سر إبراهيم

دخلت المطبخ ورجليا مش شايلاني. الريحة كانت خليط بين مطهرات الرغوة وزفر السمك والمية المغلية، بس المكان كان ساكت سكت يخوف. السكوت اللي بيبقى قبل المصيبة.
الراجل اللي كلمني في التليفون كان واقف جنب حوض الصاج الكحلي الكبيرة. طول وعرض، شعره أبيض مقصوص جاري، ولابس مريلة مطبخ سودا متوسخة هباب وشحم. ده كان عم جابر، صاحب المطعم. كان ماسك في إيده كيس بلاستيك أسود متطبق بطريقة معينة، وعينيه رايحة جاية بين الكيس وبين إبراهيم اللي كان قاعد على كرتونة زيت فارغة في الزاوية، حاطط راسه بين إيديه، وجسمه كله بيلف ويرتعش زي الورقة.
هو فيه إيه يا عم جابر؟ صوتي طلع مبحوح، خرج بالعافية من زوري الناشف. إيه اللي بيحصل هنا؟ وابني ماله؟
عم جابر بصلي بنظرة فيها ميكس غريب بين الشفقة والحدّة. قرب مني بخطوات ثقيلة وحط الكيس على الطاولة الاستانلس اللي في نص المطبخ.
اقعدي يا مدام.. اقعدي وسمي الله.
مش هقعد! صرخت بصوت مكتوم عشان العمال اللي برة. قولي فيه إيه! أنت قلت لي في التليفون إنه حاول يعملها تاني.. حاول يعمل إيه؟ سرقك؟ اتخانق؟ نطقوه يا ناس!
إبراهيم رفع راسه فجأة. وشه كان شاحب زي الملاية البيضا، وتحت عينيه هالات سودا عميقة، ودراعه اليمين المفروض إنه ملفوف برباط ضاغط كان نازل جنب جسمه مرخي، والرباط مفكوك وبيدلى منه طرف على الأرض.
أنا مسبتش حاجة يا أمي.. صوت إبراهيم خرج واطي، مكسور. والله ما سرقت حاجة.. الفلوس دي بتاعتي.. أنا اللي جمعتها.
عم جابر ضرب كف بضهر كف، وطلع نفس طويل سخن. بتاعتك منين يا إبراهيم؟ منين يا ابن الناس؟ أنت بقالك تلات شهور بتاخد مني في الأسبوع كارتين أو تلاتة شحن، وأجرتك يوم السبت والأحد متمشيش الواد من باب المطبخ للموقف! منين معاك أربعتلاف جنيه ورق جديد نوفي في الكيس ده؟ ومنين معاك الأظرف دي؟
عم جابر فتح الكيس وطلع منه دفتر صغير جلده أسود ومهرود، وشوية أوراق متطبقة أرباع، ورسايل مكتوبة بخط إيد ملخبط، ومعاهم علبة كرتون صغيرة ملفوفة بسترينش شفاف.
قلبي كان بيبصم في صدري زي الطبلة. قربت من الطاولة ويمد إيدي بترعش. مسكت الأوراق. كانت أظرف بوسطة قديمة، ومكتوب عليها من برة بخط رديء بس واضح إلى الأستاذ.. مقابل الخدمة.
إيه ده؟ بصيت لإبراهيم. إيه الأظرف دي يا إبراهيم؟ الفلوس دي بتجيبها منين؟ أنت شغال إيه بالظبط؟
إبراهيم غمض عينيه وقفل بؤه تماماً. الرفض التام إنه يتكلم. الحركة دي أنا حافظاها فيه من وهو صغير.. لما ينحسر في زاوية، يقفل ملامحه ويعمل نفسه مش موجود.
مش عايز تتكلم؟ عم جابر هو اللي اتكلم، وصوته كان مليان مرارة. طب أنا هقولك يا مدام.. ابنك بقاله شهرين بيطلع من هنا الساعة ستة، ما بيروحش البيت على طول.. ابنك بيروح حتة اسمها الخربة ورا الترعة القديمة.. عارفة بيعمل إيه هناك؟
نظرت لعم جابر، ريقي ناشف ومش قادرة أرد.
الواد اللي اسمه سليم.. الصايع اللي بيلف بموتوسيكل من غير نمر في المنطقة.. ابنك بيشتغل عنده!
سليم؟! الصدمة نزلت عليا زي المية الساقعة. سليم ده مسجل خطر في الحي بتاعنا، كل الناس عارفة إنه شمال، بيلف على العيال الصغيرة يخليهم ينقلوا أكياس وحاجات مشبوهة مقابل قرشين.
لأ! إبراهيم صرخ وقفز من على الكرتونة. لأ يا أمي والله لأ! عم جابر فاهم غلط! أنا مش بشتغل مع سليم في الشِمال! والله العظيم ما شِمال!
أومال إيه ده يا بيه؟ عم جابر زعق وهو بيشاور على الأظرف. الأظرف دي فيها فلوس ناس! والواد سليم جه هنا المطبخ من أسبوع يسأل عليك ويهددك! أنا شفته بعيني وهو بيزقك عند باب المطبخ الخلفي ويقولك لو الفلوس مانزلتش الجمعة دي هعرف أوصل لأمك!
أنا دماغي دارت. الدنيا لفت بيا والحيطان الاستانلس بتاعة المطبخ بدأت تتطبّق عليا. مسكت في حرف الطاولة بكل قوتي عشان ما أقعش.
إبراهيم.. بصيت له وعيني مليانة دموع. الراجل ده بيقول إيه؟ أنت بتتعامل مع سليم؟ الفلوس دي عشان كده؟ عشان كده ايدك اتكسرت الشاطر المرة اللي فاتت وقلت لي وقعت في الترعة؟ سليم اللي ضربك؟
إبراهيم مسح دموعه بظهر إيده شمال، وشه كان مليان غضب وخوف. سليم ملمسنيش! أنا وقعت فعلاً من على العجلة وأنا بهرب منه!
بهرب منه ليه؟! زعقت بكل صوتي، لدرجة إن العمال في الصالة برة سكتوا. بتشيل إيه لسليم؟ بتوصل إيه؟ بتبيع إيه يا إبراهيم؟
إبراهيم قعد تاني على الكرتونة، وحط إيديه على وشه وبدأ يعيط بصوت عالي. عياط عيل صغير مش طالب في عدادي. عياط واحد شايل شيلة أكبر من سنه بكتير.
عم جابر هدي شوية، وقرب مني وقال بصوت واطي يا مدام.. أنا لما كلمتك كنت فاكره بيسرق من المطعم، بس لما فتشت شنطته ولقيت الأظرف دي والجلدة السودا، وقبل ما تتصلي بيا بخمس دقايق، لقيته واقف عند سور المطبخ برة بيحاول يرمي الكيس ده في الزبالة بتاعة الشارع عشان يتخلص منه.. كان بيحاول يضيع الدليل لأن سليم كان واقف على أول الشارع بيستناه.
سكت عم جابر، وبص لإبراهيم بأسى. الواد ده يا مدام بيحرق في نفسه عشان حاجة غريبة.. أنا فتحت الدفتر الأسود ده وقريت اللي فيه.. وأظن أنتِ لازم تقريه بنفسك.
مديت إيدي وأخدت الدفتر الأسود
