وقفو ست

ظل ينظر إلى الشاشة مصدومًا.
لأن الرجل الظاهر في الصورة
لم يكن والدهم.
ولم يكن الشخص الذي توقعوه.
بل كان رجلًا يعمل في إدارة الأمن حتى هذه اللحظة.
وفي نفس الثانية، سمعوا صوت سيارة تبتعد بسرعة خارج المصنع.
قال اللواء
الكل على العربيات!
لكن مارجريت لم تتحرك.
كانت تحدق في الشاشة.
ثم قالت
أنا أعرف هو ليه اختارني أنا.
سألها محمود
ليه؟
قالت
لأن أبويا قبل ما يموت سلّمني حاجة.
نظر إليها الجميع.
إيه هي؟
أجابت
مفتاح تاني.
ثم فتحت حقيبتها ببطء.
وأخرجت مفتاحًا صغيرًا آخر.
وعليه نفس العلامة
النسر ورقم 7 ظل الجميع ينظر إلى المفتاح الموجود في يد مارجريت.
قال محمود بصوت منخفض
إنتِ كان معاكي المفتاح ده كل السنين دي؟
أومأت.
أيوه.
ليه ما قلتيليش؟
نظرت إليه بحزن.
لأني نفسي ماكنتش عارفة هو بيفتح إيه.
اقترب اللواء روبرت.
وأبوكي قالك إيه عنه؟
أجابت
قال لي جملة واحدة بس.
إيه هي؟
قالت
احتفظي بيه ولما تسمعي اسم أخوكي من شخص غريب، ساعتها بس افتحيه.
محمود اتسمر مكانه.
يعني أبويا كان عارف إني هختفي؟
لم تجبه.
فجأة جاء صوت من خارج الغرفة.
لو عايزين الإجابة عندكم عشر دقايق.
التفت الجميع.
ثم انطفأت الأنوار.
صرخ أحد الضباط
مين هناك؟!
لا رد.
أضاء مايكل مصباح هاتفه.
وفي ضوء الهاتف ظهرت ورقة ملقاة على الأرض.
انحنى والتقطها.
كانت عليها خريطة للمصنع.
وفي أسفلها دائرة حول غرفة بعيدة.
قال اللواء
إيه المكان ده؟
أجاب محمود
المخزن القديم.
سألته مارجريت
كان بيتخزن فيه إيه؟
ملفات.
نظر اللواء إليه.
ملفات إيه؟
قال
ملفات الشركة وحساباتها القديمة.
دانيال قال
يبقى لازم نروح هناك.
لكن مارجريت أمسكت بذراعه.
استنى.
نظر إليها.
أشارت إلى الخريطة.
هو عايزنا نروح هناك.
قال اللواء
وده معناه إنه بيجهز لنا فخ.
ردت
أيوه.
ثم ابتسمت لأول مرة.
بس الفخ ممكن نستخدمه لصالحنا.
نظر إليها اللواء باهتمام.
إزاي؟
قالت
نخليه يفتكر إننا هننفذ اللي هو عايزه.
محمود فهم فورًا.
ونخليه يظهر.
أومأت.
بالضبط.
اتفق اللواء معهما، ووزع الضباط حول المكان.
ثم تحركت مارجريت ومحمود ناحية المخزن.
لكن قبل ما يفتحوا الباب
سمعوا صوت رجل من الداخل
كنت عارف إنك هتيجي يا محمود.
تجمد محمود.
قالت مارجريت
إنت تعرفه؟
هز رأسه.
الصوت ده
ثم أكمل
ده صوت الشخص اللي كان معايا ليلة الحادث.
فتح الباب.
دخلوا.
كانت الغرفة مليئة بصناديق قديمة.
وفي المنتصف كان هناك كرسي واحد.
وعلى الكرسي
كان ظرف أبيض.
اقتربت مارجريت.
فتحته.
وجدت داخله صورة قديمة لها وهي طفلة.
وخلف الصورة جملة مكتوبة بخط يد والدها
الحقيقة أحيانًا بتكون أخطر من الكذبة.
تحتها رقم
27
قال محمود
رقم خزنة.
نظر اللواء حوله.
فين الخزنة؟
بدأوا البحث.
وبعد لحظات وجدها مايكل خلف أحد الرفوف.
كانت خزنة حديدية صغيرة.
على بابها نفس علامة النسر ورقم 7.
أخرجت مارجريت المفتاح الثاني.
وأدخلته في القفل.
لكن قبل أن تديره
رن هاتف دانيال.
نظر إلى الشاشة.
كان رقمًا مجهولًا.
رد.
جاء صوت هادئ
ابعدوا عن الخزنة.
تجمد.
سأل
مين إنت؟
رد الرجل
الشخص اللي لو فتحتوا الخزنة هتندموا.
أغلق دانيال الهاتف.
قال اللواء
ماذا قال؟
أخبره.
لكن مارجريت لم تتراجع.
قالت
يبقى الخزنة فيها اللي إحنا بندور عليه.
أدارت المفتاح.
صدر صوت معدني.
وانفتح الباب.
داخل الخزنة كان هناك ملف واحد فقط.
لا أموال.
لا مجوهرات.
لا مستندات كثيرة.
ملف بني صغير.
أمسكته مارجريت.
وعندما فتحته
وجدت أول صفحة تحمل اسمًا واحدًا.
اسم والدها.
وتحت الاسم مباشرة كانت هناك صورة قديمة.
لكن المفاجأة لم تكن في الصورة.
كانت في التاريخ المكتوب أسفلها.
الصورة ملتقطة بعد التاريخ المعلن لوفاة والدها بعام كامل.
محمود همس
أبويا كان عايش.
مارجريت لم ترد.
كانت تقلب الصفحات بسرعة.
ثم توقفت.
آخر صفحة كانت تحتوي على جملة واحدة
لو وصلتِ للملف، يبقى محمود رجع.
رفعت رأسها.
وفي اللحظة نفسها
انغلق باب المخزن من الخارج.
ثم سُمع صوت القفل.
صرخ مايكل
إحنا اتقفل علينا!
بدأ الضباط يحاولون فتح الباب.
لكن مارجريت ظلت واقفة أمام الملف.
ثم قالت بهدوء
مش هو اللي قفل علينا.
نظر إليها محمود.
أمال مين؟
أشارت إلى آخر سطر في الملف.
كان مكتوبًا
لأن الشخص الموجود معكم الآن هو اللي هيفتح الباب.
نظر الجميع إلى بعضهم.
وفجأة
توقفت أنظار مارجريت عند شخص واحد.
الشخص الذي لم يتكلم منذ دخلوا المخزن.
الشخص الذي كان يقف خلفهم طوال الوقت.
رفعت مارجريت عينيها إليه وقالت
إنت.
تغير وجهه.
وأغلق الباب من الداخل ببطء.
ثم قال
أخيرًا عرفتي اتسعت عينا مارجريت.
كان الرجل الذي اتهمته واقفًا أمامها بهدوء.
رفع يديه وقال
اسمعيني الأول.
صرخ مايكل
ابعد عن الباب!
لكن مارجريت أوقفته.
استنى.
نظر إليها الرجل وقال
أنا مش اللي عمل كل ده.
سألته
أمال إنت كنت بتعمل إيه؟
أخرج من جيبه تسجيلًا صغيرًا وقال
كنت بحاول أوصل للحقيقة قبلك.
شغّل التسجيل.
جاء صوت رجل واضح
مارجريت لازم تفضل بعيدة عن الملف.
ثم جاء صوت آخر
ولو محمود ظهر؟
رد الصوت
ساعتها نستخدم العربية ونخلي الشرطة تمسكها.
ساد الصمت.
كان التسجيل يحتوي على أوامر واضحة بتلفيق التهمة لمارجريت.
لكن مارجريت لم تكتفِ بذلك.
فتحت الملف الذي وجدته في الخزنة، ووجدت داخله مستندات تثبت أن الحسابات والشركات الوهمية لم تكن باسمها أصلًا، وأن شخصًا آخر كان يستخدم بياناتها دون علمها.
ثم وجدت ورقة أخيرة.
كانت موقعة باسم والدها.
وجاء فيها أنه اكتشف شبكة فساد كبيرة قبل وفاته، وأنه أخفى الأدلة في الخزنة، لكنه لم يستطع كشفها بنفسه.
أما محمود
فكان قد نجا من الحادث، واختفى بعدما عرف أن الأشخاص المتورطين كانوا يبحثون عنه.
نظر محمود إلى أخته وقال
كنت عايز أحميكي.
اقتربت منه مارجريت والدموع في عينيها.
بس أنا كنت محتاجة أخويا مش بطل مجهول.
ابتسم محمود بحزن.
عارف.
في الخارج، كان اللواء قد نجح في فتح باب المخزن.
ودخلت قوة من الضباط.
تم القبض على الشخص المسؤول عن التخطيط للعملية، وبعد التحقيق ظهرت بقية الأسماء، وانكشفت شبكة التزوير التي استغلت بيانات مارجريت لسنوات.
أما مايكل ودانيال
فوقفا أمام مارجريت وهما يشعران بالخجل.
قال مايكل
أنا آسف.
وأضاف دانيال
إحنا ظلمناكي.
نظرت إليهما مارجريت وقالت
اللي حصل لي النهارده كان إهانة لكن أهم حاجة إنكم تتعلموا.
ثم نظرت إلى اللواء.
ما تحكموش على الإنسان من عربيته، ولا من سنه، ولا من شكله.
أومأ اللواء.
وبعد أيام، تم إسقاط كل الاتهامات عنها رسميًا، وعادت سيارتها إليها.
لكن مارجريت لم تنسَ ما حدث.
بل طلبت أن تُفتح تحقيقات في طريقة توقيفها، حتى لا يتكرر الأمر مع أي شخص آخر.
أما أخوها محمود
فقرر أخيرًا أن يعود إلى حياته الطبيعية.
وبعد سنوات طويلة من الغياب، دخل معها بيت العائلة من جديد.
وقفت مارجريت أمام صورة قديمة لوالديهما.
ثم قالت
أخيرًا رجعنا كلنا.
ابتسم محمود.
لسه ناقص حاجة.
نظرت إليه.
فأخرج من جيبه المفتاح القديم الذي بدأت به كل الحكاية.
وقال
ده مكانه هنا.
ووضعه بجوار صورة والدهما.
ثم أُغلقت القضية.
أما مايكل ودانيال، فتحولت الواقعة بالنسبة لهما إلى درس لم ينسياه طوال حياتهما
ليس كل من يقود سيارة فاخرة لصًا، وليس كل شخص بسيط ضعيفًا، وليس من حق أحد أن يحكم على إنسان قبل أن يعرف الحقيقة.
وفي اليوم التالي
كانت مارجريت تقود سيارتها في نفس الطريق الذي أوقفها فيه الضابطان.
مرّت بجوار المكان.
ابتسمت.
ثم قالت لنفسها
قالوا إني هفتكر الغلطة دي طول عمري
وضغطت على دواسة البنزين بهدوء.
لكن الحقيقة إنهم هما اللي عمرهم ما هينسوا اليوم ده.
