جوزي سابني

الأماكن محتاجة ناس تعرف تتصرف، مش بس تهتم بالبيت.
حسيت بالكلمة، لكني قررت ما أردش.
أنا كنت أعرف نفسي كويس.
كنت أعرف أنا عملت إيه عشان أوصل جرانت للمكان اللي هو فيه.
وقبل ما يخرج، وقف عند الباب.
قلت له
جرانت…
لف لي.
قلت
افتكر بس إن النجاح عمره ما بيكون لشخص واحد.
بص لي للحظة…
وبعدين ابتسم ابتسامة غريبة وقال
يمكن لما تفهمي عالم الشغل هتعرفي قصدي.
وخرج.
فضلت واقفة في مكاني، أسمع صوت عربيته وهي بتبعد عن البيت.
لكن جرانت ماكانش يعرف…
إن في نفس الليلة دي، كان فيه ملف واحد على مكتبي.
ملف لو فتحته قدامه في الوقت المناسب…
كان هيخليه يعيد حساب كل حاجة كان فاكر إنه يملكها مرت ساعة بعد ما خرج جرانت.
الفيلا كانت هادية بشكل غريب.
مشيت في الممر الطويل وأنا ببص للصور المعلقة على الحيطان.
صور رحلاتنا القديمة… أول يوم اشترينا فيه بيت… أول نجاح حققه.
الناس كلها كانت شايفة جرانت رجل الأعمال اللي صنع نفسه بنفسه.
لكن محدش كان يعرف الجزء اللي أنا خبّيته عن الكل.
دخلت مكتبي الصغير في آخر الفيلا.
كان المكان الوحيد اللي لسه بحس إنه بتاعي.
قفلت الباب وفتحت الدرج السفلي.
طلعت ملف أسود قديم.
حطيته على المكتب، وقعدت أبص له شوية.
جوا الملف كانت فيه مستندات، عقود، وتوقيعات.
حاجات عمر جرانت ما سألني عنها.
مش لأنه مش مهتم…
لكن لأنه كان مقتنع إن دوره هو القيادة، وإن دوري بس إني أقف وراه.
من أول يوم اتجوزنا، أنا ماكنتش مجرد زوجة بتدعمه.
كان عندي شغل خاص بيا، واستثمارات بدأت بيها قبل ما أعرفه.
لكن لما بدأ حلمه يكبر، قررت أساعده من غير ما أظهر.
كنت عارفة إن غروره ممكن يمنعه من قبول المساعدة لو عرف الحقيقة.
فخليت كل شيء يتم بهدوء.
باسم شركات خاصة بي.
وبطريقة قانونية.
كنت مؤمنة إن نجاحه هو نجاحنا إحنا الاتنين.
لكن في الفترة الأخيرة…
بدأت أحس إن جرانت نسي كلمة إحنا.
بقى يقول
أنا بنيت.
أنا وصلت.
أنا صنعت.
وكأن السنين اللي وقفت فيها جنبه اختفت.
رن هاتفي فجأة.
نظرت للشاشة.
كان اتصال من المحامي الخاص بي، الأستاذ كريم الشاذلي.
رديت
مساء الخير يا أستاذ كريم.
جاء صوته جادًا
سيرين، هل أنتِ متأكدة إنك عايزة تكملي الخطوة دي؟
نظرت للملف أمامي.
وقلت بهدوء
أنا ماكنتش عايزة أوصل لكده.
سكت لحظة ثم أكملت
لكن واضح إن الوقت جه.
قال
أنا جهزت كل الأوراق زي ما طلبتي. بس لازم تكوني عارفة إن القرار ده هيغير شكل العلاقة بينك وبين جرانت للأبد.
ابتسمت بحزن.
وقلت
العلاقة اتغيرت من زمان… أنا بس كنت آخر واحدة تعرف.
بعد ما قفلت المكالمة، رجعت أبص للملف.
في نفس اللحظة، وصلني إشعار على الهاتف.
صورة من الحفلة.
جرانت واقف وسط مجموعة من رجال الأعمال، يضحك ويتكلم بثقة.
كان شكله سعيد.
لكن اللي ماكنش يعرفه…
إن في اليوم التالي، كان فيه اجتماع واحد فقط…
اجتماع هيكشف له حقيقة ظلّت مخفية سبع سنوات في صباح اليوم التالي، صحيت بدري قبل جرانت.
فضلت قاعدة في البلكونة المطلة على البحر، ماسكة فنجان القهوة، وبفكر في كل السنين اللي فاتت.
كنت فاكرة إن الصبر دايمًا بيصلّح أي حاجة.
كنت فاكرة إن الشخص اللي بتحبيه، مهما انشغل أو تغير، في يوم هيفتكر مين كان واقف جنبه.
لكن واضح إن بعض الناس لما يوصلوا للقمة… بينسوا مين كان بيمسك إيديهم وهم بيطلعوا.
بعد حوالي ساعة، سمعت صوت باب غرفة النوم.
خرج جرانت وهو لابس ملابس العمل، وكأنه ماحصلش أي حاجة.
دخل المطبخ وقال
صباح الخير.
بصيت له وقلت
صباح النور.
قعد على الكرسي وبدأ يشرب قهوته.
كان ساكت.
وبعد لحظات قال
عندي اجتماع مهم النهارده.
رديت بهدوء
عارفة.
بص لي باستغراب.
عارفة منين؟
ابتسمت ابتسامة بسيطة وقلت
أنت بتتكلم عن شغلك طول الوقت يا جرانت.
هز رأسه وكأنه مقتنع، ثم قال
المهم… ممكن تحتاجي تقللي شوية من المصاريف الفترة الجاية.
رفعت عيني له.
ليه؟
قال وهو يقلب في هاتفه
في توسعات جديدة للشركة، وفي استثمارات كبيرة. لازم نكون حذرين.
نظرت له للحظة.
كان يتكلم عن الأموال وكأنه وحده صاحب القرار.
وكأنه لا يعرف أن القرارات التي أوصلته لكل هذا النجاح… لم تكن كلها بيده.
قلت له
جرانت، عمرك فكرت تسألني عن بعض الأمور؟
رفع عينه
زي إيه؟
سكت قليلًا.
كنت أقدر أقول له الحقيقة في نفس اللحظة.
أقدر أفتح الملف قدامه وأقول
كل اللي أنت فاكره ملكك… له قصة تانية.
لكنني لم أفعل.
قلت فقط
ولا حاجة.
رجع لهاتفه وقال
تمام.
بعدها خرج من البيت.
لكن قبل ما يقفل الباب، وقف لحظة وقال
على فكرة، عندي عشاء عمل بكرة. مش هتقدري تيجي.
بصيت له باستغراب.
ليه؟
قال
لأن المكان ده محتاج ناس من نوع معين.
وقفل الباب.
فضلت واقفة مكاني.
الكلمة دي كانت آخر حاجة محتاجاها عشان أتأكد من قراري.
بعدها بدقائق، لبست هدومي وخرجت.
وصلت لمبنى كبير في وسط المدينة.
الموظفون أول ما شافوني وقفوا باحترام.
دخلت مكتب المدير التنفيذي.
استقبلني الأستاذ كريم بابتسامة وقال
أخيرًا قررتي تظهري بنفسك.
وضعت حقيبتي على المكتب وقلت
من النهارده… كل شيء هيكون واضح.
فتح الملف أمامه وقال
إذن نبدأ الاجتماع.
نظرت للأوراق أمامي، ثم قلت
عايزة كل الشركاء يعرفوا الحقيقة كاملة.
وفي نفس الوقت…
كان جرانت داخل اجتماع في شركته، واثق إن يومه عادي.
لكن بعد دقائق…
وصلته رسالة واحدة فقط.
رسالة جعلته يرفع رأسه لأول مرة بقلق فتح جرانت الرسالة وهو وسط الاجتماع.
كان قاعد قدام مجموعة من كبار المستثمرين، بيتكلم بثقة عن خطط التوسع الجديدة، وعن المشاريع اللي كان بيقول دايمًا إنها ثمرة مجهوده.
لكن أول ما قرأ السطر الأول…
اتغيرت ملامح وشه.
الرسالة كانت من المدير المالي للشركة
أستاذ جرانت، محتاجين نتكلم فورًا. في مستندات ظهرت بخصوص ملكية بعض الأصول والشركات.
فضل ماسك الموبايل ثواني، يحاول يخبي توتره.
سأله أحد المستثمرين
كل شيء بخير يا جرانت؟
رفع عينه بسرعة وقال
أكيد… مجرد موضوع إداري بسيط.
لكن داخله كان فيه سؤال واحد
إيه المستندات دي؟
بعد انتهاء الاجتماع، خرج بسرعة واتصل بالمدير المالي.
رد الرجل بصوت متردد
جرانت، لازم تيجي المكتب حالًا.
قال بعصبية
قولي الموضوع إيه.
سكت الرجل لحظة ثم قال
في عقود قديمة ظهرت… عقود بتخص ملكية بعض الشركات.
عبس جرانت.
ملكية مين؟
جاء الرد الذي لم يتوقعه
ملكية سيرين.
ساد الصمت.
لأول مرة منذ سنوات، شعر جرانت أن هناك جزءًا من القصة لم يكن يعرفه.
في نفس الوقت، كنت جالسة في مكتبي مع الأستاذ كريم.
قال لي
سيرين، جرانت طول السنين دي كان بيظهر للناس إنه صاحب كل شيء.
نظرت للأوراق وقلت
أنا ماكنتس عايزة أخد منه حاجة.
هز رأسه
أنا عارف. عشان كده انتظرتي كل الوقت ده.
قلت
كنت عايزة يكون ناجح. كنت عايزة نبني حياة مع بعض.
ثم أغلقت الملف وقلت
لكن لما بدأ ينسى إن فيه شخص كان معاه من البداية… لازم يعرف الحقيقة.
في المساء، رجع جرانت للفيلا.
لكن المرة دي لم يكن نفس الشخص الذي خرج منها صباحًا.
دخل بسرعة، ورمى مفاتيحه على الطاولة.
سيرين.
كنت في الصالة.
رفعت عيني له بهدوء.
نعم؟
وقف أمامي وقال
ممكن أفهم إيه اللي بيحصل؟
نظرت له باستغراب مصطنع.
بتتكلم عن إيه؟
أخرج
لمحة نيوز

الصفحة السابقة 1 2 3 4 5الصفحة التالية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *