جوز بنتي أهانها قدام كل الناس في المطعم، وأمرها توطي رأسها وأمه بتضحك وتقول: “أيوه كده.. هي دي طريقة تربية الستات!”.. بنتي قعدت تعيط ودموعها نازلة، بس أول ما وقفت، فهمت إن زمن السكوت خلاص انتهى. العزومة كانت بمناسبة عيد جواز “سلمى” و”شريف” الخامس. عزومة نظمتها حماتها “عفاف” مخصوص عشان تتباهى بالمكان الفخم في الزمالك، وبالأكل الغالي والأسورة الألماس اللي ابنها جابها.. مع إني كنت عارفة كويس إن الأسورة دي اتدفعت من كارت الفيزا بتاع بنتي سلمى! وكنت عارفة كمان إنهم محذرين الويترز إن “الست الكبيرة الهادية دي” ممكن تعمل مشاكل.. عفاف قالتها بصوت عالٍ عشان أسمعها. وفجأة، شريف مال على الترابيزة، وشاور بإصابعه على سلمى وقال بصوت هز المكان: “وطي رأسك وأمـي بتكلمك!” المطعم كله سكت. بنتي سلمى عندها ٣٢ سنة، طبيبة أطفال، وأرق وأحن إنسانة ممكن تقابلها. بس في اللحظة دي، شفتها كأن عندها ٦ سنين.. أكتافها بتترعش، دموعها نازلة على خدودها، وإيديها متجمدة جنب الطبق. وقدامها، أم شريف، عفاف، رفعت كاس العصير وضحكت بشر: “أيوه كده كسر عينها.. أصلها اتدلعت زيادة عن اللزوم!” الناس في المطعم بقوا يبصوا بعيد، وفي ويتر حاول يقرب خطوة بس شريف أداه نظرة رعبته فراجع. شريف كان عريض، ولابس شيك، وصوته العالي بيخلي الجبناء يفتكروا إن قلة الأدب هيبة. أنا كنت قاعدة ساكتة في طرف الترابيزة بقالي ٢٠ دقيقة بستحمل إهانات وتريقة متغلفة في شكل “هزار عائلي”. عفاف بتتريق على لبس سلمى، وطبيخها، ومرتبها، وحتى طريقة مسكتها للشوك والمفتاح. وشريف بيقطع كل كلمة سلمى تحاول تقولها. وفي كل مرة، بنتي كانت بتبصلي بعينين فيها رجاء واحد: عشان خاطري يا ماما بلاش تعملي مشكلة. . عشان كده استنيت. وشريف افتكر سكوتي خوف أو ضعف. بصلي وقال بغرور: “أنتِ اللي معرفتيش تربيها على احترام الرجالة!” طويت المنديل بتاعي بهدوء وحطيته جنب الطبق. قلتله بصوت ثابت: “لا.. أنا ربيتها عشان تعيش وتتحمل الرجالة اللي فاكرين إن الصوت العالي رجولة.” وشه اتغير وأمه ابتسمت بسخرية: “ولما تقومي يعني.. هتعملي إيه؟” قمت وقفت. سلمى بصتلي من تحت دموعها، وشفت في عينها حاجة اتغيرت.. مش بس راحة، دي عرفت إن السكوت انتهى. شريف ضحك بقلة ذوق: “اقعدي يا مدام ماجدة.. دي أمور عائلية خاصة بينا.” رديت عليه بهدوء قاتل: “أنا موافقة جدًا.. وعشان كده أنا دخلت الكل في الموضوع.” الضحكة اختفت من وشه. عمره ما سأل نفسه ليه أنا اللي اخترت المطعم ده بالذات في الزمالك، وليه ترابيزتنا تحت كاميرتين مراقبة بالظبط، وليه جيت قبلهم بـ ٤٠ دقيقة عشان أتكلم مع مدير المطعم. ولا كان يعرف إني قبل ما أطلع معاش، قضيت ٢٧ سنة قاضية ورئيسة محكمة بمحكمة الأسرة! بصيت لمدير المطعم اللي واقف جنب البار، واديتله إشارة بسيطة براسي. الأبواب الرئيسية اتفلت، وأمن المطعم قرب بهدوء. ولأول مرة في الليلة دي.. شريف وشّه أصفر وما بقاش عارف ينطق كلمة حصري لصفحة روايات رولا المدير قرب من ترابيزتنا ومعه اتنين من أمن المطعم، بس أنا رفعت إيدي بلهجة حازمة: “مش دلوقتي. . سيبوه يكمل كلامه.” شريف استرد ثقته بسرعة.. أمثاله دايماً بيفتكروا إنهم يقدروا يرعبوا اللي حواليهم بقلة الأدب. رجع بضهره لورا وقال بوقاحة: “إيه التهريج ده؟ سلمى مراتي وكنا بنتناقش!” رديت عليه بصوت ثلجي: “أنت شدتها من شعرها قدام الناس كلها.” قال ببرود: “هي اللي استفزتني!” عفاف حطت الكاس بتاعها على الترابيزة برزعة وصوت عالي: “ابني مريحها وموفرلها كل حاجة! البيت والعربيات والسفريات.. المفروض تبوس إيدها وش وضهر إنه مستحملها! ” سلمى كانت بتمسح دموعها من على خدودها ومش قادرة تتكلم من الصدمة. بصيت لها بحنية وقلت لها: “سلمى.. الفولدر الأزرق.” نَفَسها اتسحب.. وشريف ضيق عينيه وشهق: “فولدر إيه ده؟!” بإيدين بتترعش، فتحت سلمى شنطتها وطلعت فولدر أزرق صغير وحطته على الترابيزة. بقالمها ٦ شهور بتوثّق كل حاجة.. صورت إصاباتها، سيفَت كل رسائل التهديد اللي بعتها، نسخت المستندات المالية، وسجلت الفيديوهات وهو واقف ورا باب الحمام المقفول بيصرخ فيها ويهددها. . وكانت بتبعثلي كل نُسخة أول بأول. شريف مد إيده عشان يخطف الفولدر، بس فرد الأمن وقف في وشه ومنعه. صرخ شريف في سلمى: “أنتِ بتتجسسي عليا يا خاينة؟!” سلمى ردت بصوت وطي خالص بس هز المكان: “لا.. أنا كنت بحمي نفسي منك.” حصري لصفحة روايات رولا عفاف وشها اصفرّ بس حاولت تتصنع القوة: “الصور دي ما بتثبتش حاجة! هي جلدها حساس وبتتزرق من أقل حاجة! ” فتحت الفولدر وقلت ببرود: “طب وتقارير مستشفى قصر العيني والتأمين الصحي هتثبت؟ ٣ زيارات للطوارئ في ١٤ شهر.. كسر في المعصم قال إيه اتكعبلت، وضلعين مكسورين قال إيه وقعت في الجيم.. وفيديو النهاردة في المطعم هيوضح النمط الإجرامي كله.” شريف بص لكاميرات المراقبة فوق رأسه.. وفي اللحظة دي بالظبط، بدأ يفهم المحظور. والضربة الثانية جتلهم لما خرج راجل بلبس أنيق ببدلة رمادي من الصالة الخاصة. دكتور طارق، كان رئيس هيئة النيابة الإدارية السابق، وحالياً صاحب أكبر مكتب تحريات واستشارات مالية وقانونية. شريف أول ما شافه وشّه جاب ألوان لأن عارفه كويس. طارق حط ملف تاني على الترابيزة وقال: “غير ده كله.. أثبتنا إن الأستاذ شريف حول ٥ مليون جنيه من ورث مراته لحساب شركة وهمية باسم أمه عفاف.” عفاف زقت الكرسي ورجعت لورا بصدمة: “الفلوس دي كانت استثمار عائلي! ” رديت عليها: “دي سرقة واختلاس.. والشركة الستار اللي عملتوها مكشوفة وسهل إثباتها.” شريف ضرب الترابيزة بقبضة إيده وصرخ: “أنتِ فاكرة إن لقبك القديم ده يخوفني؟! أنتِ ست متقاعدة وملاكيش أي سلطة عليا!” ابتسمت ابتسامة خفيفة.. هو كان صح في حاجة واحدة: أنا فعلاً معنديش سلطة إصدار أحكام بنفسي دلوقتي. بس عندي الأهم: التخطيط، الأدلة، والروابط والعلاقات مع ناس قضيت ٢٧ سنة في القضاء معادتش معاهم غير بالحق والعدل. وفجأة.. أبواب المطعم اتفتحت، ودخل اتنين ظباط شرطة مع قوة من القسم. حصري لصفحة روايات رولا شريف قام من طوله والكرسي اتغلب وراه. عفاف شاورت على سلمى وصرخت: “قوليلهم إن ده سوء تفاهم! قولي حاجة!” شريف بص لسلمى ونبرة صوته اتغيرت للرجاء والمخادعة: “حبيبتي.. عشان خاطري، بلاش تخربي بيتنا بإيدك!” شفت الخوف القديم بيحاول يتسلل لعينين بنتي تاني.. فمديت إيدي ومسكت إيدها بقوة وقلت لها: “قولي الحقيقة يا سلمى. . متخافيش.” سلمى وقفت على حيلها ببطء، وبصت في عينيه بثبات: “أنت بقالك ٣ سنين بتأذيني وبتضربني.” المطعم كله اتنفس الصعداء.. وشريف تحول في ثانية من التوسل للغل والشتيمة: “يا كذابة يا قليلة الأصل!” وحاول يهجم عليها. الظباط جابوه في ثانية وكتفوا إيديه ورا ضهره وهو بيصرخ ويزعق، وعفاف نازلة تهديد بالشتائم والقضايا وتطالب بإيقاف الكاميرات. استاذ طارق سلم الضابط “فلاشة” عليها فيديوهات المطعم، تسجيلات سلمى، الصور، التقارير الطبية، وكشوفات الحسابات البنكية. . مكتوبة باسمها في عقد ثلاثي وحساب مغلق. شريف أقنعها إنه صاحب الشقة لمجرد إنه بيدفع مصاريف الصيانة!” عفاف اتسمرت مكانها. كملت كلامي: “والنهاردة الصبح، محكمة الأسرة أصدرت أمر تمكين وطرد مستعجل وبحظر اقتراب. شريف ممنوع يدخل الشقة أو يقرب من سلمى أو يهوب ناحية أي حساب بنكي.. وكالون الشقة اتغير وأحنا قاعدين بنتعشى هنا.” شريف بطل يعافر، وعفاف بؤها اتفتح ومش عارفة تنطق. حطيت ورقة ثانية جنب كاسها: “وبلاغ النيابة العامة المالي جمد حسابات الشركة الوهمية.. كل جنيه اتسرق هيرجع بالقانون.” همست عفاف بذهول: “أنتِ خططتي لده كله؟!” رديت عليها: “لا.. أنتِ اللي خططتي لكل ده في كل مرة قولتيله فيها إن الضرب والمهانة تربية! أنا بس أثبت إن كل فعل وله عقاب. ” الشرطة أخدت شريف بتهمة الاعتداء والسرقة والابتزاز، وعفاف اتاخدت معاه بتهمة الاشتراك والمساعدة في النصب والاختلاس بعد ما طارق طلع إيميلاتها وهي بتوجهه يسرق الفلوس ازاي. وهما خارجين بيه، شريف اتلفت وصرخ في سلمى: “هترجعيلي زاحفة وبتبوسي إيدي!” حصري لصفحة روايات رولا سلمى اترعبت لحظة.. بعدين بصتلي، عدلت كتفها، وقالت بصوت قوي هز المكان: “لا يا شريف. . أنت اللي هتقضي بقية حياتك فاكر الليلة اللي ما طأطأتلكش فيها رأسي!” المطعم كله انفجر بالتسقيف والأحضان! سلمى حطت إيدها على وشها وعيطت، بس المرادي دموع فرحة وراحة.. مش دموع خوف. ضميتها لحد ما المكان كله اختفى من حوالينا. بعد ٨ شهور.. المحكمة حكَمَت على شريف بالسجن المشدد في قضايا الضرب المبرح واختلاس الأموال مع الإلزام برد كل المبالغ. وعفاف خسرت بيتها وشركتها وسمعتها، وأخدت حكم مع وقف التنفيذ مع حظر اقتراب دائم ورعاية مشددة. سلمى باعت الشقة.. واستغلت جزء من فلوسها اللي رجعت عشان تفتح مركز دعم ونفسي وقانوني جنب مستشفى الأطفال اللي شغالة فيها. مركز بيساعد الستات المعنفات ويقدم ليهم استشارات قانونية ومكان آمن يقدروا يكلموا منه محامين من غير خوف. في يوم الافتتاح.. سلمى محطتش صورتي، ولا كتبت اسمي على لوحة. بس علقت جملة واحدة على باب المركز من بره: ”السكوت بيحمي الظالم.. والحقيقة هي اللي بتحمي المجروح.” بالليل، كنا قاعدين بره المركز بنشرب قهوة في الكوبايات الورق.. سلمى ضحكت على حاجة بسيطة، وكانت ضحكتها صافية وطالعة من قلبها لأول مرة من سنين. بصتلي وقالت: “هو أنتِ زعلانة إنك طلعتِ معاش وما بقيتيش قاضية يا ماما؟ ” بصيت من الشباك على أم صغيرة قاعدة جوة بتتكلم مع الأخصائية، وإيديها اللي كانت بتترعش بدأت تهدى وتستقر.. قلت لها: “لا يا سلمى.. العدالة اللي تحققت الليلة دي، أحسن من ألف قضية.” سلمى حطت رأسها على كتفي.. ولأول مرة من سنين طويلة، ما وطّتش رأسها لحد.