هنشوف وحاضر

جوزي كان كل ما أطلب منه يشتري حاجة للبيت يقول لي هنشوف ،لكن الغريب إن أمه لما كانت تطلب منه نفس الحاجة، كان يرد عليها فورًا
حاضر.
في الأول كنت بقول يمكن هو شايف طلباتها ضرورية أكتر.
مرة قلت له
محتاجين مروحة جديدة للأوضة، القديمة باظت.
رد وهو ماسك موبايله
هنشوف.
استنيت أسبوع.
وبعدين أسبوع تاني.
وفي يوم حماتي قالت له وهي قاعدة معانا
التكييف عندي محتاج صيانة.
قال لها فورًا
حاضر يا أمي، بكرة أبعت حد.
بصيت له.
ما علقتش.
بعدها طلبت منه يجيب شوية حاجات ناقصة للمطبخ.
قال
هنشوف لما الدنيا تروق.
لكن تاني يوم، حماتي طلبت منه طقم حلل جديد.
قال
حاضر.
وفعلًا جابه لها.
بدأت أحس إن كلمة هنشوف بقت معناها الحقيقي
مش مهم.
لكن حاضر معناها
طلبك عندي أهم.
وفي مرة، قلت له
إحنا ناقصنا حاجات كتير.
قال
اكتبيهم وأنا أشوف.
كتبت له قائمة صغيرة.
حاجات للبيت، مش رفاهيات.
مناديل.
لمبات.
مفرش جديد.
بعض أدوات المطبخ.
وحاجات ناقصة للحمام.
حطيت الورقة قدامه.
بص عليها وقال
هنشوف.
المرة دي ما قلتش حاجة.
أخدت الورقة من قدامه وقطعتها.
بصلي باستغراب.
بتعملي إيه؟
قلت
ولا حاجة.
ومن يومها بطلت أطلب.
لو حاجة خلصت، ما أقولش.
لو حاجة باظت، أحاول أصلحها.
لو حاجة ناقصة، أتصرف على قد إمكاني.
حتى الحاجات اللي كنت محتاجة أجيبها لنفسي، بطلت أطلبها.
كنت
مستنية أشوف هو هياخد باله ولا لأ.
مر شهر.
وبعدين شهرين.
البيت بدأ فعلًا يبان ناقص.
مفيش لمبات كفاية.
بعض الأدراج بقت مکسورة.
المطبخ ناقص حاجات أساسية.
حتى ستارة الحمام القديمة بدأت تتقطع.
وفي يوم رجع جوزي من الشغل، دخل المطبخ وبص حواليه.
قال
هو إحنا ليه ناقصنا حاجات كتير كده؟
بصيت له وقلت
مش عارفة.
قال
يعني إيه مش عارفة؟
قلت
زي ما قلتلك قبل كده هنشوف.
سكت.
بصلي شوية.
وبعدين قال
إنتِ بتتريقي عليا؟
قلت
لا. أنا بس بقيت بستخدم نفس إجابتك.
دخل الأوضة.
وبعد شوية رجع.
قال
إنتِ من إمتى وإنتِ مش بتطلبي حاجة؟
قلت
من يوم ما فهمت إن طلباتي بتتحط في خانة هنشوف.
فضل ساكت.
وبعدين قال
يعني إنتِ كنتِ بتطلبي وأنا مش باخد بالي؟
ضحكت بحسرة.
إنت كنت بتاخد بالك كويس جدًا.
في اللحظة دي، تليفونه رن.
كانت أمه.
رد عليها.
سمعنا صوتها بتقول
ابني، أنا محتاجة الغسالة تتغير.
رد فورًا
حاضر يا أمي، بكرة تكون عندك.
بصيت له.
وقلت بهدوء
شايف؟
قفل المكالمة.
ولأول مرة، ما عرفش يرد.
بعدها بيومين، رجع البيت ومعاه أكياس كتير.
حاجات البيت كلها اللي كنت بطلبها من شهور.
حطهم قدامي وقال
أنا آسف.
قلت
آسف على إيه؟
قال
على إني كنت شايف طلبات أمي احتياجات وطلباتك كماليات.
سكت شوية، وبعدين أضاف
بس في حاجة أنا اكتشفتها النهارده.
بصيت له.
قال
ماما مش بس كانت بتطلب مني حاجات أكتر منك دي كانت بتسألني كل مرة إنتِ طلبتي إيه.
اتجمدت.
قلت
وبعدين؟
طلع موبايله وفتح رسالة قديمة من أمه.
وقرأها قدامي.
كل ما تطلب حاجة، ما تشتريهاش فورًا خليها تتعود إن بيتها مش أولوية.
رفعت عيني له.
وسألته
هي كانت بتعمل كده من إمتى؟
بص في الأرض.
وبعدين قال جملة خلتني أفهم إن المشكلة ما كانتش في كلمة هنشوف أصلًا
من أول شهر في جوازنا.
كانت الكلمات اللي قالها زوجي كأنها صاعقة نزلت على راسي. من أول شهر في جوازنا؟ يعني من أول يوم دخلنا فيه البيت مع بعض، وهي كانت بتحط خططها؟ كانت بتنسج خيوطها حول حياتنا خطوة بخطوة، وأنا كنت عايشة في براءتي، مش حاسة بشيء، مش شايفة غير إن زوجي بيختلف في رد فعله بيني وبينها، وقلبي كان بيقول لي يمكن طبيعي، هي أمه، لها حقها ومكانتها.. وكل يوم كان بيعدي، وأنا بتراجع خطوة لورا، مش عارفة إن اللي بيحصل مش مجرد تفضيل.. بل كان مخطط مدروس من أول ليلة.
سكتُّ طويلًا. ما عرفت أتكلم. كلمات من أول شهر في جوازنا كانت بتدور في راسي كأنها جرس بيقرع بكل قوته. يعني كل دمعة نزلت من عيني من كتر ما كنت استنى طلباتي تتحقق.. كل مرة كنت أرد نفسي وأقول يمكن هو مش
معاه فلوس، يمكن هو مش فاضي، يمكن أنا بطلب حاجات كتير.. كل ده كان وهمًا. السبب مش ظروف، مش ضيق الحال، مش انشغال.. السبب إنها هي كانت بتأمره. كانت بتقول له لا تشتريلها، خليها تحس إنها مش مهمة.. وهو كان يطيعها. طيعها شهرًا.. وسنة.. وسنين.
رفعت عيني له أخيرًا. صوتي كان مخڼوق، بالكاد يطلع
وأنتَ.. كنت تعرف؟ كنت تعرف إنها بتقولك كده من زمان؟
نظر إلى الأرض، كأنه خجلان يرفع عينيه في عيني. صوته كان خافتًا، مكسورًا
عرفت النهارده.. كنت فاكر إن ده طبعي فيها، إنها دائمًا محتاجة فأنا ألبي طلباتها فورًا.. وكنت فاكر إن طلباتك إنتِ مش مستعجلة، إنك هتصبرين.. لأنك زوجتي، لأنك هتفهمي.. ما كنتش أعرف إنها كانت بتخطط لده. ما كنتش أعرف إنها بتقارن بينا طول الوقت. كل ما أروح لها، تسألني هي طلبت منك إيه؟.. وكنت أقولها. فتقول لي أمها دلعتها، مش عارفة قيمة القرش، خليها تتعلم الصبر.. وصدقتها. صدقتها يا رقية.. وكنت أظلمك من غير ما أدري.
دمعة نزلت من عيني، مسحتها بسرعة قبل ما يشوفها. قلت له بصوت هادئ لكنه محمل بكل ۏجع السنين
والمشكلة مش في إنك صدقتها.. المشكلة إنك شفتني بصبر شهورًا وشهورًا، وما سألتنيش يوم إنتِ محتاجة حاجة ضرورية؟.. المشكلة إنك كنت تعطيني كلمة هنشوف وأنت عارف إن الحاجة ناقصة، وإنك تروح لها تقول حاضر وهي بتطلب ما هو غير ضروري.. وكنت تقارن في بالك بين صبري وطلباتها، وتقول هي صابرة يبقى مش محتاجة.. ما فكرتش يوم إن صبري كان عشانك.. عشان ما أضايقك، عشان ما أكون زي ما هي قالت عليّ.
رفع رأسه بسرعة، عينيه كانت مليانة دموع
لا تقولي كده.. أرجوكِ. أنا كنت أعمى. كنت أعمى عن
لمحة نيوز
