جبل وقمر

الحاج عبد الرحمن بص لجبل نظرة طويلة، كلها تحذير، وقال بصوت خشن:

“سمعت كلامها يا جبل؟ بنتي قاعدة بإرادتها.. بس قسماً بالله، لو دمعة واحدة نزلت من عينها قهر، أو مسيت كرامتها بكلمة، لهقفلك ولو كنت مين!”

جبل قرب منه بكل هدوء واحترام، حط إيده على كتف الحاج عبد الرحمن وقال بنبرة مليانة يقين:

“دمعتها بكفر يا حاج.. ورقبتي سدادة لو في يوم قصرت معاها. قمر في عيني، ومفيش راجل بيأذي روحه.”

انسحب الحاج عبد الرحمن والمأذون، والباب الكبير اتقفل. وهنا، الصمت اتكسر بصوت “الحاجة رضوى” اللي ضربت كف على كف بذهول وغضب:

“يا مراري الطافح! بقى حتة عيلة زي دي تلوي دراع جبل الهواري؟ تاخد نص أملاكك وتبقى العصمة في إيدها؟ السرايا دي ليها كبير يا جبل، وإنت الظاهر عقلك طار!”

جبل لف لأمه، ونظرته رجعت قاسية زي الجليد:

“الكبير ربنا يا أمي. والسرايا دي مالهاش غير ست واحدة، وهي اللي واقفة قدامك دي. قمر خط أحمر، كلامها يمشي على الكبير قبل الصغير هنا.. وأي حد هيزعلها، السرايا دي هتبقى ضيقة عليه أوي، حتى لو كان أقرب الناس ليا.”

الكلمات كانت زي الرصاص، الحاجة رضوى سكتت وهي بتغلي من جواها، وبصت لقمر بنظرة توعد قبل ما تسيبهم وتطلع أوضتها.

جبل لف لقمر، عينيه كلها شغف ولهفة. مد إيده ومسك إيديها، وسحبها وراه من غير ولا كلمة لحد ما طلعوا لجناحها (المرسم). أول ما قفل الباب، ساب مسافة بينه وبينها احتراماً لطلبها القديم، بس عينيه كانت بتحضنها.

”كنت هموت لو مشيتي..” همس بيها بصوت أجش، فيه ضعف أول مرة راجل زيه يبينه. “لما شوفتك واقفة قدام المأذون، حسيت إن روحي بتنسحب مني.. إنتي مش متخيلة الكلمة دي عملت فيا إيه يا قمر.”
قمر بلعت ريقها، وحاولت تحافظ على قوتها قدام طوفان المشاعر اللي بيحاصرها منه، وقالت بجدية:

“أنا وافقت أفضل عشان مكسرش أبويا مرتين، وعشان مسمحلكش تنتصر في لعبتك وتتحكم في مصايرنا براحتك. إنت إديتني مفتاح حريتي.. بس ده مش معناه إني سامحتك أو إني بقيت بتاعتك. إنت لسه محتاج تثبتلي إنك تستاهلني، وإني ممكن أثق في راجل خطط من ورايا سنين.”

جبل ابتسم ابتسامة خطفت قلبها، وقرب خطوة واحدة، رفع إيده ومشى ظهر صوابعه على خدها برقة متناهية وقال:

الصفحة السابقة 1 2 3 4 5 6 7 8 9الصفحة التالية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *