هنشوف وحاضر

بدأت تغير أسلوبها.. لم تعد تطلب منه مباشرة وتقارن، بل بدأت تستخدم أسلوبًا آخر.. أسلوب الشفقة والمړض والاحتياج المفاجئ.
في يوم، اتصلت به تبكي وتقول إنها مريضة جدًا وتحتاج لمن يبقى معاها وتشتري لها أدوية ومستلزمات. ذهب إليها فورًا.. وأنا قلت في نفسي طبيعي، هي مريضة، ولابد أن يخدمها. لكنه عاد في نفس اليوم ومعه كل ما طلبته، وأخبرني أنها بخير ولو كانت مريضة قليلًا، وسيبقى يتابع حالتها بنفسه دون أن يضطرني لشيء.. وسيقسم وقته بيننا بعدل.
مر أسبوع.. واتصلت به مرة أخرى تقول إنها تحتاج لترميم جزء من بيتها. قال لها حاضر يا أمي، سأرسل من يقوم بذلك، وسأتابع التكاليف وأدفعها بنفسي. ثم أضاف بهدوء لكن اعلمي أن لي بيتًا ومسؤولية، ولن أستطيع أن أكون موجودًا طوال الوقت، ولن أستطيع أن أُنفق أكثر من طاقتي في وقت واحد.
وكانت المفاجأة.. إنه فعلاً قسم ماله ووقته بعدل. لم يحرمنا من شيء في بيتنا لكي ينفق عندها.. ولم يؤخر طلباتنا لكي يلبي طلباتها. وكلما حاولت أن تضغط عليه بأسلوب العاطفة، كان يرد عليها باحترام لكن بثبات.. يخدمها وينفق عليها بقدر ما يستطيع، لكنه لا يظلمني ولا يظلم بيته من أجلها.
وكان هناك موقف صعب جدًا جاء فيه الاختبار الحقيقي.
كان يوم عيد.. ذهبنا لزيارتها كالمعتاد. جلسنا معها، وقدمت لنا الطعام.

. ثم بدأت تتكلم وتقول بصوت مسموع لابنها وكأنني لست موجودة
يا ولدي.. أنا خاېفة عليك من المستقبل. فيه ناس لما تاخدك وتملك قلبك، تنساك أهلك وتبدأ تاخد كل ما عندك وتدّعي أنها محتاجة.. وأنا قلت لك من زمان انتبه، ولا تجعل طلبات البيت تُلبي قبل طلبات أمك التي ربتك.. واليوم شفتك غيرت رأيك فجأة، فأتمنى ما تكونش وقعت تحت تأثير كلام حد..
رفعت عينيّ ونظرت إليه. انتظرت رده بقلبي يخفق بقوة. هل سيسكت؟ هل سيرد عليها بكلمة تُرضيها وتجرحني؟
نظر إليّ أولاً، ثم الټفت إليها وقال بصوت واضح يملأ المكان
يا أمي.. رقية لم تتكلم بكلمة واحدة. ولم تأمرني بشيء. كل ما حدث هو أنني اكتشفتُ خطأً كنت أفعله بنفسي.. خطأ ظلمتُ به زوجتي وبنيتي. ظلمتها حين كنت أجعلها في المرتبة الثانية وهي شريكة حياتي وأم أولادي. وأنا اليوم أصحح هذا الخطأ. فلا تُلمني ولا تُحاولي التدخل في علاقتي معها.. فإني أحبكِ وأحترمكِ، لكني الآن أعرف أين يقع الحق.. والحق أن رقية ليست تانية.. بل هي أولى.
سكتت الأم. لم تتوقع أن يرد ابنها بهذا الوضوح. ونظرت إليّ نظرة طويلة.. وكأنها لأول مرة تراني كإنسانة لها قيمتها ومكانتها، وليست مجرد ضيفة في حياته يمكن تأجيل طلباتها وإهمالها.
منذ ذلك اليوم، تغير كل شيء. توقفت الأم عن محاولة التدخل في شؤون بيتنا. عرفت أن ابنها لم يغير موقفه تأثرًا بزوجته.. بل عرف الحق فاتبعه. وبدأ زوجي فعلاً يوفي بوعوده.. كل ما أطلبه يُلبى إما فورًا أو في أقرب وقت.. لا كلمة هنشوف التي كانت تعني مش مهم.. بل أصبح يقول لي حاضر تمامًا كما كان يقول لها.
ولم يقتصر الأمر على تلبية الطلبات.. بل بدأ يسألني بنفسه هل ناقصكِ شيء؟ هل تحتاجين لشيء في المطبخ؟ هل البيت فيه ما يحتاج لتغيير أو تصليح؟.. وبدأت أشعر بالأمان الذي كنت أفتقده منذ زمن طويل. عرفت أنني لستُ خيارًا ثانيًا.. وأنني لستُ من يُؤجّل طلبه لآخر.. وأن لي مكانًا لا يُنازعني فيه أحد في قلبه.
وفي ليلة من الليالي، كنا نجلس في الصالة بعد أن انتهينا
من ترتيب البيت وتغيير كل ما كان قديمًا ومكسورًا.. قال لي فجأة وهو ينظر إليّ بندم وحب
تعرفين يا رقية.. إن أذكى شيء فعلتيه في حياتك هو أنكِ سكتّم وانتظرتِ.. ولم تتركي الڠضب يأخذكِ ويُفرّق بيننا. لو لم تُظهر لي أنكِ تستطيعين العيش بدوني لفترة.. لما شعرتُ بغيابكِ ولما فهمتُ قيمتكِ. ولما اكتشفتُ الحقيقة.. كادت روحي تخرج من جسدي حين تذكرتُ كم مرة ظلمتكِ فيها.. وكم مرة بكيتِ من أجلي وأنتِ لا تستحقين إلا كل حب واحترام.
مسحتُ على كتفه وقلت له بصدق
المهم أنكَ عرفت في النهاية.. وأن العدل عاد لمكانه. أنا ما كنتش أريد أكثر من أن أحسّ إن لي قيمة عندك.. وإن طلبي له وزن عندك كأي طلب آخر. وما كنتش أريد أن أكون أفضل من أحد.. كنت بس عاوزة أكون متساوية مع الكل.
ضمّني إليه وقال بصوت دافئ
أنتِ لستِ مجرد متساوية.. أنتِ أولاً.. ثم يأتي كل شيء آخر بعدكِ. وسأظل أقولها لكِ طول عمري.. لقد خسرتُ وقتًا طويلاً بجهلي.. وسأحاول أن أُعوّضكِ كل ما فات بكل ما أملك من حب واهتمام.
ومنذ ذلك اليوم.. لم أسمع كلمة هنشوف من فمه أبدًا. ولم أعد أشعر بذلك الفرق المؤلم بين طلباتي وطلبات غيري. فهمتُ في النهاية أن المشكلة لم تكن في قلة ماله.. ولا في كثرة طلباتها.. ولا حتى في صبري وطول بالي.. المشكلة كانت في قرارٍ اتخذه بغير علمٍ.. حين جعل نفسه يُفرّق بين من يحبّه ومن يُربّيه.. وحين صدّق كلامًا لم يكن فيه حقّ.
وأما أنا.. فقد تعلمتُ درسًا غاليًا.. أن الصبر حين يكون بلا حدود قد يُفهم ضعفًا.. وأن الصمت حين يكون بلا كلام قد يُفهم رضا.. وأحيانًا لا بد أن نقطع الورقة ونقف
صامتين وننتظر.. ليرى الطرف الآخر بعينيه ما فقد.. وليعرف بقلبه ما هي قيمتنا حق المعرفة.
واليوم.. حين ينظر إليّ ويقول لي حاضر بكل حب واهتمام.. أدرك أنني لم أكن أطلب يومًا أشياء بذاتها.. بل كنت أطلب شيئًا واحدًا فقط.. أن أكون في قائمته الأولى.. وأن يكون لي في قلبه المكان الذي أستحقه.. وأخيرًا. . وجدتُ مكاني.

الصفحة السابقة 1 2 3

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *