شريف:
— نعمل معاها زي ما عملنا مع دينا.
دينا…
مراتي السابقة.
جوازنا انتهى بعد سنين من الخناقات، ورسائل مجهولة، وشكوك كانت بتطلع كل ما نحاول نصلح علاقتنا.
كنت فاكر إن إحنا الاتنين ظلمنا بعض…
لكن وأنا مستخبي تحت السرير، اكتشفت إن حد كان بيولع النار بينا من البداية.
كمل شريف:
— نجلاء كانت بتبعت لدينا سكرينات مضروبة، وإنت كنت تقعد تقنع أحمد إنها عايزة تحرمه من العيال… الاتنين كانوا بيدفعوا للمحامين، وإحنا كنا بناخد فلوس بحجة إننا بنحل المشاكل.
حطيت إيدي على بقي بالعافية عشان ما أطلعش صوت.
كريم ضحك وقال:
— أحمد نفسه يعيش في سلام… لدرجة إنه عمره ما بيسأل مين اللي سرقه منه.
بعدها بدأوا يتكلموا عن تقرير معمل…
وتحليل DNA…
وسر لو عرفته حياتي كلها هتتقلب.
قالوا إن ممكن واحد من ولادي مش ابني…
وإن أختي نجلاء مخبية التقرير الأصلي.
إيديا بدأت تترعش.
ماكنتش عارف بيتكلموا عن أنهي واحد فيهم…
ولا حتى الكلام ده حقيقي ولا لأ.
قال شريف:
— بكده هيبقى تحت إيدينا… ولو يارا رفضت تمضي، هنزرع جواها شك. أحمد عمره ما هيختار أي ست على حساب عياله.
وطّي كريم صوته وقال:
— وبكرة أصلًا مش هتبقى في حالة تسمح لها تعترض.
— خلصتوا اللي اتفقنا عليه؟
— نجلاء جهزت كل حاجة… كاس، وحبايتين، وأوضة محجوزة باسم راجل تاني. لو يارا رفضت تتعاون، هنبين للناس إنها خرجت عن شعورها ليلة فرحها.
حسيت الدم بيغلي في دماغي.
الموضوع ما بقاش فلوس وبس…
دول ناويين يخدروها… ويلبسوها فضيحة تدمر حياتها.
في اللحظة دي…
حاجة صغيرة اتدحرجت على الأرض لحد ما وقفت قدام وشي.
ظرف لونه أوف وايت…
مكتوب عليه بخط الإيد:
“يارا”
عرفت الخط من أول نظرة…
ده خط أختي نجلاء…
الست اللي كنت مأمنها على ولادي طول السنين دي.
وفجأة…
حسيت المرتبة فوق ضهري غرزت لتحت.
واضح إن واحد من إخواتي قعد على السرير…
وبعدين بدأ ينزل براسه ناحية الحافة…
وفي اللحظة دي أدركت إنه فاضل ثواني ويكتشف إني مستخبي تحت السرير.
لكن اللي كنت هسمعه بعدها…
كان أبعد بكتير من أي حاجة كنت متخيلها.
قربت راس كريم تنزل ببطء تجاه الحافة السفلية للسرير، وعيناه كانتا تقتربان من خط الرؤية المظلم تحت الفرش. في تلك اللحظة الفاصلة، انبعث صوت رنين هاتف محمول من جيب كريم نفسه بصورة مفاجئة، ليقطّع سكون الغرفة المتوتر.
عدل كريم جلسته بسرعة، وأخرج هاتفه ليجيب بصوت منخفض ومتهدج:
— أيوة يا نجلاء… إيه؟ متأكدة؟
استمع كريم للطرف الآخر لثوانٍ معدودة، ثم تغير لون وجهه تماماً، وهتف بصوت مرتجف كاد أن يوقظ الممر الخارجي:
— يعني إيه ولاد أحمد مش في الاوضة؟! ومين الكداب اللي قالك إنهم نايمين لوحدهم؟!
اتسعت عيناي تحت السرير وأنا أكاد أجن. ولادي! ماذا تقصد نجلاء بوجود الأولاد خارج الغرفة المخصصة لهم؟
هتف شريف بذعر وهو يقف مكانه:
— إزاي مش موجودين؟ طب وأحمد الصغير فين؟
لم يكمل كريم كلامه، بل انطلق الركضان معاً خارج الغرفة هاربين باتجاه الجناح المجاور، وتركوني وحدي وسط هذا الكم الهائل من الأسرار والخيانات.
خرجت من تحت السرير ببطء شديد، ورجتاي كانتا تكادان لا تحملاني. أمسكت الظرف الأوف وايت الذي سقط أمامي، وسحبت هاتفي المحمول بسرعة،

1 2الصفحة التالية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *