بعمر 18 حكايات اسما
الاول
أنا اسمي رامي، 18 سنة تاني يوم بعد ما دفــ,,ـــــنا أبويا وأمي. أخويا الصغير، سيف، كان عنده 6 سنين بس… ماكانش فاهم حاجة من اللي حصل..كان كل شوية يبصلي بعنيه الصغيرة ويسألني: “ماما هترجع إمتى؟”.وقتها… وعدته وعد عمري ما هنكثه: “مش هسيبك لحد… مهما حصل.” بعد أسبوع بس… ظهرت عمتي نجلاء وجوزها عم حسام. كانت بتتكلم بنبرة كلها حنية مزيفة: “إنت لسه عيل يا رامي… وسيف محتاج استقرار… محتاج بيت حقيقي.” بيت حقيقي؟! دول عمرهم ما سألوا فينا حتى… ولا مرة! وفجأة… بقوا عايزين حضانة سيف؟! سيبت دراستي… واشتغلت شغلانتين… وقدمت على الوصاية عليه. لكنهم ما سكتوش… عمتي راحت بلّغت الشؤون الاجتماعية… وقالت إني بعصب عليه… وبسيبه لوحده في البيت! وفي يوم، بعد ما رجع من عندهم، حــ,,ـــــضني سيف وقاللي بصوت واطي: “هي قالتلي لو منادتهاش ماما… مش هتديني حلوى.” ساعتها… حسيت حاجة جوايا اتكسرت. وفي نفس الليلة… سمعت عمتي بتتكلم في التليفون: “أول ما ناخد الحضانة… الفلوس اللي الحكومة حطاها باسمه هتنزل.” ضحك عم حسام وقال: “نوديه مدرسة داخلية ونرتاح منه… وجع دماغ.” وردت وهي بتضحك: “أنا بس عايزة عربية جديدة… وممكن كمان رحلة للساحل.” يوم جلسة المحكمة… دخلت عمتي متشيكة، لابسة عقد لولي… وجايبة علبة معمول للقاضي! كانت فاكرة إنها كسبت خلاص… بس هي ماكنتش تعرف… إن عندي مفاجأة تقلب كل حاجة. لايـك وسيبلـي كومنـت وهـرد عليـكم باللينـك – حكـايات أسمـا السيـد حكـايات أسمـا السيـد أنا اسمي رامي… وعندي 18 سنة بس، بس حاسس إني عشت عمرين مش عمر واحد. اليوم اللي وقفت فيه قدام القاضي… ماكنتش نفس الولد اللي كان واقف من أسبوعين بيعيط على قبــ,,ـــــر أبوه وأمه ومش فاهم الدنيا راحت فين. دخلت القاعة وأنا ماسك إيد سيف بإيدي الشمال… إيده الصغيرة كانت بتترعش، بس كان متمسك بيا كأني آخر حاجة فاضلاله في الدنيا. بصلي وقال بصوت واطي: “إحنا هنروح بيتنا تاني صح؟” ابتسمت غصب عني وقلتله: “أيوه يا سيف… هنروح بيتنا… ومحدش هيبعدنا عن بعض.” كنت بقولها وأنا مش متأكد… بس كان لازم أكون قوي علشانه. القاضي كان قاعد قدامنا، شكله هادي بس عينيه بتراقب كل تفصيلة… عمتي نجلاء كانت قاعدة على الناحية التانية، لابسة شيك جدًا كأنها داخلة حفلة مش جلسة حضانة طفل يتيم. كل شوية تبصلي بابتسامة فيها شماتة… وعم حسام قاعد جنبها عامل نفسه محترم، بس أنا سامع صوته وهو بيضحك الليلة اللي فاتت. المحامي بتاعي كان راجل كبير في السن، اسمه أستاذ شريف… هو اللي وافق يشتغل معايا ببلاش أول ما عرف قصتي. بصلي قبل ما الجلسة تبدأ وقال: “خليك ثابت… أهم حاجة ما تخافش.” هزيت راسي وأنا بحاول أبلع ريقي. بدأت الجلسة… القاضي سأل عمتي الأول. قامت بثقة وقالت: “يا سيادة القاضي، أنا عايزة مصلحة الطفل… الطفل محتاج استقرار… محتاج أم ترعاه…” أم؟! الكلمة خبطت في ودني زي صفعة. كملت وهي بتمثل: “رامي لسه صغير… مش هيقدر يتحمل مسؤولية طفل… ده حتى سايب دراسته وبيشتغل شغلانات بسيطة… ده خطر على مستقبل سيف.” القاضي بصلي وقال: “إيه ردك يا رامي؟” قمت وأنا حاسس برجلي بتتهز… بس أول ما بصيت لسيف… حسيت بقوة غريبة جتلي. قلت بهدوء: “أنا صغير آه… بس أنا أخوه… وأنا كل اللي فاضله.” سكتت القاعة… كملت: “أنا اشتغلت شغلانتين علشان أصرف عليه… وأنا اللي بنومه كل يوم… وأنا اللي بسمع سؤاله كل ليلة عن ماما… وأنا اللي بوعده إني مش هسيبه.” عمتي قاطعتني بسرعة: “ده كلام عاطفي… إحنا بنتكلم في مصلحة طفل!” القاضي رفع إيده وقال: “سيبيه يكمل.” بصيتله وقلت: “مصلحة الطفل إنه يبقى مع حد بيحبه مش حد شايفه فلوس.” وش عمتي اتشد فجأة. القاضي قال بجدية: “عندك دليل على الكلام ده؟” وهنا… اللحظة اللي كنت مستنيها. طلعت الموبايل من جيبي… وإيدي بتترعش… وقلت: “أيوه يا فندم.” المحامي شغل التسجيل… وصوت عمتي ملأ القاعة: “أول ما ناخد الحضانة… الفلوس اللي الحكومة حطاها باسمه هتنزل.” وسمعنا صوت عم حسام: “نوديه مدرسة داخلية ونرتاح منه… وجع دماغ.” والضحكة… الضحكة اللي كانت كفيلة تكسر أي حد. القاعة كلها سكتت… وش عمتي اتحول للون رمادي… وعم حسام بص حواليه بتوتر. القاضي قال بحدة: “إيه الكلام ده؟!” عمتي حاولت تتكلم: “ده… ده مفبرك!” المحامي بتاعي رد فورًا: “التسجيل ده متوثق ومقدم رسميًا يا سيادة القاضي.” القاضي بصلي تاني… بس المرة دي بنظرة مختلفة… فيها احترام مش شك. بعد دقائق حسيتها ساعات… قال كلمته: “تُرفض دعوى الحضانة المقدمة من المدعية… ويتم منح الوصاية المؤقتة للأخ الأكبر رامي لحين بلوغه السن القانوني الكامل، مع متابعة دورية من الشؤون الاجتماعية.” أنا ما سمعتش باقي الكلام… كل اللي حسيت بيه… إن سيف حــ,,ـــــضني جامد جدًا وهو بيقول: “إحنا كسبنا؟!” ضحكت وأنا بدمع: “أيوه يا سيف… كسبنا.” خرجنا من المحكمة… وأنا حاسس إن الحمل اللي على صدري خف شوية… بس الحقيقة؟ لسه المشوار طويل. رجعنا البيت… البيت اللي بقى فاضي من غيرهم… بس مش فاضي مننا. سيف كان ماشي ورايا في كل حتة… كأنه خايف أختفي. في الليل… دخلت أوضته لقيته صاحي. قاللي: “رامي؟” “نعم؟” “هو ماما مش هترجع خالص؟” السؤال اللي بهرب منه كل يوم. قعدت جنبه وقلتله بهدوء: “ماما راحت مكان أحلى… بس هي شايفانا… وفرحانة بينا.” بصلي شوية… وبعدين حــ,,ـــــضني وقال: “طب خليك إنت معايا دايمًا.” قفل عينيه ونام… وأنا فضلت صاحي… ببص للسقف… وبفكر: أنا فعلاً هقدر؟ الأيام عدت… كنت بصحى بدري… أجهز سيف للمدرسة… وبعدين أروح شغلي… وبعدها أرجع أطبخ… وأذاكرله… وأنضف البيت… وأحاول أبقى أب وأم في نفس الوقت. في الأول… كان صعب جدًا. كنت برجع منهك… ساعات ما بلاقيش فلوس كفاية… وساعات بسأل نفسي: أنا بعمل إيه؟ بس كل مرة كنت أشوف سيف بيضحك… أو وهو نايم مطمن… كنت بحس إن كل التعب يستاهل. الشهور عدت… وفي يوم… وأنا راجع من الشغل… لقيت ورقة على الباب. استدعاء من الشؤون الاجتماعية. قلبي وقع. رحت تاني يوم… واحدة ست محترمة قعدت قدامي وقالت: “إحنا جايين نتابع الحالة… ونتأكد إن الطفل في بيئة مناسبة.” هزيت راسي… وبدأت أسأل نفسي: يا ترى هيسحبوه مني؟ جات البيت… شافت كل حاجة… سيف كان قاعد بيذاكر… أول ما شافها قال: “أنا بحب أخويا.” الست ابتسمت وسألته: “هو بيزعقلك؟” قال بثقة: “لما أغلط… بس بعد كده بيحــ,,ـــــضني.” سكتت شوية… وبصتلي وقالت: “واضح إنك بتعمل اللي عليك… ويمكن أكتر.” أول مرة حد يقوللي كده. بعدها بفترة… رجعت دراستي تاني… كنت بروح الصبح، وأشتغل بعد الظهر… وأرجع بالليل أذاكر. كنت تعبان… بس كنت مصمم. سنين عدت… وسيف كبر… بقى عنده 12 سنة… شاطر في المدرسة… وبيحب الكورة زي بابا. وفي يوم… وهو واقف قدام المراية بيظبط هدومه… بصلي وقال: “أنا لما أكبر… عايز أبقى زيك.” ضحكت وقلتله: “لا يا عم… خلي طموحك أعلى شوية.” قال بجدية: “أنا عايز أبقى حد ما بيسيبش اللي بيحبه.” سكت… لأول مرة… حسيت إني عملت حاجة صح. وفي يوم تاني… بعد سنين… كنت واقف في حفل تخرجي… وأنا عندي 23 سنة… سيف كان قاعد في الصف الأول… بيصقفلي بأعلى صوته… افتكرت اليوم اللي وعدته فيه… “مش هسيبك لحد… مهما حصل.” ووعدي كان لسه عايش. الحياة ما بقتش سهلة… بس بقينا أقوى. مش علشان الدنيا رحمتنا… لكن علشان إحنا ما استسلمناش. حكـايات أسمـا السيـد عدت سنين تانية… وسيف بقى في ثانوي، طويل شوية وصوته بدأ يتغير، بس لسه لما يضحك بيفكرني بالطفل الصغير اللي كان بيستخبى ورايا كل ما يخاف. وأنا؟ بقيت شاب بيحاول يوازن بين شغله ودراسته وبيته… وبين خوفه الدائم إنه يقصر في حق أخوه. الحياة كانت ماشية على وتيرة ثابتة، تعب يومي بس فيه راحة خفيفة في آخر اليوم لما نقعد سوا ناكل أو نتفرج على حاجة قديمة كنا بنحبها. كنت فاكر إن أصعب حاجة عدت… لحد الليلة دي.
كنت راجع متأخر من الشغل، الشارع هادي بشكل غريب، ولما وصلت تحت البيت لقيت نور الصالة مولع، مع إن سيف المفروض نايم علشان عنده امتحان تاني يوم. طلعت بسرعة وقلبي بيدق، فتحت الباب لقيته قاعد على الكنبة، إيده ماسكة موبايله، وعينيه فيها حاجة أول مرة أشوفها… خوف ممزوج بغضب. أول ما شافني وقف وقال بصوت متوتر: “رامي… هم رجعوا.” الكلمة نزلت عليا زي حجر. “مين؟” سألت وأنا عارف الإجابة بس مش عايز أصدق. قال: “عمتي… كانت هنا النهارده.” جسمي كله شد. قفلت الباب وقلتله: “دخلت إزاي؟” قال: “البواب قال إنها قريبة وجاية تطمن علينا… وأنا كنت لوحدي… خفت أعمل مشكلة.” قربت منه وقلت بحزم: “قالتلك إيه؟” سكت لحظة وبعدين قال: “قالت إنك تعبت… وإنك مش هتقدر تكمل… وإن الأفضل أروح أعيش معاها علشان أرتاح… وقالتلي إنك مخبي عني حاجات.” حسيت الدم بيغلي في عروقي. نفس الأسلوب… نفس السم اللي بيتحط في الكلام. قعدت قدامه وقلت بهدوء مصطنع: “وإنت صدقت؟” بصلي بسرعة وقال: “لا… بس خفت.” سكتنا لحظة… وبعدين قال جملة كسرتني: “أنا مش عايز حد ياخدني منك.” مديت إيدي ومسكت إيده بقوة وقلت: “محدش هيقدر يعمل كده… فاهم؟” هز راسه بس واضح إنه لسه قلقان. الليلة دي ما نمتش… قعدت أفكر: هم ليه رجعوا دلوقتي؟ بعد كل السنين دي؟ أكيد في حاجة. وبالفعل… بعد يومين، وصلنا إنذار رسمي. دعوى جديدة… طلب إعادة النظر في الحضانة. ضحكت بسخرية وأنا بقرأ الورقة… “لسه؟” سيف كان واقف جنبي وقال: “هنعمل إيه؟” بصيتله وقلت: “هنعمل زي كل مرة… هنقف لبعض.” بس الحقيقة؟ المرة دي كنت خايف أكتر. لأن سيف كبر… وبقى ليه رأي… والقانون ممكن يسمعله. الجلسة كانت بعد أسبوع… أسبوع كله توتر. سيف بدأ يبقى ساكت أكتر… وأنا بقيت أراقبه طول الوقت… خايف حد يوصله أو يأثر عليه. وفي يوم قبل الجلسة بيومين… رجعت البيت ملقيتش سيف. قلبي وقف. كلمته… الموبايل مقفول. نزلت أجري أسأل البواب… قاللي إنه شافه راكب عربية مع ست. الدنيا اسودت في عيني. جريت على عنوان عمتي… خبطت الباب بعنــ,,ـــــف. فتح عم حسام وهو مبتسم ابتسامة مستفزة: “أهلاً يا رامي.” دفعت الباب ودخلت وأنا بصرخ: “سيف فين؟!” طلع سيف من جوة… شكله متردد. قربت منه وقلت: “إنت كويس؟” بصلي… وبعدين بص لهم… وقال: “أنا جيت بمزاجي.” الجملة وقعت عليا زي سكــ,,ـــــينة. “بمزاجك؟” قلتها وأنا مش مصدق. عمتي دخلت وهي مبتسمة: “سيبه يقرر يا رامي… كفاية تحكم.” بصيت لسيف… كان متلخبط… واضح إنهم لعبوا في دماغه. قربت منه بهدوء وقلت: “إنت عايز تقعد هنا؟” سكت… وبعدين قال: “مش عارف.” الجملة دي كانت أصعب من أي حاجة. خدت نفس عميق وقلت: “تمام… بس خلي بالك… أنا مش هسيبك.” سيبته ومشيت… وأنا حاسس إن الأرض بتتهز تحت رجلي. رجعت البيت لوحدي لأول مرة من سنين… البيت كان فاضي بشكل مرعب. كل حاجة فيه بتفكرني بيه… الكرسي… الكتب… حتى الكوب اللي كان بيشرب فيه لبن. قعدت على الأرض… وسندت ضهري للحيطة… ودموعي نزلت من غير ما أحس. مش علشان هو مشي… لكن علشان لأول مرة حسيت إني ممكن أخسره. اليوم اللي بعده… رحت المحكمة… لوحدي. القاضي سأل: “أخوك فين؟” قلت بصوت مبحوح: “مع عمته.” القضية اتأجلت علشان يسمعوا رأيه. خرجت من القاعة… وأنا تايه. بس في نفس الليلة… الساعة كانت 2 الفجر… سمعت خبط على الباب. قمت بسرعة وفتحت… لقيت سيف واقف… عينيه حمرا وبيعيط. أول ما شافني حــ,,ـــــضني بقوة وقال: “أنا آسف… أنا آسف… أنا غلطت.” حــ,,ـــــضنته جامد وقلت: “في إيه؟” قال وهو بيعيط: “سمعتهم… كانوا بيتكلموا… زي زمان… نفس الكلام… فلوس… وراحة… وقالتلي