صدمه الحقيقة

في أوائل الستينات، وملامحه فيها وقار.
أول ما شاف كريمة قال
أنا آسف.
استغرب الجميع.
قالت كريمة
بتعتذر على إيه يا دكتور؟
تنهد وقال
لأن الغلطة الإدارية اللي حصلت وقتها كان ممكن تمنع ناس كتير من تعيش سنة كاملة في أوهام.
الممر كله سكت.
حتى الطفل بطل يصدر أي صوت.
كريم قرب وقال
يعني إيه أوهام؟
الطبيب بصله وقال
مش من حقي أشرح التفاصيل قبل ما تكتمل الإجراءات.
رد كريم بعصبية
كل الناس بتقول نفس الجملة!
ابتسم الطبيب بأسف.
لأن الحقيقة لما تكون ناقصة… بتبقى أخطر من الكذب.
سمر كانت واقفة ودموعها بتنزل في صمت.
كريمة لاحظت ده.
قربت منها وقالت بهدوء
إنتِ كنتِ عارفة إن فيه حاجة غلط… صح؟
سمر هزت راسها بالنفي.
لكن بعد ثانيتين…
هزتها بالموافقة.
قالت بصوت مكسور
كنت حاسة… مش متأكدة.
حاسة بإيه؟
سمر بصت للأرض.
إن فيه ورقة كانت ناقصة… وإن كل واحد فينا بنى حياته على جزء من الحقيقة.
كريم لف ناحيتها بصدمة.
وماقولتيش ليه؟
ردت وهي بتبكي
لأني كنت فاكرة إن فتح الموضوع هيهد بيوت أكتر.
سكت الجميع.
وفجأة…
دخل شاب صغير لابس بدلة موظفي الأرشيف، وهو بيجري.
دكتور… لقينا الحاجة اللي كنا بندور عليها.
كل الأنظار اتجهت ناحيته.
كان ماسك فلاشة إلكترونية قديمة، ومحطوطة في كيس حفظ الأدلة.
قال وهو بيلهث
دي كانت جوه درج مكتب اتشال من سنة… وعليها نسخة إلكترونية من كل التقارير اللي اتعملت في الأسبوع اللي سبق الطلاق.
مدير المعمل أخذ الفلاشة بحذر.
وبص للمستشار.
ثم قال
لو الملفات عليها النسخ الأصلية… يبقى هنقدر نعرف بالثانية مين استلم كل تقرير… وإمتى… وهل التقرير اتسلّم فعلًا ولا لأ.
كريم شعر ببرودة تسري في جسمه.
لأنه لأول مرة…
ظهر دليل لا يعتمد على كلام أي شخص.
دليل يمكنه أن يكشف كل ما حدث قبل سنة، دقيقة بدقيقة.
لكن قبل أن يضع مدير المعمل الفلاشة في جهاز الكمبيوتر…
انطفأت أنوار الدور كله فجأة.
وسُمِع صوت جهاز الإنذار يدوي في أرجاء المستشفى…
وفي الظلام، سُمِع صوت شخص يقول
أوعوا… الفلاشة!الأنوار انطفت لثوانٍ، والممر كله غرق في ظلام مفاجئ.
الممرضات بدأوا يطمنوا الأطفال، وصوت جهاز الطوارئ كان مالي المكان.
كريمة ثبتت مكانها، بينما المستشار ضم الحقيبة والصندوق بإيده.
وفجأة…
اشتغلت الإضاءة الاحتياطية.
نور أصفر خافت غطّى الممر.
أول حاجة بصوا عليها كانت الفلاشة.
لسه في إيد مدير المعمل.
تنفس الجميع الصعداء.
قال مدير المعمل وهو بيبص حواليه
واضح إن انقطاع الكهرباء كان بسبب اختبار دوري للطوارئ.
لكن كريم كان مركز على حاجة تانية.
سمر.
كانت واقفة بعيد عن المكان اللي كانت فيه من ثواني.
قال لها
إنتِ روحتي فين؟
ردت بسرعة
كنت بهدي ابني.
لكن كريمة لاحظت إن سمر كانت ماسكة في جيب جاكتها بقوة، كأنها خايفة حاجة تقع منه.
المستشار قال
خلينا نخلص.
دخلوا كلهم غرفة الاجتماعات الصغيرة الموجودة آخر الممر.
الغرفة
