تظاهر مليونير بالسفر فعاد ليجد معجزه في مطبخه قلبت حياته وابنه للابد
تظاهر مليونير بأنه سيسافر لكنه اكتشف ما كانت تفعله خادمته مع ابنه المقعد فعاد على نحو غير متوقع وانكشف سر المطبخ.
انطفأ محرك السيارة قبل شارعين من القصر. لم يكن روبرتو يريد الإعلان عن عودته. كان قد خطط لهذه اللحظة بدقة جراح يستعد لاستئصال ورم خبيث.
شد عقدة ربطة عنقه الحمراء وهو يشعر بأنها تضيق على عنقه تقريبا بقدر ما تضيق عليه الغصة التي حملها في صدره منذ أسبوع.
ثلاثة أيام همس لنفسه وهو يحدق في انعكاس وجهه في المرآة الخلفية. كانت عيناه محتقنتين بالدم من قلة النوم.
قلت لهم إنني سأغادر ثلاثة أيام إلى مؤتمر في الخارج. البيت سيكون لهم وحدهم والمجال سيكون مفتوحا. الآن سنرى من تكون هذه المرأة حقا.
نزل من السيارة ومشى تحت شمس الصباح لكنه كان يشعر ببرودة تنبع من معدته. لم يمض سوى شهر واحد على توظيفه إيلينا فتاة شابة أوصت بها وكالة رخيصة لأن أي ممرضة متخرجة لم تكن لتتحمل سوء طباعه ولا الكآبة الثقيلة التي تملأ ذلك المنزل.
كانت إيلينا مختلفة مبتسمة أكثر من اللازم ملونة أكثر من اللازم حية أكثر من اللازم لمكان مات فيه الأمل منذ وقت طويل.
وكانت دونا خيرتروديس الجارة الملاصقة قد زرعت بذرة الشك امرأة تعيش على التجسس من خلف الستائر. قالت له
روبرتو هذه الفتاة تفعل أشياء غريبة أمس سمعت صراخا ثم موسيقى.
موسيقى بأعلى صوت مع طفل مريض!
انتبه الذين يبتسمون كثيرا غالبا ما يخفون أسوأ النيات.
كانت تلك الكلمات تثقب عقل روبرتو بلا رحمة. كان ابنه بيدريتو سبب حياته الوحيد لكنه أيضا أكبر ألمه. طفل في عامه الأول محكوم بحسب أفضل اختصاصيي البلاد ألا يملك قوة في ساقيه.
شلل جزئي لا رجعة فيه هكذا قال التقرير الطبي الذي كان روبرتو يحتفظ به في الخزنة كأنه حكم بالإعدام. كان بيدريتو طفلا من زجاج.
ولو كانت تلك المرأة تهمله أو تقيم حفلات مستغلة غيابه فقد أقسم روبرتو أنه لن يكتفي بطردها بل سيحطمها قانونيا.
فتح الباب الرئيسي بمفتاحه الخاص وأدار القفل ببطء كي لا يصدر طقطقة معدنية. استقبله البيت بتلك الرائحة المألوفة معقم فاخر ووحدة.
خطا الخطوة الأولى فوق الأرض المصقولة صمت.
خطا الثانية لا شيء.
ثم سمعه.
لم يكن صراخ الألم الذي كان يخشاه. ولم يكن صوت تلفاز تشغله عاملة كسولة.
كان صوتا لا يعرفه صوتا حلقيا حادا متفجرا. ضحك لكن ليس أي ضحك. كانت قهقهة صافية نابضة من تلك التي تهز الجسد كله. وكانت قادمة من المطبخ.
شعر روبرتو بأن دمه يغلي.
هل تضحك على ابني فكر وهو يضغط على حقيبة الجلد بقوة حتى ابيضت مفاصله.
كانت تسخر من حالته وأنا لست هنا. أعماه الغضب للحظات. تخيلها تتحدث بالهاتف مع رجل ما تتجاهل الرضيع في كرسيه المتحرك وتضحك على الحياة السهلة التي تعيشها بفضل ماله.
أسرع في المشي ناسيا التخفي. دوت أحذيته ذات النعل القاسي في الممر كأنها مطارق قاض ينطق بالحكم.
وصل إلى عتبة المطبخ جاهزا للصراخ جاهزا لطردها جاهزا للدفاع عن ابنه من الإهمال.
ما الذي يحدث هنا بحق
ماتت العبارة في حلقه.
تجمد روبرتو في مكانه. انزلقت الحقيبة من أصابعه المتعرقة وارتطمت بالأرض ارتطاما مكتوما لم يسمعه أحد لأن المشهد أمامه كان سرياليا إلى حد أنه بدا وكأن الزمن تجمد.
كان المطبخ الذي اعتاد أن يكون مكانا معقما بأجهزة من الفولاذ اللامع مغمورا بضوء ذهبي يتسلل من النافذة الكبيرة. وهناك في مركز ذلك المشهد كانت الجريمة.
لم تكن إيلينا تسرق المال ولم تكن تتحدث بالهاتف. كانت ممددة على الأرض مستلقية على البلاط البارد بزيها ذي اللون الأخضر المائي وترتدي قفازات مطاطية وردية فاقعة تبدو مضحكة.
كان شعرها الداكن مبسوطا كالمروحة على الأرض ووجهها مضاء بابتسامة عريضة تكاد تؤلم من شدتها. لكن ما جعل قلب روبرتو يتوقف لثانية لم يكن إيلينا بل ما كان فوقها.
كان بيدريتو ابنه طفل الزجاج الرضيع الذي قال الأطباء إنه يجب أن يبقى مثبتا في كرسيه كي لا يتعرض لإصابة.
لم يكن بيدريتو في الكرسي.
كان الكرسي المتحرك الفضي تلك البنية المعدنية التي كان روبرتو يكرهها ويحبها في آن واحد لأنها الشيء الوحيد الذي يحمل ابنه فارغا مركنا قرب الثلاجة ووسائده الملونة تبدو حزينة وعديمة الجدوى.
كان بيدريتو واقفا.
كان واقفا فوق بطن إيلينا يتمايل بخطورة وقد غاصت قدماه الصغيرتان في قماش زيها.
كان يرتدي بيجامة مخططة وقبعة طاه مائلة
على رأسه. كانت ذراعاه الممتلئتان مرفوعتين نحو السقف كإشارة نصر وفمه الذي اعتاد أن ينغلق على تكشيرة ملل أو بكاء صامت مفتوحا في دائرة كاملة من النشوة.
كان الطفل يضحك.
يضحك وهو يضغط بقدم على بطن إيلينا وهي بدل أن تبعده كانت تمسك كاحليه بثبات ورفق وتغني
البطل إلى الأعلى أيها العملاق لترتجف الأرض!
شعر روبرتو أن الأرض تتحرك تحت قدميه. لم يستطع عقله معالجة ما يرى.
مستحيل! كانت صرخته المنطقية الداخلية. التقارير الاختصاصيون الصور الشعاعية. لا يمكنه فعل ذلك. لا يملك قوة. سيسقط سيتحطم.
لكن عينيه كانتا تريان شيئا آخر طفلا يفتح طريقه إلى قمة إيفرست وسط المطبخ ثقل التشخيص وخيانة الأمل.
تحول الصدم الأول إلى موجة رعب جليدي. ولكي يفهم الذعر الذي شل روبرتو عند العتبة لا بد من فهم الجحيم الذي عاشه في الأشهر الاثني عشر الماضية. لم يكن مجرد أب قلق كان رجلا مصابا بصدمة لا تهدأ.
في جزء من الثانية عاد ذهنه إلى ذلك المكتب الأبيض العقيم للدكتور فاياداريس أغلى طبيب أعصاب في المدينة. تذكر أزيز المكيف ورائحة القهوة البائتة وتذكر بوضوح مؤلم صوت الطبيب الرتيب وهو يشير إلى بقعة رمادية في صورة الأشعة
يا سيد روبرتو عليك أن تعدل توقعاتك. الاتصال العصبي في الأطراف السفلية عند بيدرو ضعيف ليس معدوما لكنه ضعيف جدا.
إن أجبرته إن حاولت جعله يمشي مبكرا فقد تسبب أضرارا لا تصلح في عموده الفقري أو وركيه. ابنك يحتاج إلى دعم يحتاج إلى الكرسي يحتاج إلى أن يقبل واقعه.
أن يقبل واقعه.
كانت هذه الكلمات الثلاث قد دمرت روبرتو. كان قد ترمل أثناء الولادة وفكرة أن ما تبقى له من زوجته طفل سيعاني طيلة حياته جعلته رجلا مريرا.
بنى حصنا حول بيدريتو. اشترى أفضل كرسي متحرك مستورد من ألمانيا. واستقدم ممرضات يشبهن الروبوتات وأعطاهن تعليمات صارمة لا تدعنه يزحف كثيرا قدمن له الألعاب بدل أن يصل إليها امنعنه من أي إحباط جسدي.
أنا أحميه كان يقول روبرتو كل ليلة وهو يراقب ابنه ينام ساكنا.
أحميه من الفشل أحميه من المحاولة ثم العجز.
والآن كانت هذه الخادمة فتاة لا تعرف شيئا عن الطب وربما لم تكمل الثانوية أصلا تهدم شهورا من الحماية في صباح واحد.
حدق روبرتو في الكرسي الفارغ وشعر بمزيج سام من الغضب والخوف.
بالنسبة إليه ما كانت إيلينا تفعله ليس لعبة بل إهمال قد يصل إلى الجريمة. كانت تعرض عمود ابنه الفقري الهش للخطر. كانت تلعب دور الإله بصحة طفل ذي إعاقة. تحول الخوف إلى غضب بركاني.
لقد خدعتني فكر والعرق يملأ عنقه.
تظاهرت بالطاعة تظاهرت باتباع القواعد. أعطيتها قائمة تعليمات لا تخرجي الطفل من الكرسي دون الحزام لا حركات مفاجئة وهي الآن تجعله يتوازن كأنه حيوان في السيرك!
والمفارقة أن صورة سعادة ابنه كانت تزيد غضبه. لماذا لأن روبرتو كان يرى تلك السعادة زائفة خدعة خطرة.
لو سقط الطفل من ذلك الارتفاع من فوق بطنها إلى الأرض الصلبة فقد ينكسر وقد يصبح أسوأ مما هو عليه.
ثم كان هناك شيء أعمق أكثر ظلمة وإحراجا في قلب روبرتو الغيرة.
لم ينجح روبرتو يوما في جعل بيدريتو يبتسم بهذه الطريقة. حين كان يحمله كان يحمله بخوف وتصلب كأنه ينقل قنبلة موقوتة. كان الطفل يشعر بتلك التوتر فيبكي. أما مع إيلينا فكان الطفل يبدو ملكا وهذا كان يؤلمه أكثر من أي تشخيص.
كان يؤلمه أن يرى غريبة ترتدي قفازات تنظيف تملك صلة بابنه صلة لم يستطع هو بكل ملايينه وبحبه المرتعد أن يصنعها.
كان ضحك بيدريتو الذي كان ينبغي أن يكون موسيقى لأذنيه يبدو له كاتهام صريح
انظر ماذا كنت تضيعه بسبب خوفك يا أبي.
لم يستطع روبرتو تحمل ذلك. انفجرت فقاعة المراقبة. سيطر عليه غريزة الحماية أو السجن بحسب من يراه. لم ير معجزة الساقين وهي تسند الطفل لم ير سوى خطر السقوط الوشيك.
خطا خطوة عدوانية إلى داخل المطبخ فصر البلاط تحت ثقله. امتد ظله طويلا معتما على المشهد المضيء قاطعا ضوء الشمس الذي كان يغمر المرأة والطفل.
إيلينا!
خرج الصراخ من حلقه كالرعد فمزق الجو السحري في المطبخ. وكانت الاستجابة فورية.
تحطمت فقاعة الفرح إلى ألف قطعة. استدارت إيلينا بعنف نحو الباب وعيناها متسعتان. لكن وهذا ما حير روبرتو أكثر لم تفلت الطفل. لم ترفع يديها لتغطي وجهها خوفا من صاحب العمل بل تشبثت بكاحلي بيدريتو بإحكام أكبر كي لا يسقطه الفزع.
فقد بيدريتو توازنه بسبب صرخة أبيه الغليظة. ارتجفت ركبتاه تلك الركبتان اللتان كان روبرتو يراهما عديمتي الجدوى. تمايل الطفل إلى الخلف وأطلق أنين خوف وتحول من نشوة إلى بكاء في ثانية.
اندفع روبرتو إلى الأمام وذراعاه ممدودتان بجنون.
اتركيه! زأر وملامحه مشوهة من الرعب.
ستقتلينه! إنه مقعد ليس لعبة!
ارتدت كلمة مقعد على بلاط المطبخ قاسية بشعة لا رجعة فيها كأنها حجر يرمى في بحيرة من زجاج.
وصل روبرتو إليهما وهو يلهث ودفع إيلينا دفعا خشنا يكاد يكون عنيفا وانتزع الطفل من يديها الحاميتين.
رفع بيدريتو إلى صدره المكوي وضغطه عليه. أحس الطفل بتوتر أبيه ورعبه فانفجر بالبكاء ومد ذراعيه الصغيرتين نحو إيلينا نحو الأرض نحو المرح الذي سلب منه فجأة.
نظر روبرتو إلى العاملة التي كانت جالسة على الأرض تفرك ذراعها في المكان الذي دفعها فيه لكنها كانت ما تزال تنظر إليه مباشرة. لم يكن في عينيها خضوع بل شفقة.
أنت مطرودة! بصق روبرتو الكلمات وهو يرتجف من رأسه حتى قدميه وقلب ابنه يخبط بقوة ضد صدره.
خذي أغراضك واذهبي الآن قبل أن أتصل بالشرطة بتهمة إساءة معاملة الأطفال.
عاد الصمت إلى المطبخ لكنه لم يعد صمتا هادئا بل صمتا ثقيلا لا يقطعه سوى شهقات بكاء طفل كان قد نسي لعدة دقائق أنه لا يستطيع المشي.
ظل روبرتو يضم بيدريتو إلى صدره لكن الطفل كان يتلوى كسمكة خارج الماء يبحث بجنون عن ذراعي المرأة التي طردت للتو. لم يكن بكاؤه بكاء ألم جسدي بل بكاء فراق صرخة احتجاج تثقب أذني روبرتو وتزيده غضبا.
كفى يا بيدرو أبي هنا! صاح روبرتو محاولا فرض سلطته على رضيع لا يفهم مراتب السلطة بل يفهم العاطفة فقط.
وقفت إيلينا ببطء. لم تخفض رأسها. لم ترتجف أمام غضب المليونير. سوت زيها الأخضر المائي بكرامة تناقض الإذلال الذي كان روبرتو يريد إنزاله بها.
خلعت قفازيها المطاطيين الورديين إصبعا بعد إصبع بهدوء يستفز الأعصاب وتركتهما على رخامة الطاولة.
قالت بصوت ناعم لكنه حازم صوت كان يستطيع تهدئة الطفل حتى من بعيد
يا سيد روبرتو الطفل لا يبكي لأن شيئا يؤلمه. إنه يبكي لأنك قطعت انتصاره انتصاره.
أطلق روبرتو ضحكة مرة مشبعة بالسم وهو يحاول إجبار الطفل على الجلوس في الكرسي المتحرك. تقوس بيدريتو بعناد رافضا العودة إلى سجنه المعدني ووسائده.
قال روبرتو باحتقار
تسمين هذا انتصارا تعريض حياة ابني للخطر استخدامه كأداة سيرك لتسلية نفسك حين لا يكون صاحب البيت حاضرا
شد روبرتو حزام الأمان في الكرسي بيدين مرتجفتين. دوى صوت الطقة كأنه إغلاق زنزانة. انهزم الطفل أخيرا وأنزل رأسه وبكى بصمت وعيناه الكبيرتان الرطبتان معلقتان بإيلينا.
أنت لا تفهمين شيئا تابع روبرتو وهو يلتفت إليها أخيرا مطلقا ما تراكم في صدره من مرارة أياما.
هل تظنين أن راتبا أدفعه لك يمنحك حق التجريب عليه لقد كنت أعلم في أعماقي كنت أعلم أنك خطأ.
ارتد ذهن روبرتو اثنتين وسبعين ساعة إلى الوراء إلى اللحظة التي نبتت فيها بذرة الكراهية. كان ذلك في الحديقة على خط الفصل بين ملكه وبيت الجارة.
اعترضته دونا خيرتروديس امرأة من الطبقة الراقية لديها وقت فائض وتعاطف شحيح. قالت بحلاوة زائفة تخفي أعتى الخناجر
روبرتو العزيز لم أرد أن أكون أنا من يخبرك لكن تلك الفتاة الجديدة إيلينا هناك شيء لا ينسجم.
توقف روبرتو وهو يعيش أصلا في حالة جنون ارتياب بشأن صحة ابنه.
ماذا تقصدين يا خيرتروديس
قالت
الضجيج يا روبرتو. حين تذهب إلى عملك يصبح بيتك كأنه مهرجان. أسمع ضربات أثاثا يسحب وصراخا صراخ الطفل. ثم خفضت صوتها كأنها تبوح بسر دولة
وبعدها موسيقى موسيقى مبتذلة فاضحة! هل هذا جو لطفل مريض طفل مثل بيدريتو يحتاج إلى هدوء وسكينة وراحة لا إلى هذا الصخب. وأحيانا أفكر أنها تجعله يبكي عمدا ثم حسنا أنت تعرف كيف يكون أمثالهم لا يملكون تربيتنا.
علقت تلك الكلمات في عقل روبرتو كالشظايا الملوثة صراخ ضربات
وظلت صورة ابنه العاجز وهو يسحب أو يرعب على يد خادمة سادية تطارده ليلتين متتاليتين.
عاد روبرتو إلى الحاضر وحدق في إيلينا باحتقار متجدد. الآن لديه الدليل. كانت خيرتروديس على حق. الضجيج حقيقي والمهرجان مقام في مطبخه.
قال روبرتو وهو يقترب منها ويغزو مساحتها ليخيفها
لقد حذروني منك. قالوا إنهم يسمعون أصواتا غريبة. قالوا إنك لا تحترمين حالة ابني وأنا كالأحمق ظننت أنهم يبالغون لكن اليوم اليوم رأيت بعيني.
ثبتت إيلينا نظرها فيه. كانت عيناها الداكنتان تلمعان لا بدموع خوف بل بحدة لم يفهمها روبرتو.
قالت
قالوا لك إنهم يسمعون أصواتا يا سيد روبرتو هل قالوا لك ما نوع تلك الأصوات أم قالوا لك فقط ما يريد خوفك أن يسمعه
زأر روبرتو وهو يشير إلى الأرض
رأيت ابني يدوس على بطنك! طفلا لديه شلل! لو انزلق لارتطم بعنقه على البلاط! أنت متهورة متوحشة لا تفهمين هشاشة عظم الإنسان.
ردت إيلينا وهي تتقدم خطوة متحدية الحاجز غير المرئي بين الخادم وصاحب البيت
الهشاشة ليست في عظام بيدريتو يا سيد روبرتو الهشاشة في إيمانك أنت.
ثم قالت بوضوح
أنت ترى كرسيا متحركا فترى قدرا نهائيا. وأنا أرى كرسيا متحركا فأرى عائقا مؤقتا.
اصمتي!
شعر روبرتو أن العبارة ضربته أقوى من أي إهانة.
لا تتجرئي على إعطائي دروسا. أنت هنا لتنظيف البيت ولحراسة الطفل كي لا يتأذى لا لتلعبي دور طبيبة تصنع المعجزات. إنه طفل مقعد افهمي ذلك مرة واحدة!
ترددت الكلمة من جديد.
وفي الكرسي رفع بيدريتو يديه الصغيرتين إلى أذنيه كأنه يشعر بثقل تلك التسمية.
نظرت إيلينا إلى الطفل ثم إلى روبرتو وتغير وجهها. اختفت الابتسامة تماما وحل محلها جد مطلق كأنه موقف مقدس.
قالت بصوت منخفض
هذا هو الفارق بيني وبينك يا سيد روبرتو أنت تحب الطفل الذي كان ينبغي أن يكونه لو كان سليما. أما أنا فأحب الطفل الذي لديك الآن بكل إمكاناته.
ثم أضافت وهي تشير إلى البكاء والضحك
ولهذا لهذا يضحك معي ويبكي معك.
كانت صفعة لفظية دقيقة جعلت روبرتو يتراجع خطوة وهو مذهول.
اندفع الغضب إلى عنقه حارا خانقا. كيف تجرؤ كيف تسمح لنفسها وهي لا تملك شيئا أن تشكك في حبه كأب هو من يدفع أغلى الأطباء وهو من يشتري أفضل الملابس وهو من ضحى بحياته الاجتماعية لأجل الطفل.
همس روبرتو بصوت مكسور من الغضب المكبوت
اخرجي من هنا. لديك خمس دقائق لتأخذي خرقك من بيتي. إن بقيت بعد خمس دقائق فسأخرجك بالقوة.
لكن إيلينا لم تتحرك نحو باب الخدمة. ظلت واقفة كأنها شجرة بلوط وسط العاصفة.
استدار روبرتو ليهتم بابنه معتقدا أن الأمر قد نفذ. بدأ يبحث عن منديل في جيبه ليمسح دموع بيدريتو محاولا إعادة قناع الأب الكفؤ المسيطر.
غير أن صوت خطوات إيلينا وهي تبتعد لم يأت.
قال صوتها خلفه
لن أذهب بعد.
استدار روبرتو بعنف غير مصدق تلك الجرأة.
ماذا هل لا أفهم الإسبانية أنت مطرودة!
قالت بهدوء
سمعتك جيدا يا سيد روبرتو. لكنني لن أذهب حتى ترى لماذا جئت حقا إلى هذا البيت. لأنني إن ذهبت الآن ستعيد ذلك الطفل إلى ذلك الكرسي وتتركه هناك حتى تضمر عضلاته تماما. وهذا هذا هو الجرم الحقيقي.
شعر روبرتو بمزيج من غضب وفضول مريض. ماذا ستريه بعد لقد رأى بالفعل العرض حين كان الطفل فوق بطنها.
قال باستهزاء وهو يتجه إلى النافذة كي لا ينظر إليها مباشرة
ماذا تظنين أنك تعرفين مما لا يعرفه الأطباء
ثم قال وهو يريد أن يثبت أنه المسيطر
أتظنين أنني غبي يا إيلينا أتظنين أن عودتي كانت مصادفة
نظر عبر الزجاج إلى الشارع الخالي وهو يتذكر الساعات السابقة كانت المؤتمر في الخارج كذبة محكمة.
لم يكن هناك سفر أصلا اعترف دون أن يلتفت إليها وكأنه يخاطب انعكاسها في الزجاج.
جهزت الحقيبة اتصلت بالسائق تظاهرت بالذهاب إلى المطار ثم بقيت في فندق وسط المدينة أنتظر وأحسب.
كانت الخطة مصممة ببرود رجل أعمال يريد سحق منافس غشاش. قضى روبرتو ليلة بلا نوم في غرفة فندق بلا روح يراقب الساعة كل عشر دقائق يتخيل الفظائع التي تحدث في بيته.
في التاسعة تصل هي. في العاشرة تتركه أمام التلفاز لتتحدث مع صديقاتها. في الحادية عشرة ماذا ستفعل عند الحادية عشرة
كان الشك يأكله.
وفي الثامنة صباح اليوم لم يعد يحتمل. قاد سيارته عائدا وركنها على بعد شارعين. مشى المسافة الأخيرة كي لا يسمعوا صوت المحرك. أحس كأنه لص في حيه يختبئ خلف الشجيرات ويراقب ويصغي.
وعندما دخل كان يتوقع أن يجد إهمالا. كان يتوقع أن يجد الطفل متسخا يبكي من الجوع. كان ذلك سيكون سهلا طرد بلاغ نهاية المشكلة.
لكن الذي وجده كان أسوأ على كبريائه وجد سعادة سعادة لم يسمح بها.
قال وهو يلتفت أخيرا ليواجهها
نصبت لك فخا يا إيلينا. أردت أن أمسكك وأنت مهملة. أردت سببا لطردك وتأكيدا على أن لا أحد يستطيع رعاية ابني أفضل مني.
قالت إيلينا وهي تعقد ذراعيها
وقد أمسكتني جعلته سعيدا. أمسكتني وأنا أعلمه أن ساقيه تعملان. يا له من جرم عظيم يا سيد روبرتو.
صرخ روبرتو وهو يضرب الطاولة بقبضته
ساقاه لا تعملان! هذا تشخيص طبي شلل تشنجي جزئي. هل تعرفين أصلا
ماذا يعني ذلك يعني أن دماغه لا يرسل الإشارة الصحيحة.
ثم قال بلهاث
أنت تعطينه آمالا كاذبة وهو رضيع. وعندما يكبر ويدرك أنه لا يستطيع الركض كغيره ستكون الصدمة بسببك.
كان روبرتو يصدق حقيقته هذه بصدق موجع. كان يرى الاستسلام الطريق الوحيدة لحماية ابنه من الألم إن لم تتوقع شيئا فلن تصاب بخيبة.
تنهدت إيلينا وللمرة الأولى بدا على وجهها شيء من الحزن لا من أجل نفسها بل من أجل الرجل الأنيق أمامها.
قالت
لقد صنعت فخا لتبحث عن الشر وأنت أعمى بمرارتك إلى درجة أنك لا ترى الخير حتى لو كان أمامك يرقص. أنت تقول إن ساقيه لا تعملان وأنا أقول إنها تعمل. لكنك لا تريد أن ترى.
قال روبرتو متحديا وهو يعلم أنه مستحيل
أثبتي ذلك. إن كنت صاحبة معجزات فأثبتي الآن أن ابني يستطيع أن يمشي دون خدع دون أن يستند عليك.
كان روبرتو يعلم أن الطفل لا يمشي وحده. رآه يسقط ألف مرة. رآه يزحف. كان ذلك تحديا مستحيلا يريد به إذلالها وإجبارها على الرحيل منكسة الرأس.
نظرت إيلينا إلى بيدريتو الذي كان ما يزال يبكي في الكرسي ثم نظرت إلى روبرتو وقالت
الأمر لا يعمل هكذا يا سيد روبرتو. هذا ليس سحرا لإرضاء المشككين هذا ثقة.
ثم قالت
كان يمشي فوقي لأنه كان يثق أنني لن أدعه يسقط. أما معك وأشارت بذقنها إلى روبرتو فهو يخاف. لأنه يشعر بخوفك أنت.
قال روبرتو بحدة
أعذار هراء رخيص ممن تم ضبطها متلبسة. خذي شيكك واذهبي.
قالت إيلينا وهي تتجه نحو حقيبتها في زاوية المطبخ
سأذهب لكن قبل ذلك عليك أن تعرف ما كنا نحتفل به عندما دخلت. لم يكن الأمر لعبة يا سيد روبرتو.
أخرجت من حقيبتها دفترا قديما مهترئ الغلاف مليئا بملاحظات مكتوبة بخط اليد ورسومات طفولية. وضعته على الطاولة ودفعته باتجاهه.
افتحه أمرت.
حدق روبرتو في الدفتر بريبة.
ما هذا
قالت هذا هو السجل الذي لا يكتبه الأطباء. سجل أم أو شخص يحب كالأم. افتحه واقرأ الصفحة الأخيرة. وبعد أن تقرأها إن كنت ما تزال تريدني أن أذهب فسأذهب دون أن أقول كلمة أخرى.
تردد روبرتو. ظلت يده معلقة فوق الدفتر. كان في صوت إيلينا يقين ساحق جعله يقشعر. نظر إلى ابنه الذي هدأ قليلا وأخذ يحدق في الدفتر بفضول كأنه يعرفه.
فتح روبرتو الغلاف وبدأ يقلب الصفحات المليئة بتواريخ وساعات وملاحظات بخط مستدير واضح
اليوم الأول حرك إصبع قدمه الكبرى اليسرى.
اليوم الرابع استجاب للموسيقى بتحريك الورك.
اليوم الثاني عشر حمل وزنه ثلاث ثوان.
وصل إلى الصفحة الأخيرة صفحة اليوم. كان الحبر ما يزال طريا. كانت هناك جملة واحدة مكتوبة بحروف كبيرة ومسطرة ثلاث مرات.
قرأ روبرتو الجملة وشعر هذه المرة حقا أن الأرض اختفت تحت قدميه. لم تكن ملاحظة طبية بل كشفا يناقض كل ما كان يعتقده عن دم ابنه وعن الحقيقة التي عاش يحتمي بها عاما كاملا.
رفع رأسه شاحبا ونظر إلى إيلينا.
هذا هذا صحيح تمتم وصوته خيط واهن.
أومأت إيلينا بابتسامة حزينة.
قالت
ما الذي قاطعته يا سيد روبرتو لم يكن لعبة متهورة كان الاختبار الأخير والكشف والمعجزة الصامتة.
بدت الجملة المكتوبة في الدفتر وكأنها تلمع تسخر من المنطق العلمي الذي كان روبرتو يتخذه درعا. كانت عيناه تعيدان قراءة الحروف مرارا يبحث عن خطأ عن خدعة يرفض أن يصدق ما يفهمه.
اليوم 915 بيدريتو لم يعد يحتاج إلى من يمسكه. هو يمسك نفسه. الخوف ذهب.
أغلق روبرتو الدفتر بعنف كأن الصفحات تحرقه. دوى الصوت في المطبخ فارتعش الرضيع في كرسيه قليلا.
قال روبرتو هامسا وهو يرفع نظره ووجهه شاحب مشوه
هذه كذبة. كذبة قاسية وبائسة. كتبت هذا قبل خمس دقائق لأنك كنت تعلمين أنني قادم. أتظنينني أحمق أعصاب ساقيه لا تستجيب. لا يوجد اتصال. من المستحيل فسيولوجيا أن يسند نفسه.
ثم رمى الدفتر على رخامة الطاولة باحتقار. انزلق الدفتر حتى توقف قرب يد إيلينا. لم تلتقطه. ظلت تنظر إليه بذلك الهدوء المستفز هدوء من يعرف أن الحقيقة معه.
قالت إيلينا برفق
العلم يقول أشياء كثيرة يا سيد روبرتو لكن العلم لا يقيس قلب طفل يريد الوصول إلى من يحب. أنت تقرأ التقارير وأنا أقرأ ابنك.
انفجر روبرتو
كفى شعرا رخيصا! انظر إليه! إنه جالس هناك بلا قوة ساقاه متدليتان كخرق! هذه هي الحقيقة. وما كتبته هناك خيال خطر لتبرير لعبك معه فوق أرض متسخة.
تنفست إيلينا بعمق. كانت تعرف أن الكلمات لن تقنع رجلا مدرعا بالألم والشك. روبرتو يحتاج أن يرى. لكن الرؤية تعني مخاطرة والمخاطرة هي الشيء الوحيد الذي لا يحتمله روبرتو.
قالت
أتريد الحقيقة يا سيد وخطت خطوة نحو الكرسي المتحرك.
اعترضها روبرتو بجسده وقال محذرا
لا تقتربي منه.
لقد قلت له إن يرحل. قالت إلينا وهي تتوقف على بعد نصف متر منه وتتحداه بنظرتها إن كان ما في ذلك الدفتر كذبا فلن يحدث شيء. وإن كنت أنا كاذبة فعندما أضع الطفل على الأرض سيسقط كدمية من قماش وسيبكي وسيكون لديك كل الحق في الدنيا لتتصل بالشرطة وتزج بي في السجن بتهمة الاحتيال.
ظل روبرتو صامتا. كان العرض فخا لغروره. إن رفض اعترف أنه يخشى أن يكون مخطئا. وإن قبل أثبت أنها محتالة. قال وهو يشد على أسنانه بصوت متوتر افعليها. ضعيه على الأرض وعندما ينهار أريدك أن تجمعي أغراضك وتختفي من هذه المدينة إلى الأبد. أومأت إلينا ببطء.
اقتربت من بيدريتو. وما إن رآها الطفل حتى تبدل خوفه إلى ترقب. مد ذراعيه الصغيرتين نحوها وهو يهمهم بكلمات بدت كأنها إينا إينا. وبحركات رقيقة لكنها حاسمة فكت إلينا حزام الأمان الذي كان روبرتو قد شده بقسوة.
رفعت الطفل بين ذراعيها. لم يكن بيدريتو ثقيلا. فقد أبقاه ضمور العضلات صغيرا هشا. كان روبرتو يراقب وقلبه معلق في حلقه مستعدا للانقضاض والإمساك بابنه في اللحظة التي تقوم فيها الجاذبية بعملها القاسي. انحنت إلينا. لم تضع الطفل مستلقيا ولا جالسا بل أوقفته على قدميه.
كانت يداها المغطاتان بالقفازين تمسكان خصر الصغير لتمنحاه الثبات. لامست قدما بيدريتو في جوارب صوفية مضادة للانزلاق البلاط البارد. أمر روبرتو بنبرة اختلط فيها نصر مسبق ورعب اتركيه. ثم قال هيا اتركيه ودعي الواقع يسكتك. نظرت إلينا إلى الطفل في عينيه. لم تنظر إلى روبرتو.
همست له متجاهلة الأب أنت تستطيع يا حبيبي كما نفعل دائما. ابحث عن التوازن ابحث عن القوة. ثم سحبت إلينا يديها.
بدا الزمن وكأنه توقف في ذلك المطبخ الفاخر. حبس روبرتو أنفاسه. توترت عضلاته وتشنجت يداه استعدادا للإنقاذ. كان ينتظر السقوط الفوري.
كان ينتظر أن يرى الركبتين تنثنيان والجسد يهوي إلى الأمام والارتطام الحتمي. لكن الارتطام لم يأت. تمايل بيدريتو. ارتجفت ركبتاه الصغيرتان بعنف كأغصان القصب في عاصفة. مال جسده إلى اليسار ثم إلى اليمين. أطلق الطفل أنينا صغيرا من شدة الجهد عابسا بتركيز مطلق قابضا قبضتيه الدقيقتين إلى جانبيه لكنه لم يسقط. ثانية ثانيتان ثلاث.
شعر روبرتو أن الهواء ينسحب من رئتيه. اتسعت عيناه بشكل مفرط. لم يعقل. كان يرى ما يتحدى خمسة مختصين. عضلات ساقي الطفلتلك العضلات التي قيل إنها غير موجودةكانت تنقبض بوضوح تحت البيجاما المخططة تقاوم الجاذبية وتثبت المفاصل.
صرخ بيدريتو فجأة بصوت واضح قوي وهو ينظر إلى روبرتو ويطلق ضحكة عصبية منتصرة بابا! ثم خطا خطوة. لم تكن خطوة أنيقة بل حركة متعثرة مجرورة تكاد تكون تشنجا مضبوطا. ارتفعت القدم اليمنى بالكاد سنتيمترا عن الأرض وتقدمت ثم تبعتها اليسرى.
كان بيدريتو قد قطع خطوتين نحو أبيه وحده بلا مشاية. بلا يدين تسندانه بلا أحزمة. تراجع روبرتو حتى ارتطم ظهره بإطار الباب. سقطت الحقيبة التي كان قد التقطها من قبل مرة أخرى على الأرض. رفع يديه إلى فمه يخنق صرخة لا يعرف إن كانت فرحا أم رعبا محضا.
انهار عقله الصارم المنظم أمام دليل المعجزة. الطفل وقد أنهكه الجهد الجبار فقد توازنه أخيرا وسقط جالسا على حفاضه المبطن. لم يبك. نظر إلى أبيه وصفق منتظرا الهتاف الذي اعتاد أن يناله من إلينا. همست إلينا والدموع في عينيها وهي تجثو لتعانقه برافو برافو يا بطلي!
لم يصفق روبرتو. بقي متحجرا يحدق في ابنه على الأرض كأنه يرى شبحا. صدمته الحقيقة بقوة قطار مندفع. ابنه لم يكن مكسورا ابنه كان يتعافى وهوالأبلم يكن يعلم شيئا. كان ذلك مواجهة أخلاقية وقفصا من ذهب. الصمت الذي تلا تصفيق إلينا الوحيد كان كثيفا مشحونا بكهرباء ساكنة جعلت الهواء ثقيلا عسير التنفس.
كان روبرتو ينظر إلى ابنه على الأرض وهو يضحك ويلعب برباط حذاء إلينا ويحس أن عالمه يعاد ترتيبه بوجع. لكن بدلا من أن يركض ليعانق ابنه اجتاحه عار عميق تحول فورا إلى غضب دفاعي. كانت تلك آلية دفاع رجل لا يستطيع تحمل أن يكون مخطئا.
إن كان مخطئا فهذا يعني أنه حكم على ابنه بعام كامل من السكون غير الضروري. ويعني أنه هو الشرير وروبرتو لا يستطيع قبول أن يكون الشرير. قال بصوت أجش مبحوح كيف كيف يكون هذا ممكنا الطبيب فاياداريس قال الأشعة. الطبيب رأى صورة ثابتة لعظم.
قالت إلينا وهي تقف وبسلطة جعلت المليونير يبدو أصغر سيدي أنا رأيت طفلا. الطبيب وصف له السكون وأنا وصفت له الحياة. رفع روبرتو نظره وكانت عيناه حمراوين دامعتين وثبت فيهما عداء لقد خاطرت اتهمها وهو يبحث بيأس عن حجة يستعيد بها السيطرة الأخلاقية على الموقف.
لقد لعبت الروليت الروسي بصحة ابني. أتدرين ما الذي كان يمكن أن يحدث أتدرين أنه لو لم تكن تلك العضلات جاهزة لكان بإمكانك أن تسببي له إصابة دائمة في العمود الفقري أنت طائشة غير مسؤولة. لقد كنت محظوظة لا أكثر.
أجابت إلينا وقد اشتد صوتها لم يكن حظا يا سيد روبرتو. كان عملا عملا قذرا مرهقا يوميا. بينما كنت في مكتبك تجمع الملايين لتشتري له أغلى كرسي متحرك في السوق كنت أنا هنا على هذا البلاط أعرق معه. وأشارت إلى الأرض بإصبع متهم. هل سألتني عن الصراخ الذي كانت تسمعه الجارة نعم كان بيدريتو يصرخ. كان يصرخ من الإحباط لأنني كنت ألزمه أن يبذل جهدا.
كان يصرخ لأن إيقاظ العضلات التي تركتها أنت نائمة كان مؤلما. وكنت أبكي معه لكنني لم أدعه يتوقف. لأن هذا ما يفعله من يحب حقا يدفع حتى لو كان ذلك مؤلما. أما أنت فكنت تشفق عليه فحسب.
زمجر روبرتو وقد جرح في أعمق نقطة أنا أحبه أكثر من حياتي! كل ما أفعله هو لحمايته. ذلك الكرسي ليكون مرتاحا.
وهذا البيت كي لا ينقصه شيء.
صرخت إلينا لأول مرة وقد فقدت رباطة جأشها فارتد صوتها في جدران الرخام ذلك الكرسي قفص! وهذا البيت ضريح. أنت لا تحميه يا سيد روبرتو أنت تخفيه. تجمد روبرتو. ظلت كلمة تخفيه معلقة في الهواء.
همس ماذا تقولين
قالت إلينا بلا هوادة وهي تقذف الحقيقة الأكثر ألما في وجهه أقول إنك تشعر بالخجل. في عمقك يؤلمك أن ابنك ليس الوريث المثالي الذي حلمت به. يؤلمك أن تراه يزحف. لذلك تفضل أن تراه ساكنا نظيفا جالسا على ذلك الكرسي الفضي كدمية من خزف بدلا من أن تراه يكافح على الأرض كطفل طبيعي.
قال روبرتو اصمتي. رفع يده وهو يرتجف من الغضب لكنه أوقفها في الهواء. كان يعرف في ركن مظلم من روحه أنها على حق. كان يكره رؤية ابنه يكافح لأنه يذكره بعجزه هو. وكان يكره الإعاقة لأنها تذكره بموت زوجته.
تابعت إلينا وقد خفضت نبرتها لا حدتها سأسكت عندما أرحل. لكن افهم هذا شلل بيدريتو ليس في ساقيه فقط لقد كان في موقفك أنت. عاملته كعاجز فصدق ذلك. الأطفال مرايا يا سيدي. إن نظرت إليه بشفقة سيشعر أنه يستحق الشفقة.
وإن نظرت إليه بإيمان حسنا لقد رأيت ما يحدث عندما ينظر إليه أحد بإيمان.
نظر روبرتو إلى بيدريتو. كان الطفل قد زحف حتى ساق الطاولة ويحاول الوقوف من جديد متشبثا بالخشب. كانت ساقاه ترتجفان لكن وجهه كان مضاء بعزيمة شرسة. شعر روبرتو أن قلبه ينكسر.
أدرك أنه طوال شهور كلما حاول بيدريتو أن يتحرك كان هو أو ممرضة يهرعون لمساعدته لحمله لتجنيبه المشقة. لقد سرقوا منه فرصة القتال. تمتم روبرتو وقد انهارت غطرسته كبيت من ورق أنا أنا فقط أردت ألا يتألم.
استند إلى سطح المطبخ وهو يشعر بأن قواه تخونه. الأطباء قالوا إنه لا أمل. من أنا حتى أخالف الأطباء
قالت إلينا وهي تخطو إليه وقد لانت ملامحها حين رأت الألم الصادق في عينيه أنت أبوه. والأب عليه أن يؤمن حتى حين تقول العلوم لا.
الأمل ليس معلومة طبية يا سيدي إنه قرار. وأنت قررت الاستسلام يوم أعطوك التشخيص.
اقتربت إلينا أكثر متجاوزة مساحة المليونير الخاصة تفوح منها رائحة عرق اللعب وعطر الطفل. أنا لست طبيبة ولا أملك شهادات لكنني أعرف شيئا واحدا هذا الطفل هناك لا يحتاج إلى كرسي بثلاثة آلاف دولار.
يحتاج أن يرتمي أبوه على الأرض معه. يحتاج أن يكف أبوه عن الخوف من سقوطه وأن يبدأ بتعليمه كيف ينهض.
نظر روبرتو إلى يديهيدا مكتب ناعمتان توقعان الشيكات لكنهما منذ زمن طويل لم تلعبا. ثم نظر إلى إلينا وسأل بصوت مكسور لماذا لماذا فعلت كل هذا كان بإمكانك أن تتقاضي راتبك ولا تفعلي شيئا مثل الأخريات. كان بإمكانك اتباع أوامري وأن تحصلي على حياة سهلة. لماذا تقاتلين من أجل طفل ليس ابنك
ابتسمت إلينا. ابتسامة حزينة غامضة كأنها تخبئ قصة خاصة ألما قديما لا يعرفه روبرتو.
لأن أحدا لا ينبغي أن يستبعد قبل أوانه يا سيدي. ثم نظرت إلى بيدريتو بحنان لا نهاية له. ولأننا أحيانا نحن الذين انكسرنا من الداخل نكون الوحيدين الذين يعرفون كيف نصلح من انكسر من الخارج.
عاد الصمت إلى المطبخ لكنه لم يعد صمت مواجهة بل صمت حقيقة انكشفت ولا يمكن إعادتها إلى مكانها.
كان روبرتو محاصرا. أمامه خياران أن يطرد تلك المرأة ويعود إلى أمانه العقيم أو أن يبتلع كبرياءه ويعترف بخطئه الهائل ويدخل ذلك العالم المجهول المرعب حيث قد يمشي ابنه أو يسقط. أطلق بيدريتو ضحكة صغيرة وضرب الطاولة براحة يده. بابا قال وهو ينظر إلى روبرتو بثبات.
كان يطلب المساعدة ويطلب الانتباه ويطلب شاهدا على إنجازه. شعر روبرتو بدمعة ساخنة تنحدر على خده الأولى منذ سنوات. لقد سقط الحاجز الحقيقة الخفية وعلاج الحب. مسح روبرتو وجهه بيده يحاول محو صورة عجزه التي باتت تسقط ظلها على كل ركن من المطبخ.
كانت الدمعة التي أفلتت من عينه قد جفت تاركة أثرا باردا على خده لكن الجرح الداخلي كان مفتوحا ينزف. نظر إلى إلينا التي بقيت واقفة هناك بلا غرور تنتظر فقط أن يهضم الزلزال الذي هز أسس حياته.
تمتم روبرتو وهو يسند كل ثقله على جزيرة المطبخ شاعرا أن ساقيهساقي رجل بالغ سليمتخذلانه أكثر من ساقي ابنه لا أفهم. المعالجون كانوا يأتون ثلاث مرات في الأسبوع. كنت أدفع لهم ثروة. كانوا يأتون بآلات وأقطاب كهربائية وكرات سويسرية ماركات وبيدريتو كان فقط يبكي.
يبكي حتى يصبح وجهه أرجوانيا وأنت أنت بقفازات مطبخ وأشار روبرتو إشارة مبهمة إلى فوضى الوسائد على الأرض وبهذه الأشياء وبالقمامة صنعت هذا! ماذا تعرفين أنت لا يعرفونه هم هل أنت ساحرة هذا معجزة.
ضحكت إلينا ضحكة قصيرة جافة بلا روح دعابة. انحنت تلتقط قبعة الطاهي التي سقطت من الطفل ونفضتها برفق.
قالت لا سحر يا سيد روبرتو وبالتأكيد لا شعوذة. ما يوجد هو الوقت وشيء لم يمتلكه معالجوك الذين يتقاضون كذا في الساعة الجوع. جوع
قطب روبرتو حاجبيه في حيرة.
قالت إلينا موضحة وهي تقترب من الطاولة وتلتقط الدفتر من جديد تمرر يدها على غلافه البالي جوع للحياة!
كان هؤلاء الأطباء يأتون ينظرون إلى الساعة يؤدون تمارينهم الآلية يقبضون شيكهم ثم يذهبون ليلعبوا الغولف. بالنسبة لهم بيدريتو مجرد حالة سريرية ملف يحمل رقما. سواء مشى أم لم يمش لا يغير ذلك شيئا في حياتهم. رواتبهم ستصل على أي حال.
توقفت إلينا لحظة تنظر إلى الطفل الذي صار يحاول فك رباط حذائه بنفسه مركزا يستخدم أصابعه بمهارة لم يلاحظها روبرتو من قبل.
أما بالنسبة لي تابعت إلينا وارتجف صوتها لأول مرة أما بالنسبة لي فرؤيته على ذلك الكرسي كانت إدانة شخصية. سألتني من أنا أنت تظنني مجرد فتاة تنظيف حظها جيد لكنك لا تعرف من أين جئت.
حدق روبرتو فيها. نظر إليها حقا لأول مرة. لم ير الزي بل رأى الندوب غير المرئية في عينيها.
اعترفت إلينا وهي تفجر القنبلة العاطفية وسط الصمت أخي الأصغر لويس ولد مثل بيدريتو.
في قريتي لم يكن هناك أطباء أعصاب ألمان ولا كراس متحركة من التيتانيوم ولا شيء. كانت أمي تعمل طوال اليوم وتركتني مسؤولة عنه. كنت في العاشرة. وكان لويس في الثانية ويزحف على التراب.
كان الجيران يقولون إنه عقاب من الله وأنه يجب أن يترك في زاوية. شعر روبرتو بقشعريرة. كانت نفس العقلية التي كان يحملها هو لكنها متسترة برداء الطب الراقيوفي النهاية قسوة واحدة.
تابعت إلينا وعيناها غارقتان في الذكرى لم أقبل ذلك. كنت أريد اللعب مع أخي أردته أن يركض معي في الحقل فابتكرت طرقي الخاصة.
لم أكن أعرف التشريح لكنني كنت أعرف أنه إن دغدغت قدميه انكمشهما. وأنني إن وضعت لعبته المفضلة بعيدا تمدد نحوها. فهمت أن ألم الجهد أفضل من ألم النسيان.
سأل روبرتو وكأنه يخاف معرفة الجواب وماذا حدث للويس
قالت إلينا وقد أضاءت ابتسامة مشرقة وجهها مشى نعم ببطء. نعم. لكنه مشى حتى المذبح يوم تزوج.
وعندما رأيت بيدريتو في أول يوم دخلت فيه هذا البيت رأيت نفس عيني لويس رأيت نفس الشرارة المحبوسة في جسد نائم. ووعدت نفسي ألا أسمح لكبكل مالك وحزنكأن تطفئ ذلك النور.
خفض روبرتو رأسه.
كان العار
ثقلا جسديا لا يحتمل. أدرك أن ثروته كانت أكبر عائق له. لقد فوض الحب. واستأجر الأبوة لمختصين لا يحبون ابنه.
قال روبرتو متذكرا شكاوى الجارة والضجيج
أجابت إلينا بحماس الموسيقى علاج. الموسيقى الصاخبة تحفز الإيقاع الدماغي. والرقص يجبر الجسد على البحث عن التوازن دون تفكير. والصراخ الذي كانت تسمعه السيدة خيرتروديس لم يكن صراخ ألم يا سيدي. كان صراخ جهد. كان صراخ حرب. عندما يكسر المرء حدا من حدوده يصرخ.
كنت تريد الصمت في هذا البيت. كنت تريد السلام لكن سلام المقابر لا ينفع الأحياء.
كان بيدريتو يحتاج إلى الضجيج يحتاج إلى الفوضى يحتاج إلى الحياة.
مشت إلينا نحو الخزانة وفتحت بابا منخفضا. أخرجت منه مجموعة أشياء قد تبدو قمامة لعين غير خبيرة علب محفوظات فارغة مغلفة بشريط لاصق ملون ولوحا خشبيا مركبا عليه عجلات لوح تزلج وحبلا غليظا فيه عقد.
قالت وهي ترمي الأشياء على الأرض أمام روبرتو انظر. هذا هو نادينا الرياضي. العلب ليتعلم أن يرفع قدميه ولا يجرهما. واللوح لتقوية الجذع. والحبل لينهض وحده.
حدق روبرتو في تلك الأشياء المتواضعة الخشنة المصنوعة يدويا. كانت تتناقض بعنف مع الكرسي المتحرك الذي ثمنه آلاف الدولارات الراقد بلا جدوى في زاوية المطبخ.
كانت تلك الأشياء تحمل روحا تحمل عرقا تحمل ساعات من التفاني الليلي لا بد أنها صنعت في غرفة خدمة إلينا الصغيرة بينما كان هو ينام أو يسافر.
همس روبرتو وهو يلتقط إحدى العلب أنت التي صنعت هذا كانت ثقيلة ممتلئة بالرمل لتمنحها الثبات.
قالت إلينا نعم. لأن آلات المستشفى كانت تخيفه كانت باردة.
هذا هذا لعبة. والأطفال لا يشفون بالدواء يا سيدي يشفون باللعب.
وضع روبرتو العلبة على الأرض. شعر أنه صغير فقير. هو الذي يملك حسابات في سويسرا أدرك أنه أفقر رجل في تلك الغرفة. إلينا براتبها المتواضع وعلبها المليئة بالرمل منحت ابنه ثروة في شهر لم يمنحها هو طوال حياته.
قال روبرتو وانكسر صوته لقد أخطأت. لم تكن اعتذارا رسميا بل اعترافا بالهزيمة. ظننت أنني أحميه من عالم قاس لكن القاسي الوحيد هنا كنت أنا.
لم تجبه إلينا بكلمات معسولة. أبقت التوتر لازما ليترسخ الدرس. قالت المشكلة يا سيد روبرتو ليست أنك أخطأت. كلنا نخطئ. المشكلة هي ماذا ستفعل الآن لأن بيدريتو جرب الحرية. صار يعرف أنه يستطيع الوقوف. إن أعدته إلى ذلك الكرسي إن عدت تعامله كزجاج مكسور فحينها نعم ستخسره إلى الأبد. لن تخسر ساقيه ستخسر روحه وهذا لا دواء له.
نظر روبرتو إلى ابنه. كان بيدريتو قد نجح في الوقوف مرة أخرى ممسكا بسروال إلينا. كان الطفل ينظر إلى أبيه بفضول لكن أيضا بمسافة غريبة. لم يركض نحوه لم يبحث عن ذراعيه كان يبحث عن إلينا. كانت تلك الحقيقة أشد على روبرتو من أي صفعة.
ابنه لم يكن يعرفه. ابنه يعرف الممول الرجل ذا البذلة الرمادية الذي يمنحه قبلات باردة على الجبين ليلا لكنه لا يعرف الأب.
اعترف روبرتو وقد تجمعت الدموع من جديد لا أعرف ماذا أفعل. لا أعرف كيف أكون ما يحتاجه. أنا خائف يا إلينا خائف جدا من أن ألمسه فأكسره.
قالت إلينا وهي تشير إلى الأرض إذن توقف عن كونك السيد روبرتو رجل الأعمال المليونير وابدأ بأن تكون ببساطة أبا. الأرض لا تعض يا سيدي لكنني أحذرك هناك في الأسفل على مستوى بيدريتو لا قيمة لمالك. هناك لا قيمة إلا للقلب.
ظلت دعوة إلينا معلقة في الهواء متحدية وحاسمة الأرض لا تعض.
بالنسبة لروبرتو كانت تلك الأرض من البلاط اللامع تمثل هاوية. لقد اعتاد النظر إلى العالم من الأعلى من قامته من موقع السلطة من التفوق الأخلاقي والمالي. النزول إلى الأرض يعني الاستسلام يعني تلويث بدلة الحرير الإيطالية يعني الوقوف على مستوى الخدم والأطفال.
لكن عندما نظر إلى بيدريتو المتشبث بساق إلينا كغريق متشبث بلوح نجاة فهم روبرتو أنه لا خيار لديه. إن أراد استعادة ابنه فعليه أن ينزل.
وبحركات بطيئة تكاد تكون مؤلمة بدأ روبرتو يفكك درعه. أولا ترك حقيبته الجلدية تسقط على جانبها ونسي أوراقه المهمة وعقوده المليونية وقد تناثرت قليلا عند فتحتها لم تعد تهم.
ثم رفع يديه إلى عنقه. كانت أصابعه ترتجف لدرجة أنه بالكاد وجد عقدة ربطة العنق. كانت تلك الربطة الحمراء التي يتخذها رمزا للسلطة تبدو الآن كأنها حبل على رقبته. شدها بيأس فأرخاها ثم نزعها ورماها بعيدا على سطح المطبخ. فك زر قميصه عند العنق شاعرا أنه لأول مرة منذ سنوات يتنفس هواء حقيقيا لا هواء مكيفا. خلع سترته الرمادية.
تجعدت القماشة الثمينة حين ألقاها على الأرض بلا اكتراث. بقي بأكمام قميصه مكشوفا هشا. كانت إلينا تراقبه بصمت بلا حكم وبلا مساعدة. كانت تعلم أن هذه رحلة عليه أن يقطعها وحده لا يمكنها أن تسهلها عليه. عليه أن يحطم كبرياءه بنفسه.
نظر روبرتو إلى الأرض. بدت كأنها على بعد كيلومترات. ثنى ركبة. شد قماش البنطال. دوى صرير مفصله عاليا في صمت المطبخ. ثنى الركبة الأخرى وإذا به راكع في مطبخه أمام عاملته وابنه.
تغيرت زاوية الرؤية فورا. بدا السقف أعلى والطاولة أضخم وبيدريتو لم يعد يبدو صغيرا هشا. من تلك الارتفاع بدا بيدريتو كبيرا. كانت عيناه في مستوى عيني روبرتو.
همس روبرتو بصوت مخنوق وهو يشعر بالسخف والرعب معا مرحبا.
نظر بيدريتو إليه مائلا برأسه. لم يكن الطفل معتادا أن يرى ذلك العملاق الرمادي على مستواه. تراجع خطوة بعدم ثقة واختبأ قليلا خلف إلينا.
كان ذلك الرفض خنجرا في صدر روبرتو. قال بألم إنه يخاف مني ابني يخاف مني.
أجابت إلينا برفق وهي تنزل بدورها إلى الأرض وتجلس متربعة بسهولة تحسد عليها هو لا يخاف منك أنت. إنه يخاف من المجهول. أنت غريب في عالمه يا سيدي.
لطالما كنت تمثالا ينظر إليه من الأعلى. التماثيل لا تلعب التماثيل لا تعانق. عليك أن تثبت له أنك من لحم ودم.
سأل روبرتو بيأس كيف لا أعرف اللعب لقد نسيت كيف يكون.
قالت إلينا لا تفكر اشعر. انظر إلى يديك.
نظر روبرتو إلى يديه على البلاط البارد.
أمرت إلينا المس الأرض. اشعر بما يشعر هو. إنه يعيش هنا في الأسفل. هذا مملكته. إن أردت الدخول عليك أن تطلب الإذن.
مد روبرتو يده نحو بيدريتو لكن الطفل لم يتحرك.
حذرت إلينا لا تجبره. اعرض عليه شيئا.
نظر روبرتو حوله يبحث عن لعبة باهظة شيء إلكتروني شيء مدهش لكنه لم ير سوى العلب المغلفة والحبل.
فهم حينها أنه لا يستطيع شراء انتباه ابنه عليه أن يكسبه. أخذ إحدى العلب المملوءة بالرمل وهزها. كان الصوت مكتوما إيقاعيا. ش رفع بيدريتو نظره. أثار الصوت اهتمامه. كرر روبرتو المحاولة وهو يشعر بالارتباك. هز العلبة وصنع ابتسامة ابتسامة بدأت متكلفة كتكشيرة ثم راحت تمتلئ تدريجيا برجاء صادق.
قال ملطفا صوته الجهوري محاولا تقليد نبرة إلينا الغنائية انظر يا بيدرو انظر ماذا لدى بابا.
خطا بيدريتو خطوة مترددة إلى الأمام وترك ساق إلينا.
همست إلينا هذا هو. لا تتوقف. اجعله يضحك. السخف هو أفضل صديق لك الآن يا سيدي. افقد كرامتك لتكسب ابنك.
أخذ روبرتو نفسا عميقا وأغمض عينيه لحظة مودعا رجل الأعمال الكبير روبرتو. فتح عينيه وفي فعل شجاعة قصوى وضع العلبة على رأسه محاولا موازنتها. صاح وهو يصنع وجها مضحكا وينفخ وجنتيه أوه أوه! ستقع ستقع!
سقطت العلبة وتدحرجت على الأرض. انفجر بيدريتو ضاحكا. كان ذلك أجمل صوت سمعه روبرتو في حياته. أجمل من أي سمفونية أحلى من أي مديح من شركائه. كان ابنه يضحك معه لا عليه.
مدفوعا بالنجاح زحف روبرتو على أربع. كانت بدلة الآلاف تجر على الأرض وتمسح الغبار لكنه لم يهتم. اقترب من بيدريتو مقلدا صوت محرك أو ربما دب لم يكن متأكدا لكنه كان يصدر ضجيجا. قال بررروم هنا يأتي بابا الدب!
أطلق بيدريتو صيحة فرح وبدلا من أن يهرب فعل شيئا لا يصدق اندفع نحوه. لم يمش بإتقان تعثر خطا خطوتين غير ثابتتين وسقط لكنه سقط على صدر روبرتو.
كان الاصطدام لطيفا لكنه بالنسبة لروبرتو كان كأنهم أعادوا روحه إلى جسده. شعر بوزن ابنه الدافئ برائحة الحليب والبودرة بأصابع صغيرة تقبض على قميصه المتجعد. ضم روبرتو ابنه لكن هذه المرة لم يكن عناقا متصلبا من حماية مذعورة بل كان عناق لعب ومخالطة وملامسة جلد لجلد.
دفن روبرتو وجهه في عنق الطفل واستنشق بعمق. شهق باكيا هل تسامحني وهذه المرة لم يستطع كبح نفسه. بكى علنا غير آبه بأن تراه الخادمة. بكى على الوقت الضائع وعلى الخوف الغبي وعلى الوحدة التي فرضها على نفسه. سامحني يا بني سامحني لأنني لم أؤمن بك.
لم يكن بيدريتو يفهم الكلمات لكنه كان يفهم الشعور. توقف عن الضحك ووضع يده الصغيرة اللزجة على خد أبيه المبلل. قال بهدوء بابا.
كانت إلينا تراقب المشهد من بضعة أمتار بابتسامة راضية وعيون لامعة. كانت تعلم أن عملها قد تم أو على الأقل الجزء الأصعب منه. لقد كسرت الجليد. لقد أذابت العملاق الجليدي.
سألت إلينا بصوت منخفض وهي تلامس اللحظة بحذر هل تشعر بها أليس كذلك
رفع روبرتو رأسه بعينين حمراوين وهو يعانق ابنه كأنه أثمن كنز في الكون. سأل بماذا
قالت إلينا وهي تشير إلى ساقي بيدريتو اللتين كانتا تركلان بخفة على بطن روبرتو ساقاه. المسهما لا تخف.
مرر روبرتو يديه الكبيرتين إلى ساقي الطفل. كان يتوقع أن يشعر بترهل الضمور بتلك الضعف الذي وصفه له الأطباء مرارا لكن ما شعر به تحت قماش البيجاما أذهله شعر بتوتر. شعر بعضلات صغيرة صلبة متجاوبة. شعر بالحياة.
لم تكن ساقان ميتتين بل ساقين كانتا تعملان سرا تقويان يوما بعد يوم بفضل المرأة التي حاول طردها.
همس روبرتو غير مصدق وهو يدلك الفخذين برفق إنهما قويتان قويتان يا إلينا. أشعر بالعضلة.
قالت إلينا وهي تنهض وتتجه نحو النافذة لتمنحهما بعض الخصوصية لكنها تتحدث من فوق كتفها طبعا هما قويتان. تلك العضلات صنعت من ضحكات وألعاب وألف سقوط وألف نهوض. أنت ترى النتيجة يا سيدي لكن ما تحمله بين ذراعيك هو ثمرة المثابرة.
نظر روبرتو إلى إلينا بامتنان لا يتسع له الكلام. في تلك اللحظة انقلبت الهرمية الاجتماعية تماما هي المعلمة وهو التلميذ هي الغنية بالحكمة وهو المتسول الذي تلقى صدقة من الأمل.
قال روبرتو شكرا وبدا له أن الكلمة لا تكفي. لا أعرف كيف لا أعرف كيف أكافئك على هذا. كنت سأطردك. عاملتك كأنك مجرمة وأنت منحت ابني الحياة التي حرمته أنا منها.
استدارت إلينا وضوء الشمس خلفها يصنع هالة شبه ملائكية لكنها بقيت إنسانة من لحم ودم بزي متجعد ويدين متعبتين.
قالت لا تدين لي بشيء يا سيدي أريد منك طلبا واحدا فقط.
قال روبرتو بسرعة متلهفا للتكفير أي شيء. هل تريدين زيادة الضعف ثلاثة أضعاف هل أدفع لك الدراسة بيتا اطلبي ما تشائين.
هزت إلينا رأسها مبتسمة بتلك الحكمة المتواضعة التي تسقط أي محاولة لتحويل الأمر إلى صفقة.
قالت لا أريد مالك يا سيد روبرتو. المال يشتري الأسرة لكنه لا يشتري النوم. يشتري الأدوية لكنه لا يشتري الصحة. أريد منك فقط ألا تنهض الآن. ابق هناك في الأسفل قليلا. العب معه حتى يتعب. تعرف إلى ابنك. هذا سيكون أجري.
أومأ روبرتو وهو يبتلع ريقه. عاد بنظره إلى بيدريتو الذي كان يحاول الآن أن يضع قبعة الطاهي على رأس أبيه.
خفض روبرتو رأسه مستسلما متقبلا القبعة السخيفة فوق شعره المصفف بعناية. قال وهو يبتسم بين الدموع حسنا يا قبطان أنت الآمر. هيا نلعب.
وفي ذلك البلاط تحت نظرة خادمة صنعت معجزة بالعلب والحب تعلم مليونير للمرة الأولى في حياته معنى أن يكون غنيا حقا.
بقي روبرتو على الأرض يلهث لا من التعب الجسدي بل من فيضان المشاعر الذي يهز جسده. كانت قبعة الطاهي مائلة على رأسهتفصيلا مضحكا منحه على نحو مفارق كرامة جديدة كرامة الأب الذي يقبل أن يكون مهرجا من أجل ابتسامة ابنه.
كان بيدريتو وقد أرهقه لقاء المشاعر مستندا إلى صدر روبرتو يعبث بشرود بأزرار قميصه المفتوح. كسرت إلينا الصمت المقدس الذي سكن المطبخ لا بأمر بل بدعوة رقيقة تكاد تكون همسا كأنها تشارك سرا قديما.
قالت وهي تقترب زاحفة لتبقى في مستواهما الآن يأتي الجزء الأصعب يا سيد روبرتو.
رفع روبرتو عينيه يمسح أثر دمعة بظهر يده. قال وهو يمرر يده على شعر ابنه الرقيق الجزء الأصعب ظننت أن الأصعب هو الإيمان. أنا أؤمن الآن يا إلينا. رأيته يمشي. رأيته يثبت.
قالت إلينا وهي تدحرج إحدى علب الرمل بين يديها الإيمان هو الخطوة الأولى. لكن الحفاظ على الإيمان عندما يتعب الطفل عندما يبكي لأنه لا يريد أن يعمل عندما تكون أنت نفسك مرهقا بعد يوم في المكتب هذا هو الأصعب الاستمرار يا سيدي. الحب ليس معجزة يوم واحد إنه انضباط يومي.
جلست إلينا قبالته متربعة ونظرت إليه بحدة متحدية. قالت بيدريتو لعب الآن. والآن عليه أن يعمل وأنت ستكون أداته اليوم.
قال روبرتو وهو يستقيم وقد اشتعلت في صدره شرارة عزم قولي لي ماذا أفعل.
كان يريد أن يكون نافعا. كان يريد أن يعوض كل ساعة غياب كل يوم فوض فيه رعاية ابنه لغرباء.
أعلنت إلينا سنقوم بالتسلق. وما إن سمع بيدريتو الاسم حتى رفع رأسه فجأة وعيناه تلمعان بالتعرف والحماس.
قال روبرتو مستغربا التسلق
شرحت إلينا وهي تشير إلى جسد روبرتو العريض القوي أنت الجبل يا سيدي. ستبقى ساكنا ثابتا كالصخرة وهو عليه أن يصعد عليك حتى يصل إلى كتفيك دون أن تساعده دون أن ترفعه.
عاد الذعر الغريزي إلى روبرتو إلينا إنه صغير جدا. إن انزلق كتفاي مرتفعان قد يسقط على ظهره.
قالت إلينا مؤكدة وهي تتمركز خلف الطفل ويداها مستعدتان كشبكة أمان بشرية سأكون خلفه لألتقطه إن سقط. لكن أنت لا تستطيع لمسه. أنت تقدم الدعم فقط.
عليه أن يجد القوة ليتسلق. ساقاه يجب أن تدفعا وذراعاه يجب أن تشدا. هذا أكمل تمرين اخترعناه.
ابتلع روبرتو ريقه. كانت اختبار ثقة وحشيا. عليه أن يتحول إلى شيء ساكن وأن يترك ابنهابنه الهشيصارع الجاذبية مستخدما جسده سلما.
تمتم روبرتو وهو يغلق عينيه لحظة ليثبت نفسه حسنا.
هتفت إلينا بمرح أنا مستعدة يا جبل!
أطلق بيدريتو صيحة حرب ووقف ممسكا بقميص روبرتو. غرز ركبتيه العظميتين في فخذي أبيه.
شعر روبرتو بألم حاد من ضغط العظام الصغيرة على جسده لكنه لم يشتك. بل بدا له ذلك الألم حقيقيا ملموسا صلة جسدية تؤكد أن ابنه هناك يقاتل حيا. زمجر الطفل من شدة الجهد. كانت يداه الصغيرتان تبحثان عن تمسك في طيات القميص وفي الحزام الجلدي وعلى صدر روبرتو.
شجعت إلينا من الخلف من دون أن تمسه فقط تراقب هيا يا بطل افتح القمة.
كان على روبرتو أن يعض شفتيه كي لا يتدخل. كل ذرة فيه كانت تصرخ احمله ارفعه سهل عليه الطريق. كان يرى وجه بيدريتو محمرا من الجهد. يرى العرق على جبينه الصغير. يسمع تنفسه اللاهث. ساعده! يهمس به غريزه الأبوي القديم. دعه يكون! تصرخ به تلك الروح الجديدة التي أيقظتها إلينا فيه.
انزلق بيدريتو. فقدت قدمه اليمنى التماسك على قماش بنطال روبرتو. أطلق الطفل أنين فزع وبقي معلقا بقميص أبيه يرفس في الهواء.
رفع روبرتو يديه تلقائيا ليمسكه.
صرخت إلينا كالسوط لا! أنزل يديك. يستطيع أن يستعيد توازنه. دعه يحل المشكلة.
أطاع روبرتو وهو يرتجف ويداه معلقتان في الهواء يتعذب من عدم الفعل. عبس بيدريتو حين لم يأت الإنقاذ السهل. زمجر بإحباط لكنه لم يبك. بحث بقدمه عن سند من جديد فوجد مشبك حزام روبرتو. وضع قدمه هناك. دفع بقوة مدهشة لطفل في حالته واستعاد وضعه.
همس روبرتو مذهولا هذا هو كان يشاهد العناد في أنقى صوره. ابنه لا يستسلم. ابنه محارب.
ببطء سنتيمترا بعد سنتيمتر واصل بيدريتو الصعود اجتاز البطن وصل إلى الصدر أمسك كتفي روبرتو بيديه اللزجتين وأخيرابدفعة جبارة أخيرةرفع نفسه حتى جلس على كتفي أبيه يلهث أشعث لكنه يبتسم ابتسامة أضاءت الغرفة كلها.
صرخ بيدريتو وهو يضرب رأس روبرتو بكفيه القمة!
صفقت إلينا وروبرتووهو يشعر بوزن ابنه على كتفيه كأنه تاج من ذهبأحس أن قلبه يكاد ينفجر فخرا. لم يكن فخر الدرجات أو الأدب بل الفخر البدائي برؤية صغيره ينجو وينتصر.
أمسك روبرتو بكاحلي بيدريتو ليؤمنه ثم نهض ببطء من الأرض. والآن وهو واقف وابنه في الأعلى شعر روبرتو بقوة حقيقيةلا بسبب المالبل لأنه صار قاعدة لابنه.
قال روبرتو بعينين لامعتين وهو ينظر إلى إلينا لقد فعلها صعد وحده.
أجابت إلينا بابتسامة حانية صعد لأنك بقيت ثابتا ووثقت. أحيانا يا سيدي أفضل ما يفعله الأب هو أن يكون جبلا ثابتا ويدع الابن يجد طريقه إلى القمة.
مشى روبرتو في المطبخ وبيدريتو على كتفيه. كان الطفل يضحك وهو يرى العالم من ارتفاع لم يعرفه من قبل. كان يلمس المصباح في السقف وينظر إلى أعلى الثلاجة. شعر روبرتو بساقي بيدريتو تضغطان على عنقهقويتين حيتين.
قال روبرتو وهو يتوقف أمام إلينا شكرا لأنك أدخلتني في هذا.
قالت أشكرك لأنك سمحت لي بالدخول إلى عالمه. ثم أضافت هذا كان دائما عالمك أيضا يا سيدي لكنك نسيت المفتاح.
وبعد عشرين دقيقة من اللعب المكثف استسلم بيدريتو أخيرا للنوم. كانت أدرينالين التسلق والرقصة التي تلتها مع أبيه قد استنفدت ما لديه من طاقة.
غفا بين ذراعي روبرتو ورأسه مستند إلى كتفه يتنفس بذلك الإيقاع العميق الهادئ الذي يميز الأطفال السعداء. مضى روبرتو نحو غرفة الجلوس وهو يحمل ابنه بخشوع يكاد يكون دينيا. وكانت إلينا تتبعه على بعد خطوات قليلة في مسافة احترام تحمل زجاجة الرضاعة المملوءة بالماء ومنشفة صغيرة.
كانت غرفة الجلوس في القصر مهيبة وباردة. أثاث بتصميم إيطالي وسجاد فارسي يبدو كأنه متاحف محرم السير عليها ومنحوتات معدنية
تجريدية. كل شيء يصرخ بالمال وبعبارة لا تلمس. نظر روبرتو إلى المكان بعينين جديدتين وفجأة بدا له كل شيء عدائيا. تمتم روبرتو وهو يتأمل الأثاث ذي الزوايا الحادة والأسطح الزجاجية
هذا البيت
قالت إلينا بصوت منخفض
هذا البيت فخ قاتل له. إنه بيت للبالغين الذين لا يتسخون. ليس بيتا لطفل يتعلم المشي والسقوط.
أومأ روبرتو وسار نحو الأريكة الجلدية البيضاء الناصعة وجلس بحذر كي لا يوقظ بيدريتو. ظل يحدق في وجه ابنه النائم في رموشه الطويلة وفي فمه نصف المفتوح.
اجتاحه حب عارم شرس إلى حد أنه آلمه جسديا. عندها اهتز هاتفه في جيب بنطاله فمز أزيزه الأجواء السحرية. وبصعوبة وبيد واحدة أخرج روبرتو الهاتف. أضاءت الشاشة لتظهر اسما مجلس الإدارة عاجل. كانت الساعة الحادية عشرة والنصف صباحا. كان يفترض أن يكون في مكالمة مرئية لإغلاق اندماج شركتين.
كانت ملايين الدولارات معلقة بتلك المكالمة. وكانت سكرتيرته قد أرسلت ثلاث رسائل تسأل أين هو. نظر روبرتو إلى الهاتف ثم إلى ابنه ثم إلى إلينا التي كانت واقفة قرب الباب تنتظر التعليمات وربما تنتظر أن ينكسر السحر ويعود السيد روبرتو كما كان ليطردها.
لكن السيد روبرتو كان قد مات على أرضية المطبخ. بحركة حاسمة مرر روبرتو إصبعه على الشاشة ورفض المكالمة. ثم فعل شيئا لا يصدق أطفأ الهاتف ووضعه على طاولة الوسط الزجاجية بضربة جافة. قالت إلينا من دون أن ترفع نظرها عن الطفل
نعم سيدي.
قال روبرتو
غدا سيأتي عمال. سأأمر بإزالة هذا السجاد. وسأأمر بوضع أرضية مطاطية في غرفة الألعاب. وتلك القطع وأشار بازدراء إلى الطاولات الزجاجية تلك القطع ستزال. أريد مساحة. أريد أن يتمكن من السقوط دون أن تتحطم رأسه.
اتسعت عينا إلينا دهشة
سيدي تلك القطع مستوردة
قاطعها روبرتو بهمس حاد
المصممة قالت إلى الجحيم مع المصممة! ثم تابع بنفس الهمس المتوهج المصممة لا تتعلم المشي. ابني هو من يتعلم. من الآن فصاعدا هذا البيت يتكيف معه لا هو مع البيت.
رفع روبرتو نظره إلى إلينا. كان وجهه جادا متحولا. لم يبق أثر لذلك الرجل المتغطرس الذي دخل يصرخ قبل ساعات. كان هناك رجل صاحب رسالة.
قال روبرتو وهو يستطرد
وهناك أمر آخر. أريدك أن تعلميني كل شيء.
قالت إلينا كل شيء
قال كل ما تعرفينه كل التمارين كيف تصنعين تلك العلب المملوءة بالرمل كيف تستخدمين الحبل أي موسيقى يحب كيف تجرين له تدليك الساقين كي لا تؤلماه بعد الجهد أريد أن أعرف كل شيء يا إلينا.
لا أريد أن أكون متفرجا. لا أريدك أن تكوني الوحيدة التي تعرف كيف تشفينه. أريد أن أكون أباه لا مموله.
شعرت إلينا بعقدة في حلقها. لقد عملت في بيوت كثيرة للأثرياء ورأت آباء يشترون العاطفة بالألعاب لكنها لم تر قط رجلا في ذلك المقام مستعدا أن يجثو ويتعلم من خادمته.
قالت وهي تختبر عزيمته
سيكلفك ذلك كثيرا يا سيدي. ستتعرق وسيتألم ظهرك وستضطر لإلغاء اجتماعات. هذا ليس هواية عطلة نهاية الأسبوع هذا كل يوم.
قال روبرتو وهو ينظر إلى الهاتف المطفي بازدراء
لدي ما يكفي من المال لأعيش ثلاث حيوات لكن ليس لدي إلا ابن واحد وكدت أفقده بسبب غبائي.
إن اضطررت لترك الشركة سأتركها. وإن اضطررت أن أصبح معالجا بدوام كامل سأفعل. لكنني لن أفوت خطوة واحدة أخرى من حياة بيدريتو ولا خطوة واحدة.
انحنى روبرتو وقبل جبين ابنه المتعرق ثم نظر إلى إلينا بنظرة هشاشة تجرد الإنسان من أقنعته
قولي لي الحقيقة يا إلينا حقيقة أخرى.
خلال هذه الأشهر حين كنت أعود متأخرا وحين كنت أسافر هل كان يسأل عني
ترددت إلينا. كانت الكذبة الرحيمة على طرف لسانها كان بإمكانها أن تقول نعم وأن الطفل كان يبكي عليه لتشعره بتحسن لكنها كانت تعلم أن الخلاص الحقيقي يبنى على الحقيقة العارية. قالت برفق
لا يا سيدي.
في البداية نعم في الأشهر الأولى كان ينظر إلى الباب ثم توقف عن النظر. اعتاد غيابك. وتعلم ألا ينتظر من لا يأتي.
سقطت العبارة على روبرتو كلوح من الإسمنت. تعلم ألا ينتظر. كانت الضربة الأخيرة لكبريائه أشد ألما من أي إهانة. لقد محاه ابنه من توقعاته كي يحمي نفسه من وجع الهجر.
أغمض روبرتو عينيه وهو يستوعب الضربة. تألم لكنه قبل الألم ككفارة لا بد منها. همس بصوت أجش
شكرا على الصدق هذا سيتغير اليوم. من اليوم سيتعلم أن ينتظرني لأنني سأكون هناك دائما. أقسم لك يا إلينا سأجعله يعود لينظر إلى الباب.
نهض بحذر وأعاد الطفل إلى كتفه. قال
هيا إلى غرفته.
ثم أضاف
وألقي ذلك الكرسي المتحرك في المرآب. لا أريد أن أراه في بيتي أبدا. إن تعب أحمله أنا. وإن سقط أرفعه أنا. لكن ذلك الكرسي سيخرج.
اتجه روبرتو إلى الدرج وصعد بخطى ثابتة حاملا أثمن ما لديه. شاهدته إلينا يصعد وللمرة الأولى لم تر فيه رب عمل بل رفيق معركة.
ابتسمت والتقطت المنشفة وزجاجة الرضاعة وهمست لنفسها
مرحبا بك في البيت يا أبي.
كان التحول قد بدأ. رجل الأعمال مات ومن رماده كان يولد الأب الذي يستحقه بيدريتو. القصر الذي كان باردا وصامتا بدأ يشعر للمرة الأولى بأنه بيت.
لكن الاختبار الأخير لم يكن قد جاء بعد. الاستمرارية التي تحدثت عنها إلينا ستختبر قريبا جدا. الذروة العاطفية وحكم العلم. مرت ثلاثة أشهر تسعون يوما من العرق والدموع والضحك وتحول جذري جعل القصر البارد بيتا صاخبا نابضا بالحياة.
غير أن فقاعة السعادة التي صنعها روبرتو وإلينا وبيدريتو كانت على وشك مواجهة أقسى اختبار الواقع السريري. كان المشهد عيادة الدكتور فالاداريس إحدى القامات في طب أعصاب الأطفال. الرجل نفسه الذي كان قبل عام قد حكم على بيدريتو بحياة من العجز. وكان المكان تفوح منه رائحة الكحول واليأس.
كانت الجدران مغطاة بشهادات مؤطرة بالذهب وبمخططات لأدمغة تشبه خرائط لمدن مستحيلة الفتح. كان روبرتو جالسا على كرسي جلدي صلب وبيدريتو في حجره. لم يعد يرتدي البدلة الرمادية الخاصة برجال الأعمال كان يرتدي بنطال جينز مريحا وقميص بولو ملابس أب مستعد أن يرتمي على الأرض في أي لحظة.
كانت إلينا إلى جانبه ترتدي ثيابا مدنية بسيطة ولكن أنيقة دون الزي الذي كان يحدد مكانتها. كانت يداها متشابكتين وعقد أصابعها بيضاء من التوتر. دخل الدكتور فالاداريس وهو يراجع جهازا لوحيا من غير أن يرفع بصره. قال بنبرته الرتيبة المهنية
سيد روبرتو أرى في الملف أنك ألغيت آخر اثنتي عشرة جلسة علاج طبيعي أوصى بها فريقي وأرى كذلك أنك رفضت أمر الكرسي المتحرك الكهربائي الجديد.
خلع الطبيب نظارته ونظر إلى روبرتو بمزيج من الشفقة والتوبيخ القاسي
أتفهم الحزن يا روبرتو. أفهم أن تقبل حالة بيدرو صعب لكن الإنكار خطير. إن لم نستخدم الدعامات المناسبة فستتشوه عمود الطفل الفقري. إنه يحتاج إلى الكرسي. ويحتاج أن تتقبل أن ابنك مريض عالي التعقيد لا طفل طبيعي.
شعر روبرتو بيد إلينا تضغط على ذراعه برفق إشارة للهدوء. روبرتو القديم كان سيصرخ ويطالب بالاحترام لأنه هو من يدفع الفواتير. أما روبرتو الجديد فتنفس بعمق بهدوء من يخبئ ورقة رابحة. قال بصوت ثابت دوى في الصمت العقيم
لم آت لأطلب كرسيا جديدا يا دكتور.
أتيت لأريك شيئا. أتيت لتحدث ذلك الملف الذي في يدك لأنه صار قديما.
تنهد فالاداريس بوضوح وقد نفد صبره
روبرتو رجاء. العلم لا يتغير بالرغبات. إصابة بيدرو العصبية واضحة. التشنج يمنع المشي المستقل. لا تضيع وقتي ولا تضيع وقتك بآمال زائفة.
قال روبرتو مقاطعا وهو ينهض
فقط انظر. أطلب منك دقيقتين لا أكثر. إن ظللت بعد دقيقتين تظن أن ابني يحتاج ذلك الكرسي سأشتريه. سأشتري عشرة. لكن انظر إليه.
أنزل روبرتو بيدريتو إلى الأرض. كانت أرضية العيادة من لينوليوم لامع زلق عدائي. لا يشبه الخشب الدافئ ولا سجاد المطاط في البيت. نظر بيدريتو حوله خائفا من الأضواء البيضاء ومن الرجل ذي المعطف الذي ينظر إليه بعينين باردتين. تشبث الطفل بساق أبيه وأخفى وجهه. انقبض قلب روبرتو. الخوف ذلك الخوف اللعين من الوقوف أمام الناس. إن لم يمش بيدريتو الآن فسيكون فالاداريس على حق وستتبخر الانتصارات الأخلاقية.
قال فالاداريس بثقة وهو يعقد ذراعيه
أرأيت الطفل يبحث عن سند لأنه بلا توازن. عضلاته لا تستجيب. هذا رد فعل للبقاء. رجاء أجلسه قبل أن يؤذي نفسه.
شعر روبرتو بعرق بارد على ظهره. نظر إلى إلينا يستغيث. لكنها لم تكن تنظر إلى الطبيب كانت تنظر إلى الطفل.
انحنت متجاهلة الطبيب ومتجاهلة البروتوكول ونزلت إلى مستوى بيدريتو. همست
يا بطل أتتذكر لعبة المستكشف
نظر إليها بيدريتو بعينين دامعتين. قالت إلينا وهي تشير إلى الطبيب بغمزة متواطئة
هذا المكان كهف من الجليد ونحن يجب أن نعبر الكهف لنصل إلى الكنز.
نهضت إلينا وسارت إلى الطرف الآخر من العيادة مرورا بجانب مكتب الطبيب. توقفت على بعد ثلاثة أمتار ثم ركعت وفتحت ذراعيها
الكنز هنا يا بيدريتو. تعال إلى خالتك إلينا. تعال إلى البيت.
غرق المكان في صمت جنائزي. كان الدكتور فالاداريس ينظر بعين مرفوعة الحاجب ينتظر الفشل المحتوم ويجهز في ذهنه خطاب التوبيخ عن عدم مسؤولية الأبوة. أما روبرتو فتراجع خطوة عن ابنه وبقي ثابتا يحبس أنفاسه شاعرا أن هذه الأمتار الثلاثة هي أوسع هاوية في العالم. همس بصوت مكسور
تستطيع يا بني
ترك بيدريتو ساق أبيه. وقف وحده في منتصف الأرضية البيضاء. ارتجفت ساقاه الصغيرتان. كان الجو غريبا لا موسيقى لا ألعاب فقط نظرة رجل علم متشكك ونظرة امرأة إيمان محبة. نظر الطفل إلى الطبيب ثم إلى إلينا وقطب حاجبيه. وبذلك الإصرار الذي ورثه عن أبيه وتعلمه من مربيته
قبض على يديه وخطا الخطوة الأولى. ضرب الحذاء الطبي الأرض بصوت جاف طق.
فك فالاداريس ذراعيه ببطء واتسعت عيناه خلف زجاج نظارته. تمايل بيدريتو نحو اليسار. كاد روبرتو يندفع ليمسكه لكنه توقف. تذكر الدرس ثقة.
صحح الطفل وضعه مستخدما عضلات جذعه تلك التي قووها بلوح التزلج. خطا الخطوة الثانية طق.
ثم الثالثة أكثر ثباتا وأسرع. همس فالاداريس وهو يميل للأمام ناسيا غروره
مستحيل
كانت عيناه تفحصان ساقي الطفل بحثا عن خدعة أو سند خفي. لكن لم يكن هناك شيء سوى جسد يتحدى التوقعات.
أطلق بيدريتو ضحكة عصبية وهو يشعر بأنه يكتسب سرعة. لم تكن الخطوات الثلاث الأخيرة مشيا فحسب بل كانت شبه ركضة متعثرة دفعة أخيرة نحو الأمان. ارتمى في ذراعي إلينا المفتوحتين فتلقته بحضن امتص الصدمة والخوف. صاحت
وصلت!
ورفعته في الهواء وهي تدور به
لقد عبرت كهف الجليد!
أطلق روبرتو الهواء المحبوس في صدره وشعر بالدموع تحرق عينيه. نظر إلى الدكتور فالاداريس. كان طبيب الأعصاب الشهير شاحبا فاغر الفم يمسك الجهاز اللوحي كما لو كان شيئا عديم الفائدة من زمن مضى.
قال روبرتو بنعومة كانت أشد حدة من أي صراخ
فسر لي ذلك يا دكتور. فسره بعلمك كيف يعبر ابني المشلول عيادتك للتو
تلعثم فالاداريس باحثا عن مصطلحات لا تأتي
هذا هذا شذوذ. اللدونة العصبية في هذه المرحلة غير متوقعة لكن تجدد الأعصاب بهذا المستوى ومن دون تدخل جراحي هذا غير مسبوق.
ثم اندفع يسأل
ماذا فعلتم أي علاج استخدمتم إلى أي مركز أخذتموه أحتاج أسماء المختصين.
سار روبرتو حتى وقف أمام المكتب وأسند كفيه على خشب الماهوغني ونظر إلى الطبيب في عينيه. ثم أشار إلى إلينا التي كانت في الزاوية تقبل وجنتي بيدريتو. قال روبرتو
المختصة هناك.
لا شهادة دكتوراه عندها ولا عيادة. عندها حب وصبر لم تملكوهما أنتم يوما. أنتم عالجتم تشخيصا وهي عالجت طفلا.
قال الطبيب محاولا الدفاع عن كبريائه المهني وهو مضطرب
لكن يا سيد روبرتو يجب توثيق هذا. إنها حالة دراسية. يجب أن نجري تصويرا بالرنين أن نفهم كيف
قاطعه روبرتو وهو ينتزع الجهاز اللوحي من يدي الطبيب ويضعه على المكتب
ابني ليس حالة للدراسة إنه طفل. ونحن انتهينا من المستشفيات. وانتهينا من ملصقات لا يستطيع.
استدار روبرتو نحو إلينا ومد يده. اقتربت وهي تحمل بيدريتو. الأسرةلأنهم كانوا كذلك حتى بلا أوراقوقفت متحدة أمام سلطة الطب المهزومة.
قال روبرتو
هيا بنا. هنا رائحة خوف وبيدريتو لم يعد يحب الخوف.
خرجوا من العيادة رافعي الرؤوس تاركين خلفهم رجل العلم يراجع ملاحظاته بجنون محاولا أن يجد معادلة منطقية تفسر معجزة الحب الإنساني. وعندما أغلق الباب شعر روبرتو أنه يغلق أظلم فصل في حياته.
لم يبق الكرسي المتحرك في المرآب فحسب بل بقي في الماضي. كان ذلك اعترافا وتخليا عن السلطة. غمرت شمس العصر حديقة المدينة بضوء ذهبي دافئ. لم تكن حديقة القصر الخاصة المسورة. كانت حديقة عامة بعشب حقيقي وكلاب تركض وأطفال يصرخون.
أصر روبرتو على المجيء إلى هنا. أراد أن يرى بيدريتو العالم الحقيقي لا من نافذة ولا من وراء سياج ذهبي. كانوا جالسين على بطانية للنزهة. كان روبرتو يراقب بيدريتو على بعد أمتار يزحف ويحاول الوقوف مستندا إلى جذع شجرة مأخوذا بخشونة لحائها. كانت إلينا تجلس بجوار روبرتو تضم ركبتيها إلى صدرها.
كان الصمت بينهما مريحا عميقا مثقلا بكل ما عاشاه في الشهور الماضية. لكن كان هناك توتر خفي شيء يحتاج روبرتو لحسمه كي يكتمل الخلاص. نظر إلى إلينا من طرف عينه. أضاءت الشمس ملامحها وأبرزت جمالا هادئا كان قد تجاهله بغباء في الأسابيع الأولى.
لكن أبعد من الجمال رأى المرأة التي أنقذت حياته لأنها حين أنقذت بيدريتو أنقذته هو من أن يتحول إلى وحش من مرارة ووحدة. قال روبرتو كاسرا الصمت
إلينا
قالت تفضل يا سيدي.
تألم روبرتو وهو يسمع كلمة سيدي فقال وهو يلتفت إليها بوجهه
أرجوك لا تناديني هكذا. ليس بعد اليوم.
بعد ما حدث اليوم في العيادة وبعد كل هذا لا يمكنني أن أكون رب عملك. أشعر أنني منافق كلما دفعت لك راتبا مقابل حبك لابني. الحب لا يشترى يا إلينا وما أعطيته لا ثمن له.
ابتسمت إلينا بخجل وخفضت نظرها إلى العشب
إنه عملي يا روبرتو ثم إن حبه سهل.
قال روبرتو بإصرار وقد اتخذ قرارا كان ينضج في قلبه
لا ليس مجرد عمل. اليوم أدركت شيئا عندما سأل الطبيب عن المختصين. أدركت أنك الأم الوحيدة التي يعرفها.
رفعت إلينا رأسها فجأة مصدومة من شدة العبارة
لا تقل ذلك زوجتك
قال روبرتو برفق لا بألم ممزق كما من قبل بل بتقبل هادئ
زوجتي ماتت يا إلينا. هي منحته الحياة لكنك أنت علمته كيف يعيشها. أنت ولدته للمرة الثانية وأخرجته من الشلل. هذا معنى الأمومة.
أدخل روبرتو يده في جيب سترته. لم يخرج خاتما ولا شيكا. أخرج ظرفا مطويا. قال وهو يمده إليها
لقد اتخذت قرارا. لا أريدك أن تكوني موظفتي بعد اليوم.
شحب وجه إلينا ومر الخوف في عينيها الداكنتين
هل هل تطردني قالت بصوت واهن وهي تنظر إلى بيدريتو بعيدا. الآن وقد صار بخير لم يعد يحتاجني.
قال روبرتو بسرعة مذعورا من ذلك الخوف
هل هذا ما فهمته لا بالله عليك لا. على العكس تماما أنا أحررك.
أمسكت إلينا الظرف بيدين مرتجفتين وفتحته. في داخله وثيقة قانونية. جرت عيناها على السطور سريعا ولم تفهم المصطلحات أول الأمر حتى وصلت إلى البند الأخير.
قالت متمتمة
هذا
قال روبرتو
إنه صندوق ائتمان. يضمن مستقبل بيدريتو ومستقبلك أنت أيضا. يمنحك دخلا مدى الحياة. لن تحتاجي للعمل عندي ولا عند أحد بعد اليوم. أنت حرة يا إلينا. لديك مال للدراسة للسفر للعودة إلى قريتك إن أردت لتعيشي حياتك.
كانت تلك هي المحاولة النهائية كان روبرتو يستخدم المال للمرة الأخيرة لا للسيطرة بل لمنح الحرية. أراد أن يعرف هل هي معه للحاجة أم للحب إن رحلت سيتحطم قلبه لكنه سيعرف أنه فعل الصواب بمكافأتها.
نظرت إلينا إلى الورقة ثم إلى روبرتو ثم استقرت عيناها على بيدريتو الذي كان يضحك محاولا الإمساك بفراشة. وببطء وبهدوء مقصود طوت إلينا الورقة ثم مزقتها إلى نصفين.
تجمد روبرتو في مكانه.
إلينا هذا ملايين!
قالت وهي تبتسم ابتسامة حزينة مملوءة حنانا وتضع قصاصات الورق فوق البطانية
ألم تفهم شيئا بعد أنت ما زلت تظن أنني أريد شيئا مما في حسابك البنكي.
قال أنا فقط أريدك حرة.
قالت إلينا وهي تشير إلى الطفل
حريتي هناك. حريتي أن أراه يركض. إن رحلت فمن سيغني له عندما تأتيه الكوابيس من سيعلمه الرقص حين تكبر أنت وتتعب أنت أب رائع الآن يا روبرتو لكنه يحتاج واهتز صوتها إنه يحتاجنا نحن الاثنين.
استدارت إليه وللمرة الأولى ظهر في عينيها شيء يتجاوز الولاء كان هناك اتصال أرواح.
قالت
أنا لم أبق من أجل الراتب يا روبرتو. في اليوم الذي ذهبت فيه إلى تلك الرحلة المزعومة كانت حقيبتي جاهزة. كنت سأتقدم باستقالتي في ذلك الأسبوع نفسه. لم أعد أحتمل رؤيتك تتجاهله كان ذلك يوجعني كثيرا.
شعر روبرتو بضربة في معدته
كنت ستغادرين
قالت نعم لكن عندما رأيته في تلك الصباح عندما رأيت أنه قادر على الوقوف عرفت أنني لا أستطيع تركه. بقيت من أجله والآن أبقى لأن هذه عائلتي وإن لم تحمل اسمي.
شعر روبرتو كأن سدا انكسر في داخله. الفوارق الاجتماعية اختلاف الطبقات الأحكام كلها انهارت نهائيا. مد يده وأمسك يد إلينا. كانت يده ناعمة ويدها خشنة من العمل لكنهما انطبقتا كأنهما صنعتا لتلتقيا.
قال روبرتو بصوت أجش
إذا لا تذهبي. ليس كموظفة ولا كمربية. ابقي كشريكة. ابقي لتعلميني أنا أيضا لأنني أظن أنني ما زلت أتعلم المشي.
شدت إلينا على يده. لم يكن هناك قبلة سينمائية ولا موسيقى كمان كان هناك شيء أكثر واقعية عهد ولاء كامل مختوم تحت ضوء الغروب.
قالت إلينا هامسة
سأبقى لكن بشرط.
قال روبرتو مستعدا لمنحها العالم ما هو
قالت
أن تخلع حذاءك الغالي الآن وتذهب لتجري مع ابنك على العشب.
ضحك روبرتو ضحكة حرة شابة
تم الاتفاق.
خلع حذاءه الفاخر ثم خلع الجوارب وشعر ببرودة العشب تحت قدميه الحافيتين.
نهض وركض نحو بيدريتو وهو يصيح
أنا قادم إليك أيها المشاغب!
استدار بيدريتو صارخا بفرح وللمرة الأولى حاول أن يركض نحو أبيه لا مبتعدا عنه. خطا ثلاث خطوات سريعة ثم ارتمى على العشب يتدحرج ضاحكا. ارتمى روبرتو بجانبه واتسخت قميصه وامتلأ بالعشب واحتضن ابنه تحت السماء الواسعة.
ومن فوق البطانية
كانت إلينا تنظر إليهما ودموع السعادة تنساب على خديها. كانت تعلم أن عملها قد اكتمل. لقد شفت ساقي الطفل لكن الأهم أنها شفت قلب الأب وفي الطريق وجدت بيتها هي أيضا. اختفت الخادمة وولدت سيدة بيت جديدة. والمليونير وهو يتقلب على العشب اكتشف أخيرا أن أعظم ثروته ليست في خزنة حديدية بل في الضحك بين ذراعيه.
حل الليل على القصر لكن الظلامللمرة الأولى منذ سنواتلم يجلب الصمت الجنائزي الذي كان يسكن الممرات. كان البيت حيا. تسمع آثار يوم صاخب ماء يجري في حوض الاستحمام همهمة إلينا الرقيقة في غرفة الطفل وصوت روبرتو وهو يحرك الأثاث في غرفة الجلوس.
كان روبرتو يتصبب عرقا وقد خلع قميصه وبقوة ولدتها عزيمة خالصة كان يجر طاولة الوسط الزجاجية المستوردةقطعة تصميم ثمنها يفوق ثمن سيارة صغيرةنحو المرآب. لم يكترث إن خدش الزجاج إطار الباب ولم يكترث إن صرت الأرجل المعدنية.
كانت تلك الطاولة تمثل الخطر والبرودة وتقديم المظهر على الحياة. وعندما دفعها أخيرا إلى ركن مظلم من المرآب بجوار سيارات فاخرة نادرا ما كان يستخدمها توقف أمام شيء آخر كان هناك منفيا سلفا الكرسي المتحرك الفضي. نظر إليه بمزيج من الكراهية والاحترام.
كان سجن ابنه لكنه كان أيضا الوسيلة التي أبقته آمنا حتى جاءت إلينا. مرر روبرتو يده على المقعد الجلدي البارد وهمس للشيء الجامد
لم نعد نحتاجك. شكرا على لا شيء.
ثم أغلق باب المرآب بضربة جافة تاركا وراءه ماضي المعدن والزجاج.
وعندما عاد إلى المطبخ وجد إلينا. كانت قد أنهت تنويم بيدريتو. كان شعرها منسدلا وفي يديها كوب شاي. أضاء نور المطبخ الخافت ملامحها وشعر روبرتو بخفقة في قلبه حين أدرك أن تلك المرأةالخادمة البسيطةصارت محور وجوده.
قالت إلينا وهي تستند إلى الرخام وتنظر إليه بنظرة دافئة
نام وهو يبتسم. قال إن أباه يجري بسرعة.
ابتسم روبرتو ابتسامة متعبة لكنها صادقة وهو يملأ كأسا من ماء الصنبورشيئا لم يكن ليفعله من قبل فقد كان يفضل دائما الماء المعبأ. ثم قال وهو يستدير إليها
إلينا اليوم مزقت عقدا ورفضت ملايين لكنني أحتاج أن أعرف شيئا. أحتاج أن أعرف هل أنت مستعدة لما هو قادم.
قالت وما القادم يا روبرتو
أجاب بجدية الحرب. غدا سأطرد الفريق الطبي كله. سأقاتل شركة التأمين. سأعيد ترتيب حياتي العملية وستكون هناك أيام سيئة. أيام يسقط فيها بيدريتو ويؤذي نفسه وسأخاف وسأرغب أن أعيده إلى فقاعة. أحتاج أن أعرف هل ستكونين هناك لتمنعيني من ذلك.
وضعت إلينا الكوب على الطاولة واقتربت. لم تلمسه لكن حضورها ملأ المسافة بينهما. قالت
أنا لست ممن يهربون حين تبدأ العاصفة يا روبرتو. أنا التي ترقص تحت المطر. إن ضعفت أنا أسندك. وإن تعبت أنت تدفعني. هذا هو العهد.
قال روبرتو هذا هو العهد. لم تكن هناك حاجة لخواتم ولا لطلبات رسمية. في ذلك المطبخ بين رائحة النظافة وشاي البابونج تأسس تحالف أقوى من أي زواج مصلحة. أدرك روبرتو أن الحب ليس امتلاكا بل فريق.
بعد ثلاث سنوات كان مسرح مدرسة سان ميغيل مكتظا بآباء متوترين وكاميرات تصوير وهمهمات قلقة. كان ذلك مهرجان نهاية العام لمرحلة ما قبل المدرسة. جلس روبرتو في الصف الثاني مرتديا قميصا بسيطا بلا ربطة عنق. كانت إلينا إلى جانبه تضغط يده بقوة. كانت ترتدي فستانا مزهرا وتبدو متألقة لا بوصفها عاملة منزل بل شريكة حياته والأم المتبناة الرسمية لبيدرو.
همس روبرتو وهو يشعر بشبح الخوف القديم يلامس مؤخرته
أتظنين أنه سيفعلها
قالت إلينا بلطف
اهدأ انظر إلى المسرح.
انفتح الستار. امتلأ المسرح بنحو عشرين طفلا في الرابعة من العمر متنكرين بأزياء حيوانات الغابة أرانب ودببة وسناجب وهناك في الطرف الأيمن كان بيدريتو مرتديا زي أسد.
لم يكن أكثر الأطفال رشاقة كان ذلك واضحا. بينما كان الآخرون يقفزون ويركضون بطاقة فوضوية كان بيدريتو يتحرك بإيقاع مختلف. كانت مشيته تحمل عرجا خفيفا وتأرجحا مميزا في ساقه اليمنى علامة حرب من معركته مع الشلل. حبس روبرتو أنفاسه.
كانت الرقصة تقتضي أن يصعد الحيوانات إلى منصة خشبية صغيرة في النهاية الكبرى. صعد الأطفال واحدا تلو الآخر بقفزة. جاء دور بيدريتو. وقف أمام الدرجة. لطفل عادي كانت عشرة سنتيمترات أمرا تافها. لبيدريتو كانت إيفرست.
ساد صمت محرج بين الجمهور. همس بعض الآباء. همست سيدة خلف روبرتو مسكين كان ينبغي أن يساعدوه. شعر روبرتو بدفعة كهربائية تدفعه للنهوض للركض نحو المسرح لرفعه بيديه.
توترت عضلاته. نظر إلى إلينا. لم تكن تنظر إليه كانت تنظر إلى الأسد. كانت شفتاها تتحركان بصمت تردد التعويذة التي كرروها ألف مرة في غرفة الجلوس
قدمان ثابتتان عقل قوي.
على المسرح لم ينظر بيدريتو إلى المعلمة طلبا للمساعدة. لم يبك. وضع يده على المنصة وأسند ساقه القوية وبزئير التقطه الميكروفون وضخمه دفع نفسه إلى الأعلى. انزلقت قدمه مرة واحدة. كتم الجمهور صرخة. أغمض روبرتو عينيه لثانية وهو يدعو إلها بدأ يؤمن به من جديد.
وعندما فتح عينيه كان بيدريتو فوق المنصة واقفا ولبدة الأسد ملتوية وابتسامته تلمع أكثر من الأضواء. رفع يديه وزأر.
كان زئيرا طفوليا حادا نشازا لكنه محمل بانتصار نقي جعل الجدران ترتج. را! لم يكن التصفيق مجاملة كان انفجارا. نهض روبرتو قفزا والدموع تنهمر على وجهه يصفق حتى آلمته يداه. كانت إلينا تبكي وتضحك في آن واحد تعانقه حول خصره.
في ذلك اليوم لم ير روبرتو طفلا ذا إعاقة يبذل جهدا بل رأى عملاقا وعرف يقينا أن الكرسي المتحرك لم يعد سوى ذكرى سيئة.
بعد سبع سنوات خاتمة. كانت شمس العصر تهبط على ملعب كرة القدم في النادي الرياضي المحلي. كانت المباراة متعادلة بهدف لهدف وبقيت دقيقتان. كان روبرتو وقد غزا الشيب صدغيه وظهرت حول عينيه تجاعيد الضحك يسير على خط الملعب بوصفه مدربا مساعدا متطوعا.
صاح وهو يجعل يديه بوقا
بيدرو! أغلق المساحة!
كان بيدرو قد بلغ الحادية عشرة. كان طفلا نحيلا قوي البنية جلده مسمر من ساعات اللعب في الهواء الطلق. كان عرجه ما يزال موجودا خفيفا لكنه ظاهر حين يجري بأقصى سرعة. لم يكن المهاجم الأبرز ولم يكن الأسرع لكن كان لديه شيء لا يملكه أي طفل آخر في الملعب لم يكن يخاف الأرض. بينما يتردد الآخرون قبل الانزلاق خوفا من الخدش كان بيدرو يندفع.
بالنسبة له كانت الأرض صديقه القديم. الأرض هي المكان الذي تعلم فيه الحياة. انفلت مهاجم الفريق الخصم على الجناح متجها إلى المرمى. كان طفلا كبيرا سريعا. كان بيدرو آخر مدافع. صاح أحدهم من المدرجات
إنه منفرد!
ركض بيدرو. كانت ساقاهالساقان اللتان ميتهما فالاداريس قبل سنواتتضخان القوة. لم يستطع اللحاق به سرعة فاستعمل الذكاء حسب الزاوية وفي اللحظة الحاسمة انزلق انزلاقا مثاليا نظيفا وأخرج الكرة خارج الملعب قبل التسديد مباشرة.
أطلق الحكم صافرة النهاية. بقي بيدرو ممددا على العشب يتنفس بعنف ينظر إلى السماء الزرقاء. ركض روبرتو نحوه ومد له يده
انزلاق ممتاز يا بني. قالها بفخر.
أمسك بيدرو بيد أبيه وبدلا من أن يرفع رفعا استعمل ذراع روبرتو كرافعة ليندفع واقفا بنفسهعادة لم يفقدها قط.
قال شكرا يا أبي. كاد يفلت مني.
سارا معا نحو إلينا التي كانت تنتظرهما بزجاجات ماء وقطع برتقال. نظرت إليهما رجلاها معجزتاها. وبينما كان بيدرو يشرب بنهم اقتربت منهما شخصية. كان رجلا شابا يرتدي بدلة فاخرة بدت شاذة في ملعب متسخ. كان يمسك بيد طفل صغير في الثالثة تقريبا يرتدي أجهزة تقويم على ساقيه ويمشي بصعوبة شديدة. كان الرجل ينظر إلى بيدرو بدهشة.
قال للرجل وهو يوجه الحديث إلى روبرتو
عفوا لقد كنت أراقب ابنك يلعب. إنه إنه مذهل كيف يتحرك.
ابتسم روبرتو فقد تعرف في عيني الرجل على نفس الألم ونفس الحيرة التي عاشها قبل عقد. ورأى في البدلة الفاخرة درعا ضد العجز.
قال اسمه بيدرو وهو أفضل مدافع في الدوري. ابني.
خفض الرجل صوته وهو ينظر إلى طفله بحزن
الأطباء يقولون إنه لن يستطيع الركض هكذا أبدا. لديه خلل تنسجي شديد. يقولون إن علي أن أكون واقعيا
ربت على رأس ابنه بذلك الخوف المشلول الذي عرفه روبرتو جيدا.
تبادل روبرتو نظرة مع إلينا. أومأت إيماءة تكاد لا ترى. حان وقت تسليم الشعلة. ركع روبرتو أمام الرجل وطفله واتسخت ركبتاه بالجينز على العشب ونزل إلى مستواهما.
قال بصوت قوي لكنه ودود
انظر إلي يا صديقي الأطباء يعرفون الطب لكنهم لا يعرفون المستقبل.
قبل عشر سنوات قالوا لي إن ابني لن يمشي. قالوا لي أن أشتري كرسيا وأن أستسلم.
وأشار إلى بيدرو الذي كان يضحك الآن مع رفاقه ويدفعهم مازحا
الواقع ليس ما يقوله التشخيص. الواقع هو ما أنت مستعد أن تبنيه معه.
لا تشتر له أغلى كرسي. اشتر له وقتك. ارم نفسك على الأرض معه. وسخ بدلتك. العب.
سأل الرجل بصوت فيه خيط أمل وهل ينجح ذلك
نهض روبرتو وضم إلينا من خصرها يجذبها إليه. قال وهو ينظر إلى عائلته
لا ينجح فحسب بل هو الطريقة الوحيدة للنجاة.
صدقني كنت أفقر رجل في العالم حين لم أملك إلا المال. الآن الآن أنا مليونير.
نظر الرجل إلى روبرتو ثم إلى إلينا ثم إلى طفله. وللمرة الأولى أفلت قبضته الصلبة عن يد الطفل وفك الزر الأعلى من قميصه. قال
شكرا.
رأى روبرتو وإلينا الرجل يبتعد وهو يمشي أبطأ قليلا يكيف خطواته مع خطوات ابنه ويبدأ رحلته الخاصة. ثم توجها نحو موقف السيارات والشمس تغرب تصبغ السماء بالبرتقالي والبنفسجي. كان بيدرو يمشي أمامهما يركل حجرا يعرج قليلا لكنه يمضي دائما.
قال روبرتو كاسرا الصمت المريح
أتدرين في ماذا كنت أفكر
قالت إلينا في ماذا يا حبيبي
قال الجارة غيرتروديس كانت محقة في شيء.
رفعت إلينا حاجبها بمزاح في ماذا تلك العجوز الساحرة لم تكن محقة في شيء قط!
ضحك روبرتو قالت إن ذلك البيت كان ساحة مهرجان وكانت محقة. بيتنا ساحة مهرجان ضجيج صراخ فوضى وهو مثالي.
ضحكت إلينا وأسندت رأسها إلى كتفه
الصمت مبالغ في تقديره يا روبرتو.
وصلا إلى السيارة. فتح روبرتو الباب الخلفي لبيدرو لكن الطفل كان قد صعد وحده وأخذ يبحث عن الموسيقى في المذياع. نظر روبرتو إلى إلينا قبل أن يصعد إلى مقعد السائق. نظر إليها بنظرة من يعثر على كنز في المكان الأقل توقعا.
قال ببساطة ووضوح
أحبك.
قالت وهي تمازحه وتغمز بعينها
وأنا أحبك يا سيدي أيها المليونير السابق.
ثم أضافت والآن قد فالبطل جائع.
انطلقت السيارة وابتعدت على الطريق تحمل عائلة تحدت العلم والمال والقدر وأثبتت أن بلوغ السماء أحيانا لا يحتاج إلا أن نفقد الخوف من لمس الأرض. النهاية.