إني هقعد في مدرسة داخلية… وأنا مش عايز غيرك.” غمضت عيني… وافتكرت التسجيل القديم… نفس السينــ,,ـــــاريو بيتكرر. قلتله بهدوء: “تعالى جوة.” دخل… وقعدنا سوا… وهو بيحكي كل حاجة. وفي اللحظة دي… فهمت. المعركة لسه ما انتهتش… بس المرة دي… سيف مش الطفل الصغير… بقى شاهد… بقى فاهم. تاني يوم… دخلنا المحكمة سوا. القاضي بصله وقال: “إنت عايز تعيش مع مين؟” سيف بصلي… وبعدين قال بثقة: “مع أخويا.” وسكت لحظة… وبعدين كمل: “هو الوحيد اللي عمره ما باعني.” الكلمة دي… كانت كفيلة تحسم كل حاجة. القاضي حكم برفض الدعوى… نهائي. خرجنا من المحكمة… وسيف ماسك إيدي أقوى من أي وقت فات. بصلي وقال: “المرة دي بجد… أنا مش همشي تاني.” ابتسمت وقلت: “وأنا عمري ما هسيبك.” ومشينا سوا… نفس الطريق… بس المرة دي… وإحنا أقوى بكتير من الأول.
بعد آخر جلسة… الحياة رجعت تهدى شوية، بس الهدوء ده كان مختلف… كأنه هدوء حد خرج من حرب ولسه حاسس بصداها في ودنه. أنا وسيف بقينا أقرب من أي وقت فات… مش بس أخوات، لكن شركاء في كل حاجة… في الخوف، في التعب، وفي كل انتصار صغير بنحققه. الأيام كانت بتمشي، وأنا بدأت أركز أكتر على مستقبلي… خلصت دراستي، واشتغلت شغل ثابت في شركة صغيرة، مرتبها مش كبير، بس كفاية إنها تخليني أحس إني واقف على رجلي بجد. سيف كمان كان بيكبر قدامي… بقى في ثانوي، وبقى عنده صحاب، وأحلام، وكلامه بقى تقيل شوية… بس لسه لما يضحك، برجع أشوف الطفل اللي وعدته قدام القبر. في يوم من الأيام… كنت قاعد على الكنبة بعد يوم طويل، وسيف داخل عليّ وهو مبتسم ابتسامة غريبة. قاللي: “رامي… أنا عايز أقولك على حاجة.” بصيتله وقلت: “قول يا عم… عملت إيه تاني؟” ضحك وقال: “لا المرة دي بجد… أنا عايز أدخل كلية الشرطة.” سكت لحظة… بصيتله كويس… لقيت في عينيه نفس الإصرار اللي كان عندي زمان. قلتله بهدوء: “ليه الشرطة؟” قال بثقة: “علشان عايز أبقى قوي… زيك… وأحمي الناس اللي زيّنا… اللي محدش وقف جنبهم.” الكلام لمس قلبي… بس في نفس الوقت خوّفني. الطريق ده مش سهل… ومليان تعب ومخاطر. قلتله: “إنت عارف الطريق ده صعب؟” هز راسه وقال: “عارف… بس أنا متعود على الصعب.” ابتسمت غصب عني… وقلت: “ماشي يا بطل… وأنا معاك.” ومن اليوم ده… حياتنا دخلت مرحلة جديدة. سيف بقى بيصحى بدري يتمرن… يجري… يذاكر… وأنا كنت بساعده بكل اللي أقدر عليه… أوقات كنت ببقى تعبان من الشغل، بس لما أشوفه بيحارب علشان حلمه… كنت بحس إني لازم أكون جنبه. عدت شهور… لحد يوم النتيجة. كنا واقفين قدام اللاب توب… إيده بتترعش وهو بيدخل رقم الجلوس. بصلي وقال: “لو ما نجحتش… متزعلش مني.” حطيت إيدي على كتفه وقلت: “أنا فخور بيك في كل الأحوال.” ضغط زرار البحث… وسكتنا… ثواني… بس كانت أطول من أي وقت. وفجأة… سيف صرخ: “نجحت!” قام يلف حوالين نفسه وهو بيضحك… وأنا ضحكت معاه، بس دموعي سبقتني. حضنته بقوة… وقلت: “أنا قولتلك… إنت تقدر.” في اللحظة دي… حسيت إن كل التعب، كل السنين اللي فاتت… كانت علشان اللحظة دي. بعدها بأيام… كنا واقفين قدام باب الكلية… سيف لابس لبس التدريب، وشكله بقى راجل بجد. بصلي وقال: “خايف شوية.” ضحكت وقلت: “طبيعي… بس إنت قدها.” سكت لحظة… وبعدين حضني وقال: “لو مكنتش إنت… أنا مكنتش وصلت لهنا.” الكلام ده… كان أغلى من أي حاجة في الدنيا. سيبته يدخل… وأنا واقف بره… ببص عليه وهو بيبعد خطوة خطوة. ولأول مرة… حسيت إني بسيبه يمشي… بس مش علشان أسيبه… علشان يكبر. رجعت البيت… نفس البيت… بس المرة دي هادي زيادة عن اللزوم. قعدت على الكنبة… وبصيت حواليّ… كل حاجة بتفكرني بيه… بس كمان بتفكرني بكل اللي عدينا بيه سوا. طلعت صورة قديمة… أنا وهو صغيرين… ماسك إيده وهو بيضحك. ابتسمت وقلت لنفسي: “الوعد لسه مستمر.” الليل عدّى… وفجأة… الموبايل رن. كان سيف. رديت بسرعة: “أيوه يا بطل؟” صوته كان متحمس: “رامي! أول يوم خلص… وكان صعب جدًا… بس أنا استحملت!” ضحكت وقلت: “عارف إنك هتستحمل.” سكت لحظة… وبعدين قال: “وحشتني.” غمضت عيني… وقلت: “وإنت كمان.” قفلنا المكالمة… وبصيت للسقف… نفس السقف اللي كنت ببصله وأنا تايه وخايف زمان… بس المرة دي… كنت مطمن. مش علشان الدنيا بقت سهلة… لكن علشان أنا وهو بقينا أقوى… وأي حاجة جاية… هنعرف نعديها. حكـايات أسمـا السيـد مرّت شهور على دخول سيف الكلية… والبيت بقى أهدى من أي وقت فات، هدوء غريب كده… مش مريح أوي، بس مش موجع زي زمان. كنت كل يوم برجع من الشغل، أفتح الباب وأتعود أنده: “سيف!” وبعدين أفتكر إنه مش هنا… فأضحك لوحدي وأقول: “كبر يا عم.” المكالمات بينا بقت هي الحبل اللي رابطنا… كل يوم تقريبًا، حتى لو دقيقتين. ساعات يكون تعبان ومش قادر يتكلم، وساعات يكون متحمس يحكيلي عن يومه وكأنه لسه الطفل اللي بيجري عليّ يحكي كل حاجة. في ليلة من الليالي… كنت قاعد لوحدي، وبفكر في كل اللي فات… فجأة لقيت نفسي بفتح الدولاب القديم… دولاب بابا. من ساعة ما مات… ما فتحتهوش غير مرات قليلة جدًا. بس الليلة دي… كان في إحساس جوايا بيقولي افتحه. فتحت الباب ببطء… ريحة قديمة طلعت… ريحة ذكريات. هدومه لسه متعلقة زي ما هي… جاكت قديم، قميص كان بيحبه… ومديت إيدي ولمستهم، وكأني بلمسه هو. وأنا بقلب… لقيت علبة صغيرة خشب في الرف. أول مرة أشوفها. فتحتها… كان جواها شوية ورق، وسلسلة فضة، وصورة قديمة ليا أنا وسيف مع بابا وماما… كنا بنضحك فيها كلنا. بس اللي لفت نظري… ظرف مقفول. مكتوب عليه بخط بابا: “لرامي… لما يكبر.” قلبي دق بسرعة… قعدت على الأرض وفتحته بإيد بترتعش. جواه ورقة واحدة… “يا رامي… لو بتقرأ الرسالة دي، يبقى أنا مش موجود. عارف إنك هتبقى راجل بدري عن سنك… وعارف إنك هتشيل مسؤولية مش سهلة. بس أنا واثق فيك. خليك دايمًا سند لأخوك… ومتخليش الدنيا تكسر قلبك. القوة مش إنك ما تقعش… القوة إنك تقوم كل مرة. وأنا فخور بيك… حتى لو مش شايفك.” الورقة وقعت من إيدي… ودموعي نزلت لأول مرة من شهور. مش دموع ضعف… دموع شوق. حضنت الورقة كأنها حضنه… وقلت بصوت مكسور: “أنا حاولت يا بابا… والله حاولت.” في اللحظة دي… الموبايل رن. كان سيف. مسحت دموعي بسرعة ورديت: “أيوه يا بطل؟” صوته كان مختلف… هادي زيادة عن اللزوم. “رامي… إنت كويس؟” سكت لحظة… وبعدين قلت: “أيوه… بس كنت عند بابا شوية.” سكت هو كمان… وبعدين قال: “أنا كمان وحشني.” ابتسمت رغم الدموع وقلت: “فاكر لما كان بيصحينا بالعافية الصبح؟” ضحك وقال: “وأنت كنت بتستخبى تحت البطانية!” ضحكنا سوا… نفس الضحكة القديمة. وبعدين قال فجأة: “رامي… أنا عايز أرجع البيت يومين… ينفع؟” قلت بسرعة: “البيت بيتك… في أي وقت.” بعد يومين… كان واقف قدام الباب. فتحته… لقيته قدامي، أطول… أقوى… بس أول ما شافني، ابتسم نفس الابتسامة الصغيرة اللي كنت بحبها. حضنّي جامد… وقال: “أنا رجعت.” قلتله وأنا بضحك: “أيوه يا عم… نورت بيتك.”
دخل… وبص حواليه… كأنه بيشوفه لأول مرة. قعدنا سوا… أكلنا… واتكلمنا بالساعات… عن كل حاجة… عن الكلية، عن صحابه، عن تعبه، وعن أحلامه. وفي نص الكلام… سكت فجأة وبصلي وقال: “إنت تعبت أوي عشاني صح؟” بصيتله وقلت بهدوء: “إحنا تعبنا سوا.” هز راسه وقال: “بس إنت شيلت أكتر.” ابتسمت وقلت: “كنت مضطر… علشانك.” سكت شوية… وبعدين قال جملة وقفت الزمن: “أنا عايز أردلك كل حاجة.” ضحكت وقلت: “مش مستني منك حاجة… غير إنك تفضل كويس.” قال بثقة: “هفضل… علشانك.” الليلة دي… نام في أوضته القديمة… وأنا قاعد في الصالة… ببص على باب الأوضة ومبتسم. افتكرت كل حاجة… من أول يوم وعدته فيه… لحد النهارده. الوعد… كان تقيل… بس كان يستاهل. وبصيت للسقف… وقلت بهدوء: “أنا لسه مكمل يا بابا… ومش هسيبه.” والحقيقة؟ مش بس أنا اللي كبرت… إحنا الاتنين كبرنا… وبقينا قصة… محدش يقدر يكسرها. حكـايات أسمـا السيـد عدّى وقت تاني… وسيف رجع الكلية بعد الإجازة القصيرة، والبيت رجع يسكت من تاني… بس المرة دي، السكوت ماكانش مؤلم زي الأول، كان فيه طمأنينة غريبة… كأن كل حاجة بقت في مكانها الصح. أنا بدأت أركز أكتر في شغلي… الشركة كبرت شوية، والمدير بدأ يعتمد عليّ أكتر… لدرجة إنه في يوم ناداني المكتب وقال: “رامي… إحنا عايزين نديك منصب أعلى… بس ده معناه مسؤولية أكبر.” ابتسمت بهدوء وقلت: “أنا متعود على المسؤولية.” ضحك وقال: “واضح فعلًا.” خرجت من عنده وأنا حاسس بشيء جديد… إحساس إن تعبي بدأ يبان… إن السنين اللي فاتت ما راحتش هدر. بس رغم كل ده… كان في حاجة ناقصة. كنت أرجع البيت… أطبخ لنفسي… أقعد لوحدي… وأوقات كتير ألاقي نفسي بكلم سيف في الموبايل وأنا مش محتاج أقول حاجة… بس عايز أسمع صوته وخلاص. وفي يوم… حصلت حاجة ماكنتش متوقعها. كنت راجع من الشغل… لقيت ست واقفة قدام العمارة… شكلها بسيط، لابسة هدوم قديمة شوية، بس نظيفة… باين عليها تعب السنين. أول ما شافتني… وقفت قدامي وقالت بصوت متردد: “إنت رامي؟” بصيتلها باستغراب وقلت: “أيوه… حضرتك مين؟” سكتت لحظة… وبعدين قالت: “أنا… خالتك.” الدنيا لفت بيا. “خالتي؟!” قالت وهي بتبص في الأرض: “أيوه… أخت مامتك.” ماما… الكلمة دي لوحدها كفيلة تهزني. سألتها بحذر: “حضرتك فين من زمان؟” تنهدت وقالت: “كنت بعيدة… وظروفي ماكنتش سهلة… بس أول ما عرفت اللي حصل… حاولت أوصلك.” كنت واقف مش عارف أصدق ولا أكدب… عمري ما سمعت عن خالة قبل كده… ولا ماما كانت بتتكلم عنها. بس في نفس الوقت… في حاجة جوايا كانت بتقول إنها صادقة. قلت لها: “اتفضلي.” طلعنا الشقة… قعدت على الكنبة وهي بتبص حواليها كأنها بتسترجع ذكريات. قالت بهدوء: “أختي… كانت بتحب البيت ده.” قلبي وجعني… بس سكت. بدأت تحكي… عن زمان… عن خلافات حصلت بينها وبين ماما… عن بعدها سنين طويلة… عن ندمها. كنت سامع… بس عقلي مشغول بحاجة واحدة: هل أثق فيها؟ في نص الكلام… سألتني: “سيف فين؟” قلت: “في الكلية.” ابتسمت وقالت: “كبر بقى… نفسي أشوفه.” سكت شوية… وبعدين قلت: “ممكن… بس واحدة واحدة.” هزت راسها بتفهم. قعدت شوية ومشيت… وقبل ما تمشي، قالت: “أنا مش جاية آخد حاجة… أنا بس جاية أرجع.” الجملة دي فضلت ترن في دماغي. في الليل… كلمت سيف وحكيتله. سكت شوية… وبعدين قال: “إنت حاسس بإيه؟” قلت: “مش عارف… خايف.” قال بهدوء: “خليك حذر… بس ما تقفلش الباب.” ابتسمت… واضح إنه كبر فعلًا. الأيام اللي بعدها… خالتي بدأت تيجي تزورنا… بهدوء… من غير تدخل… من غير ضغط. كانت بتساعدني في حاجات بسيطة… تطبخ أحيانًا… ترتب… وكأنها بتحاول تعوض سنين غياب. وفي يوم… سيف كان في إجازة وجيه البيت… أول مرة يشوفها. كان واقف قدامها متردد… وهي بصاله بعين مليانة دموع. قالت له: “إنت شبه مامتك.” سيف سكت… وبعدين قال بهدوء: “حضرتك كنت فين؟” سؤال مباشر… وجعها. قالت بصراحة: “كنت غلطانة… وبعدت… بس عمري ما نسيتكم.” سيف بصلي… وأنا هزيت راسي كأني بقوله القرار ليك. قرب منها خطوة… وبعدين قال: “أنا مش هقدر أنسى بسهولة… بس ممكن أدي فرصة.” ابتسمت وهي بتعيط… وقالت: “ده كفاية عليّ.” في اللحظة دي… حسيت إن في باب جديد اتفتح في حياتنا. مش باب سهل… ولا مضمون… بس باب ممكن يدخل منه حاجة كويسة. وفي الليل… أنا وسيف قاعدين سوا… قاللي: “إحنا بقينا عيلة تاني؟” بصيتله وقلت: “إحنا عمرنا ما بقينا لوحدنا… إحنا كنا بس محتاجين نفتكر ده.” ابتسم… وسند راسه على الكنبة… وأنا بصيت حواليّ… البيت اللي شهد كل وجعنا… بقى النهارده بيشهد بداية جديدة. يمكن مش كاملة…بس حقيقية.
