زعيم المافيا كان يتجاهل

*زعيم المافيا كان بيتجاهل كل ستات المطعم.. لحد ما شاف الجرسونة وهي بتكلم أمه “بلغة الإشارة”!**
“أنتي اسمك إيه؟”
كلمة واحدة خرجت من بق **”باسم السيوفي”** خلت المطعم كله يقع فيه دبابة.. باسم، الراجل اللي بيحكم نص صفقات السوق، واللي الكل بيترعش من مجرد ذكر اسمه، كان باصص لي بنظرة عميقة وكأني أهم شخص في المكان، بعد ما كنت بالنسبة له مجرد “جرسونة” مالهاش وجود.
اسمي **”نور”**، بقالي سنتين بشتغل في مطعم “أرورا” الفخم.. بقضي شيفتات 12 ساعة عشان أكمل مصاريف دراستي. أنا بدرس عشان أبقى مترجمة لغة إشارة، والحاجة دي هي اللي خلتني النهاردة أدخل وسط “عش الدبابير” من غير ما أحس.
المطعم كان زحمة، بس الترابيزة اللي في الركن البعيد كان ليها هيبة تانية.. كان قاعد عليها باسم وبصحبته ست وقورة جداً، ملامحها هادية بس عينيها فيها حزن وتوهان.. الست **”كريمان”**، والدة باسم. كانت بتبص على شفايف الناس بتركيز يوجع القلب.. عرفت فوراً إنها مش سامعة حاجة من اللي بيدور حواليها.
لما رحت أقدم ليهم المشروبات، لقيت الكل بيتكلم “عنها” مش “معاها”.. باسم كان بيحاول يشرح لها ببطء بس هي كانت لسه تايهة. من غير ما أفكر، إيدي اتحركت وعملت لها إشارة بسيطة: “تحبي أجيب لحضرتك مية بليمون؟”
الست اتصدمت.. عينيها لمعت ببريق غريب، وردت عليا بسرعة بالإشارة: “أنتي بتعرفي تتكلمي لغتي؟ مفيش حد هنا بيفهمني.. حتى ابني بيحاول بس بيفشل.”
ابتسمت لها وقلت لها بالإشارة: “أنا

هنا عشان أسمعك وأكلمك.. متقلقيش.”
في اللحظة دي، حسيت بنظرات باسم بتخترقني.. نظرة صقر لقى فريسته، أو ملك لقى حاجة ناقصة في مملكته. ساب الكاس من إيده وفضل باصص لإيدي وهي بتتحرك، وكأن الإشارات دي هي الشيفرة اللي كان بيدور عليها سنين. باسم مكنش باصص لي كراجل بيعاكس، كان باصص لي كأني “لغز” وقرر يمتلكه.
وقبل ما أمشي، مسك معصم إيدي بلمسة خفيفة بس خلت جسمي كله يتنفض، وقالي بصوته الرخيم: “اسمك نور.. مش كدة؟”
رديت بصوت مهزوز: “أيوة يا فندم.. نور.”
طلع كارت أسود فخم، مكتوب عليه رقم فضي بارز، ورماه في الصينية اللي في إيدي وقالي: “والدتي عندها حفلة بكره.. ومحتاجة مترجمة تكون بتفهم ‘لغة السكوت’ زيك.. كلمي الرقم ده أول ما تخلصي.”
الست كريمان ضغطت على إيدي بحنان، وعملت لي إشارة أخيرة خلت الدم يهرب من عروقي: “تعالي يا بنتي.. فيه حاجات ابني مبيسمعهاش، بس أنتي الوحيدة اللي هتقدري تشوفيها!”
**يا ترى نور هتروح الحفلة وتدخل عالم المافيا برجليها؟ وإيه السر اللي أمة باسم عاوزة توصله لها بالإشارة ومخفياه عن ابنها؟ وهل باسم السيوفي فعلاً محتاج مترجمة، ولا نور بقت جزء من خطة تانية خالص؟**

مرت الليلة على “نور” وكأنها دهر. كارت “باسم السيوفي” كان بين أصابعها يزن أطناناً من المسؤولية والخوف. في الصباح، وجدت نفسها أمام قصر “السيوفي”؛ قلعة حصينة تحرسها أعين لا تنام. دخلت نور بخطوات مرتعشة، لكن صورة الست “كريمان” وتوسلها الصامت كان الدافع الوحيد لتكمل الطريق.
الحفلة كانت صاخبة بالأقنعة والمجاملات الزائفة، وباسم كان يقف كالملك في وسط القاعة، يراقب كل شيء ببرود. بمجرد أن رأى نور، أشار لها بالاقتراب. لم يقل “أهلاً”، بل قال بعينيه: “لقد جئتِ إلى قدري”.
انسحبت نور مع الست كريمان إلى ركن هادئ بعيداً عن ضجيج المعازيم. بدأت كريمان تتحرك يداها بسرعة وهياج، وعيناها تفيضان بالدموع. نور كانت تترجم بذهول، وقلبها يخفق بعنف.
كريمان كانت تقول بالإشارة: **”نور، باسم في خطر.. القريبين منه بيسمموا عقله. الورق اللي هيوقع عليه النهاردة بالليل مش عقد شراكة، ده فخ من (ياسر) ابن عمه عشان يسحب منه الإمبراطورية ويوديه ورا الشمس. باسم بيثق في ياسر جداً، ومبيسمعش تحذيراتي لأني ‘خرساء’ في نظره، لكن أنتي.. أنتي صوتي اللي هيوصل لقلبه.”**
نور تجمدت مكانها. ياسر كان يقف بجانب باسم الآن، يضحك معه ويقدم له قلماً فخماً لتوقيع الأوراق أمام رجال الأعمال.

نور لم تتردد. جرت وسط القاعة ووقفت أمام باسم والورق بين يديه. الجميع سكت، وياسر صرخ بحدة: “أنتي بتعملي إيه هنا يا جرسونة؟ اطلعي بره!”
باسم رفع حاجبه، وعيونه كانت تحذر نور من ارتكاب حماقة. لكن نور بدأت تتحدث بيدها وعينيها وصوتها معاً: “باسم بيه.. والدتك مش بتطلب منك تشرب مية بليمون دلوقتي.. هي بتقول لك إن القلم ده بيمضي على نهايتك. ياسر بيخونك، والورق ده فخ.”
ياسر تلون وجهه: “أنتي مجنونة؟ دي بتخرف! ارموها بره!”
باسم نظر لأمه، التي كانت واقفة

من بعيد، وتؤكد بيدها على كل كلمة تقولها نور بصرخة صامتة هزت كيان ابنه. باسم لم يوقع. رمى القلم ببرود، وأمسك بالورق ومزقه أمام الجميع.
في لحظة، تحول رجال الأمن الذين كان ياسر يظن أنهم معه، وصوبوا أسلحتهم نحوه بأمر من باسم. باسم اقترب من ياسر وهمس له بصوت يجمّد المية: “كنت فاكر إن صمت أمي ضعف؟ أمي شافت اللي عينك غطته.. ونور سمعت اللي ودنك رفضت تسمعه.”
تم سحب ياسر للخارج في فضيحة دمرت غروره، والتفت باسم لنور. القاعة فضت من الناس، ولم يبقَ إلا هدوء القصر وجلال الموقف.
باسم اقترب من نور، وأمسك بيدها التي كانت لا تزال ترتجف. لم يمسكها كجرسونة هذه المرة، بل كـ “منقذة”. نظر في عينيها وقال: “أنا طلبتك عشان تترجمي كلام أمي.. بس اكتشفت إنك ترجمتي لي حياتي كلها. الست اللي تفهم (لغة السكوت) هي الست الوحيدة اللي تستحق تكون (سيدة السيوفي).”
الست كريمان اقتربت منهما، ووضعت يد نور في يد باسم، وعملت إشارة أخيرة بابتسامة نصر: **”دلوقتي بس يا ابني.. أنا اطمنت عليك. نور مش بس مترجمة.. نور هي الأمان اللي كنت مستنياه.”**

نور مكملتش دراستها من شغل الجرسونة، باسم تكفل بكل شيء، وبقت هي المستشارة الأولى في إمبراطوريته، والمسؤولة عن مؤسسة “السيوفي للغة الإشارة” اللي فتحها باسم تكريماً لأمه وللحب اللي بدأ بإشارة.
نور عرفت إن الوجع ممكن يستخبى في السكوت، بس “الحق” دايماً بيلاقي صوت، حتى لو كان الصوت ده مجرد حركة إيد من بنت غلبانة بس قلبها كان

“نور” في عز الضلمة.
**تمت.**

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *