سر إبراهيم

لمحة نيوز

الصغير. كان دفتر مذكرات جيب رخيص، ورقه أصفر ومكسر. فتحت الصفحة الأولى.. الخط كان خط إبراهيم المكسر اللطيف.
قريت أول سطر
12 يناير العربية اللاندكروزر السودا موديل 2018.. سعرها مستعمل في السوق حوالي 850 ألف. لو اشتغلت في المطعم هاخد 200 جنيه في الأسبوع.. محتاج 4250 أسبوع عشان أجيبها.. يعني حوالي 80 سنة. ده ينفعش.
قلبت الصفحة..
15 فبراير لقيت طريقة تانية. الأستاذ سامح بتاع المحمول محتاج حد ينقل أجهزة بين المحلات من غير ما يدفع شحن. الكارتة ب 50 جنيه. سليم قال لي لو نقلت له بضاعة معينة هاخد 200 جنيه في المرة. أنا قلت له لأ في الأول.. بس لما شفت أمي بتعيط وهي بتتكلم في التليفون مع خالتي وبتقول إنها مش عارفة تسدد مصاريف علاج جدي ولا أقساط الجمعية.. عرفت إن العربية مش ليا.
عيني اتسمرت على الكلام. قلبي اتعصر. كملت قراية والدموع بتغطي عينيا
20 مارس أنا مش عايز العربية. أنا كنت ببرر لنفسي بس عشان أقف قدام الشباك وأحلم. بس أمي بتشتغل 12 ساعة في اليوم وعينيها بتمشي دموع كل ليلة من الصداع. دكتور العيون قال محتاجة عملية مياه بيضا ونظارة معينة ب 15 ألف جنيه. وأمي بتقول كل شيء تمام زي ما أنا بقول لها بالضبط. احنا الاتنين بنكذب على بعض.
10 أبريل سليم فاكرني بشتغل معاه. أنا باخد منه الأظرف اللي فيها الفلوس اللي بيكسبها من الحاجات الغلط.. وبدل ما أوصلها للراجل بتاعه في المنطقة التانية.. أنا ببدل الأظرف. باخد الأظرف الفاضية وأحط فيها ورق، والفلوس الحقيقية بحطها في الدفتر عشان أدفعها لمركز العيون من غير ما أمي تعرف.. بس سليم بدأ يشك.. واليوم اللي وقعت فيه من على العجلة، سليم كان بيجرى ورايا بالموتوسيكل وكان عايز ياخد الشنطة.. رميت العجلة في الترعة ونطيت في الغيط عشان أهرب منه.. دراعي اتتنى بس الفلوس فضلت معايا.
قفلت الدفتر.
المطبخ كان ساكت تماماً. عم جابر كان باصص للأرض، وإبراهيم كان حاطط راسه بين ركبه وعياطه مكتوم.
أنا كنت واقفة مش حاسة برجليا. كل الألغاز اللي اتجمعت في الست شهور اللي فاتوا اتفكك في لحظة واحدة.
الولد اللي عنده 13 سنة.. اللي كنت فاكراه مراهق طماح عايز يركب عربية شيك ويتباهى بيها قدام أصحابه.. الولد اللي كنت بزعق له عشان بيرجع هدومه متبهدلة طين وثلج.. الولد اللي كنت فاكراه بيكذب عليا لما يقول أنا وقعت في الترعة.. كان بيشيل عني حمْل جبل. كان بياخد مخاطرة تدمره وتودي بيه في داهية عشان بس يجمع فلوس عملية عيني اللي كنت بأجلها كل شهر عشان أكفي مصاريف البيت والأكل والشرب.
إبراهيم.. صوتي خرج حشرجة.
قربت منه، قعدت على الركبتين قدامه على الأرض المتوسخة بتاعة المطبخ. مسكت إيديه الاثنين السخان اللي بيرتعشوا.
يا حبيبي.. يا ابن عمري.. أنت عملت إيه؟
إبراهيم رفع راسه، عينيه كانت حمرا زي الدم، وشفت الشفايف اللي بترتعش. يا أمي.. أنا آسف.. أنا عارف إن السرقة غلط.. وعارف إن التعامل مع سليم غلط.. بس أنتِ كل يوم بالليل بتدكي عينيكي بإيدك وبتبكي من الوجع وتفهميني إنك كويسة.. أنا كنت عايز أجمع المبلغ وأدفع للمستشفى وأقولك إن شركة التأمين هي اللي دفعت.. كنت عايز أريحك يا أمي.
غمضت عيني وعصرت إيديه في إيديا. تريحني؟ تريحني بأنك تحط نفسك في طريق واحد مسجل خطر زي سليم؟ تريحني بأنك تعرض نفسك للسجن أو الموت؟ يا إبراهيم يا بني.. أنا عيني تروح.. وعمري يروح.. ولا إن خصلة واحدة من شعرك تلمسها حاجة وحشة!
عم جابر قرب منا، وحط إيده الضخمة على كتف إبراهيم. الله يخرب بيت عقلك يا واد يا إبراهيم.. كل ده ساكت ومخبيه؟ طب ما جيتليش ليه؟ ما قلتليش ليه يا ابن الهبلة بدل ما تروح تسلم نفسك لواحد صايع زي سليم؟
إبراهيم بص لعم جابر وهو بيمسح مناخيره بكمه كنت خايف تقول لأمي.. أو تفتكرني بشحت منك.
عم جابر حرك راسه يمين وشمال وهو بيتحسر، وبعدين طلع تليفونه المحمول من جيبه. طب اقفلي الكيس ده يا مدام.. والفلوس دي لازم ترجع لسليم فوراً قبل ما يعملنا مصيبة هنا.. بس مش إبراهيم اللي هيرجعها.
أومال مين؟ سألته وأنا بقوم واقفة بالعافية.
أنا.. عم جابر قالها بصوت صارم. سليم ده عيل صايع وأبوه صاحبي من زمان.. أنا هطلبه دلوقتي يجي ياخد أظرفه وكراتينه ويتفلق.. ولو قرب ناحية الواد ده تاني، قسم بالله لأكون قافل له الدكانة بتاعة أبوه ومسحه من المنطقة.
عم جابر اتصل بالتليفون، وخرج باب المطبخ الخلفي وهو بيزعق في التليفون بصوت حازم يهز الجبال تعالى يا سليم يا ابن معوض عند باب المطبخ.. معاك خمس دقايق وإلا وحياة أمك لأكون طالع على القسم باللي في الكيس!
فضلت أنا وإبراهيم لوحدنا في المطبخ. الريحة بتاعة الزفر والمية المغلية بدأت ترجع لوعيي تاني. بصيت لابني.. لسه صغير، جسمه نحيف، هدومه كبيرة عليه، ودراعه الموجوع ملفوف بطريقة غلط.
قعدت جنبه على كرتونة الزيت. أخدته في حضني. حط راسه في صدري وبدأ يعيط بكاء حقيقي.. بكاء الطفل اللي أخيرًا ساب الحمل الثقيل اللي كان شايله على كتفه الصغير.
سامحني يا أمي..
أنا اللي آسفة يا إبراهيم.. بست راسه وشعره. أنا اللي آسفة إني خليتك تشيل هم

الصفحة السابقة 1 2 3الصفحة التالية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *