مرات ابني

لف وبصلي بنظرة انطفى فيها كل احترام وحب، وقال بصوت واطي وخشن من كتر الصدمة:ـ كلامها صحيح ياما؟! عملتي فيها كده وهي أبوها بيطلع في الروح؟! وقفت مكاني، لساني اتشل في بقي، وحسيت إن الأرض بتلف بيا.

بصيت لابني اللي عيونه كانت مليانة غضب، والكل حوالينا بيبصلي بنظرات لوم وقرف قطعت في قلبي. بلعت ريقي بصعوبة وبتلجلج في الكلام:ـ يا… يا ابني اسمعني… أنا كنت… كنت… قاطعني بصوت عالي هز حيطان الشقة كلها، صوت لأول مرة في حياتي أسمعه منه، كأن روحه بتطلع مع كل كلمة:ـ أسمع إيه؟

! أسمع إيه تاني ياما؟! إنتِ دمرتي مراتي وحرمتيها من أبوها وهي حتة من قلبها! إنتِ قسيتي عليها لحد ما اتحــ,,ـــــرقت بالمنظر ده؟! بصلي بنظرة أخيرة مليانة كسرة وقهر، وقال ببرود وجعني أكتر من صراخه:ـ ليكي حق تقعدي لوحدك… ويوم ما تحسي باللي عملتيه ابقي افتكري إنك خسرتي ابنك كمان.

سابني واقفة في وسط الشقة، والكل بيبصلي، ووطى على مراته اللي كانت منهارة في العياط، شالها بحنية وطلع بيها عشان تهدا بعيد عن وشي، وأنا بقيت واقفة لوحدي في وسط الناس، والكلمات بترن في ودني، وحسيت ساعتها إن الندم جه متأخر أوي، وإن القسوة ما بتجيبش غير الخراب والوحدة.

فاتت الأيام، لكن المذلة والوحدة كانوا هما الضيف الثقيل اللي ما بيروحش. حاولت أطلع لمرات ابني كذا مرة عشان أعتذر لها وأحايلها، وأقول يمكن قلبها يلين وتسامحني، بس أول ما كانت تشوفني كانت تبصلي بنظرة باردة وتقولي بصوت قاطع:ـ ارتاحي.. مفيش بينا كلام تاني.

ولا أنا هقدر أخدمك ولا أدخل بيتك تاني، اكتفي باللي عملتيه زمان، وسيبيني في حالي. قفلت بابها في وشي نهائي، ورفضت تخدمنا أو تحط إيدها في البيت عندنا تاني. اللي صدمني بجد هو بنتي الصغيرة؛

دي اللي كانت مرات ابني بتشيلها في عينيها وتجهزها للمدرسة، طلعت بتحبها بجد وبقت تسيبني لوحدي وتطلع تجري على شقة مرات ابني عشان تقعد عنها وتساعدها في اللي تقدر عليه، وكأنها لقت الأمان هناك بعيد عن قسوتي. أما ابني… فده اللي وجع قلبي بجد.

بقى طول الوقت قاعد في شقته فوق، نازل على شغله وطالع على بيته ومراته، كأنه مش شايفني أصلاً. لا كلمة حلوة، لا قعدة صفا، ولا حتى بيبص في وشي وهو نازل. حتى بناتي الكبار، اللي كنت مفكراهم سند ليا، بقوا ييجوا زي الغربا، قاعدين متجهمين، وبيعاوموني بجفاء وعتاب صامت لأنهم شافوا اللي حصل بعينهم، ولما بطلب منهم طلب صغير بقوا يتهربوا مني.

الصفحة السابقة 1 2 3 4 5الصفحة التالية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *