لعبه النسب

الفصل الاول
إسكندرية في شهر سبتمبر كانت عاملة زي ما تكون مدينة اتنست طول الليل في حوض مليان مايه رمادية. المطر مغبش الشبابيك. الشجر اللي على طول الشارع الهادي بتاعي قريب من البحر كان ثابت ومضلم، فروعه المبلولة مايلة ناحية الرصيف، وشقتي الصغيرة اللي أجرتها بعد الطلاق كانت عاملة زي ملجأ بنيته من التعب، والخوف، وعزة النفس الصافية.
بقلم انجي الخطيب
من خمس أيام، ولدت قيصري.
ابني كان نايم في سريره الصغير جنب الكنبة، متلفف ببطانيتين ناعمين وطبقة من القلق اللي مكنتش قادرة أتخلص منها أبداً. سميته ياسين. في ورق المستشفى، اسمه كان لسه مكتوب بالرصاص طفل ذكر، بس في قلبي كان ياسين مازن الشناوي، رغم إني مكنتش لسه قررت إذا كان هيشيل اسم أبوه في الورق الرسمي ولا لأ.
جه للدنيا قبل ميعاده بعشر أيام، أحمر وصغير وضعيف بشكل يخوف، بشرته شبه شفافة، وصوابعه مش أكبر من عيدان الكبريت. دكتور الأطفال اتكلم بنبرة هادية بس حاسمة. دفيه كويس. امنعي الزيارات. راقبي الصفرا. تابعي كل رضعة. مفيش خروج من البيت من غير لزوم. مفيش زحمة حواليه. ومفيش شيل وحط عمال على بطال.
الكلام بيبقى سهل لما دكتور مرتاح يقوله تحت إضاءة المستشفى القوية.
بس مبيبقاش سهل خالص الساعة تلاتة الفجر لما جرح الولادة يكون بيحرقني كأنه سلك نار تحت جلدي، ولما أكون دايخة من نزيف الدم وقلة النوم، ولما صدري يكون واجعني، ولما ياسين يأن في نومه وكل صوت صغير يخليني أنطر من مكاني عشان أتأكد إنه لسه بيتنفس.
أنا عديت بوجع الطلق لوحدي. مضيت إقراراتي بنفسي. ضغطت بإيدي على سور سرير المستشفى لما الانقباضات بقت شرسة. لا زوج. ولا عيلة من ناحيته. ولا تليفون بيرن باهتمام من الراجل اللي وعدني زمان إنه مش هيسيبني أشيل الأيام الصعبة لوحدي.
مازن الشناوي طلقني من ست شهور بنفس الكفاءة الباردة اللي بيستخدمها في شغله.
خلينا نقف لحد هنا، قالها في مكتب المحامي، وهو بيظبط أسورة قميصه في الوقت اللي حياتي كلها كانت بتتشق نصين قدامي. ده أحسن لينا إحنا الاتنين.
في كلام بيبان عقلاني ومنطقي، بس بيفضل يهد فيك.
مشاني وسابني ببدلته المتفصلة بالملي، ووقفته المظبوطة، وتوقيته المثالي. وقتها، كنت حامل ومكنتش أعرف. ولما عرفت، أخدت القرار اللي حتى دلوقتي في ناس ممكن تسميه قسوة، أو أنانية، أو تلاعب، أو جنون.
مقلتلوش.
مش عشان أنتقم.
عشان كنت مرعوبة.
مرعوبة يبص للبيبي على إنه عقبة، أو الأسوأ، التزام لازم يتدبر. مرعوبة إن عيلته الغنية تعتبر ابني وريث ليهم، ويعاملوني أنا كأني مجرد وعاء مؤقت جابله الولد. مرعوبة إن مازن يرجع بدافع الواجب مش الحب، ويمشي تاني أول ما الواجب ده يبقى تقيل عليه.
أنا اتخلي عني مرة. ومكنتش هبني حياة ابني على كلمة يمكن.
عشان كده اختفيت.
عزلت لشقة صغيرة في شارع جانبي مليان شجر وتاريخ. غيرت رقمي. قصرت شغلي في التصميم على الشغل عن بُعد. اشتريت هدوم أطفال مستعملة ومتقفلة بعناية، ومقلتش لأي حد أي حاجة إلا مروة.
مروة كانت أعز صاحبة ليا وأقرب حاجة ليا للعيلة.
كانت فاتحة كافيه صغير بيبيع فطار الصبح ووجبات غدا بعد الضهر، وعايشة حياتها كأنها ست شايلة تلات سيوف مخفية طول الوقت.
