هنشوف وحاضر

كل حاجة. كنت أشوفها أمي اللي ربتني وكرمتني، فما كنتش أتوقع منها إنها تعمل كده. وكنت أشوفكِ.. أشوفكِ هادية، صابرة، ما تطلبينش حاجة بكثرة.. فما حسيتش بوجعك. حتى لما قطعتِ الورقة قدامي، قلت في نفسي هي زعلانة شوية وتصفي.. ما فهمتش إنكِ كنتِ بتقطعين معاها كل أمل كان في قلبك. ما فهمتش إنكِ سكتتِ لأنكِ اكتشفتِ إن الكلام بلا فايدة.
سكت شوية، ثم أضاف بصوت يرتجف
ولما سألتني إحنا ليه ناقصنا حاجات كتير؟.. يومها خفت. بصيت حولي البيت ولقيت كل حاجة محتاجة تصليح، كل حاجة ناقصة.. وفجأة افتكرت كل ده كان موجود في القائمة اللي كتبتيها لي من شهور. وأنا قلت لكِ هنشوف. يومها رجعت من الشغل ومشيت لأمي.. كنت رايح أسألها عن حاجة تانية، بس لقيتها بتتكلم في التليفون مع أختي.. قالت لها بقالها شهور ما طلبت منه حاجة، شفتي؟ قلتلك لو صبر شوية هتسكت وتتعود.. البنت لما تحس إن كلمتها مسموعة بتبقى عالية الراس، خليها تحس إنها تانية.. يومها يا رقية.. يومها الدنيا اتقلبت في عيني. سألتها بصوت عالي إنتِ اللي كتبتي لي الرسالة من أول شهر جوازنا؟.. فاتفاجأت، وأنكرت في الأول.. لحد ما قلت لها إني شفت الرسالة بنفسي.. واعترفت.
سكت هو، وسكتُّ أنا. الريح كانت بتدخل من
الشباك وتحرك الستارة القديمة اللي كنت قلت له نغيرها من شهور. والآن هي جاب كل حاجة.. المروحة، اللمبات، المفرش، أواني المطبخ، حتى ستارة الحمام.. جابها كلها في يوم واحد. كأنها بضعة أشياء تصلح سنين من الظلم.
قلت له بعد صمت طويل
والآن.. إيه اللي عاوزه تعمله؟
قال بسرعة، كأنه خاېف أقطع كلامه
عاوز أصلح غلطي. عاوز أبدأ من جديد. مش عاوزكِ تحسي إنكِ تانية أبدًا. من
اليوم.. طلبكِ أولوية. طلبكِ يأتي قبل أي حاجة. قبل أمي، قبل شغلي، قبل أي حد. وأنا هكلمها.. هقولها لها بكل وضوح مراتي ليها مكانتها عندي، وطلباتها تتلبى قبل أي طلب آخر.. وكل ما بيننا وبينها بيتنا وحياتنا، ما لحد فيها كلمة ولا تدخل.
بصيت له. كلامه كان حلوًا.. صادقًا.. لكن الچرح كان عميقًا. السنين اللي مرت ما تتعوضش ببضعة أكياس ومشاعر متغيرة. قلت له بهدوء
الكلام سهل.. والصعب في الفعل. هي أمك.. وكلنا نعرف إن العلاقة مع الأم مش بتنتهي بكلمة. وإنك كل مرة هتقابلها وهتسمع كلامها.. ويمكن ترجع وتتأثر بيه من تاني. أنا مش عاوزة وعودًا.. أنا عاوزة أشوف فعلًا. أشوفك بتقول لا لها لما تتدخل في ما لا يعنيها. أشوفك بتقول مش هينفع لما تطلبك حاجة في وقت ما يخصك بي. أشوفك بتقف في صفّي لما أكون محقّة.. وحتى لما أكون غلطانة، تكلمني بكل احترام وما تخلّيش حد يكلمني بصفة.
اقترب مني خطوة، ونظر في عينيّ بكل جدية
أنا وعدتكِ.. وإن شاء الله أوفى بوعدي. وهثبت لكِ إنكِ أولى الناس عندي. وإن بيتنا ده ملك لنا ولأولادنا.. وما حد له حق أن يفرّق بيننا أو يضع قواعد لعلاقتنا.
مرت الأيام التالية هادئة. جاب كل ما ناقص البيت، وبدأت أرتبه بنفسي. غيرت اللمبات، ركبت الستارة الجديدة، فرشت المفرش الجديد.. وكل حاجة كانت بتبدو أجمل، لكن في قلبي بقي شيء من الحذر. بيني وبين نفسي كنت أقول هنشوف.. هنشوف لما تيجي أول اختبار حقيقي.
ولم يطل بي الانتظار. بعد أسبوع تقريبًا، جاءت حماتنا لزيارتنا. دخلت البيت وبصت حولها بتركيز.. رأت الأشياء الجديدة، المروحة، الأواني، الستائر.. وتغير لون وجهها تدريجيًا. جلست في الصالة ولم تنظر إليّ، بل وجهت كلامها لابنها وهي تحاول إخفاء ڠضبها
إيه ده يا حبيبي؟ جبت كل ده دفعة واحدة؟ منين جبت الفلوس؟ وما كنتش تقول لي إنك مش فاضي ومش معاك كفاية؟
قال ابنها بهدوء وثبات، وهو يجلس بجانبي ويمسك يدي ببطء
الفلوس موجودة يا أمي.. بس كنت مشغول شوية. وده كل حاجات كانت ناقصة البيت من زمان. رقية كانت تطلبها من شهور وأنا كنت أأجلها.. وده غلط مني. من اليوم، طلبات بيتنا تُلبى فورًا.
اتفاجأت الأم من رده، فسكتت للحظة، ثم حاولت أن تعود لعادتها
ولماذا كل هذا الاهتمام فجأة؟ هي كانت مستعجلة؟ البنت تصبر.. ما كان ضروري كل هذا التبذير..
هنا تدخل زوجي بكل حزم، وقال بصوت لم تسمعه منه من قبل
يا أمي.. اسمعيني كويس. رقية مراتي، وحقوقها عليّ واجبة. وكل ما تحتاجه في بيتها واجب عليّ ألبيه من غير تأخير. وإن كنتِ تحبيني فاحترمي مكانتها عندي. ولا أريد بعد اليوم أن يتدخل أحد في ما يخص بيتنا أو طلبات زوجتي. هذا آخر كلام عندي في الموضوع.
فتحت فمها لتتكلم، لكنه أضاف بلهجة حازمة لطيفة
أنتِ لكِ كل الاحترام والتقدير.. وسأظل ألبي طلباتكِ وأخدمكِ طوال عمري.. لكن ما يخص بيتنا ورقية فلا أحد له كلمة فيه. أرجو أن تفهمي ذلك.
سكتت الأم تمامًا. نظرت إليّ نظرة سريعة، ثم خفضت بصرها. علمت أن ابنها علم كل شيء.. وأن كلامها لم يعد له تأثير عليه. لم تتكلم في الموضوع طوال الزيارة.. وبعد فترة انصرفت وهي صامتة.
لما رحلت، نظر زوجي إليّ وقال شفتِ؟ وعدتكِ وبدأت أفي به.
ابتسمت له لأول مرة بصدق منذ زمن طويل. قلت له شفت.. وشكرًا.
لكن الحكاية لم تنتهِ هنا. فالأم التي أمضت شهورًا وسنين وهي تضع ابنها تحت أمرها، لا
تستسلم بسهولة.
