سر إبراهيم

أكبر من سنك.. أنا اللي آسفة إني ما لمستش الخوف اللي في عينيك وكل مرة كنت بصدقك لما تقول كل شيء تمام.. حقك عليا يا بني.
بس العملية يا أمي..
ملعون أبو العملية وملعون أبو الفلوس كلها! صرخت بصوت واطي وأنا بحضنه أقوى. ربنا ما بيبقاش حد يا إبراهيم.. الصحة بتيجي وتروح، والفلوس بتيجي وتروح، بس أنت لو جرى لك حاجة أنا أموت.. فاهم؟ أموت!
إبراهيم هز راسه وهو ماسك في بلوزتي بجلده كله.
بعد حوالي عشر دقائق، دخل عم جابر المطبخ تاني. كان وشه أحمر وبينهج، بس الملامح كانت أهدى. حط إيديه في جيبه ووقف قدامنا.
خلاص يا مدام.. البضاعة راحت لأصحابها، وسليم أخد أظرفه وغار في داهية بعد ما أكل حتة علقة كلامية تخلي حبل الغسيل يتكسر تحت رجليه.. وحلفت له لو شفت وشه جنب الواد ده تاني لأكون دافنه أرضه.
أنا مش عارفة أشكرك إزاي يا عم جابر.. صلت بصوت مكسور.
تشكريني إيه يا مدام؟ إحنا إخوات.. والواد إبراهيم ده زي ابني. عم جابر قعد على كرسي خشب قديم وطلع علبة سجائر، بس أفتكر إننا في المطبخ فرجعها جيبه تاني. شوفوا بقى.. الفلوس اللي إبراهيم جمعها بشغله الشريف هنا في المطعم.. دي حقه.. هي حوالي تسعمية جنيه من ساعه ما بدأ.. دول بتوعك يا إبراهيم.
إبراهيم بص لعم جابر ومردش.
وأنا يا سيدي.. كمل عم جابر وهو بيبصلي عندي جمعية مقفولة هتف الشهر الجاي.. 20 ألف جنيه.. هتاخديهم يا مدام تعملي العملية دي بكرة الصبح، وإبراهيم يسددها لي شغل هنا في المطعم بس بشرف وبأصول وفي الصيف بس، ومن غير ما يمس أظرف ولا يروح الخربة تاني.. إيه رأيك؟
بصيت لعم جابر ومش مصدقة. الدموع نزلت من عيني تاني بس المرة دي دموع relief.. دموع الراحة بعد الكابوس.
بس ده كتير يا عم جابر.. إحنا مش قد الدين ده..
ده مش دين يا مدام.. ده استثمار في الواد ده.. عم جابر شاور على إبراهيم. الواد اللي يفكر في أمه بالطريقة دي وهو عنده 13 سنة، ويكون مستعد يضحي بنفسه عشان يخفف عنها الوجع.. ده راجل.. والرجال قليلين اليومين دول.. وأنا يشرفني إنه يشتغل معايا لما يكبر.
إبراهيم رفع راسه وبص لعم جابر، وبعدين بصلي. الابتسامة المكسورة القديمة بدأت تطلع تاني على وشه، بس المرة دي مكنتش ابتسامة كذب.. كانت ابتسامة حقيقية، طالعة من قلبه.
يلا يا مدام.. عم جابر وقف وطبطب على ظهري. روحي خدي ابنك وروحوا البيت.. اربطي له دراعه ده كويس عند الحكيم، وتعالولي بكرة الصبح عشان نتفق على ميعاد المستشفى.
لمينا الحاجات من على الطاولة. إبراهيم أخد الدفتر الأسود الصغير وحطه في جيبه. خرجنا من باب المطعم الخلفي.
الشارع كان ضلمة، والبرد بتاع الليل كان بيلسخ الوش. الشارع كان فاضي تقريباً، ما فيش غير لمبة عمود النور اللي بتنور وتطفي على أول الحارة.
وانا ماشية ومقربة إبراهيم مني، ومسكة إيده السليمة بكل قوتي، مرينا من قدام المعرض اللي في أول الشارع الرئيسي. المعرض اللي فيه العربية اللاندكروزر السودا.
إبراهيم بص للعربية بلمحة سريعة، وبعدين بصلي.
مش زعلان إنك مش هشتريها يا إبراهيم؟ سألته بصوت دافي.
إبراهيم حط راسه على كتفي وهو ماشي جنبي وقال بصوت هادي، أصغر بكثير من الصوت اللي كان بيتكلم بيه من ساعة
العربية كانت مجرد حجة يا أمي.. عشان أعرف أحلم.. بس الحلم الحقيقي إني أشوفك بتشوفيني كويس تاني.. من غير نظارة مقعرة ومن غير صداع.
شديت عليه في الحضن وأحنا ماشيين في الضلمة. الشارع كان بارد، بس جوايا كان فيه دفا غريب.. دفا إني كسبت راجل صغير.. راجل يسوى الدنيا باللي فيها.
روايات_مشيره_محمد

الصفحة السابقة 1 2 3

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *