جبل وقمر

نزلت قمر بخطوات بطيئة، السرايا كانت كبيرة ومخيفة. دخلت غرفة السفرة، لقت “الحاجة رضوى” أم جبل قاعدة على رأس الطرابيزة.
بمجرد ما شافت قمر، بصتلها من فوق لتحت بقرف وقالت بصوت مسموع للخدم:
“أهلاً بست الحسن.. العروسة الاستبن. فاكرة نفسك هتبقي ست السرايا دي؟ ده إنتي جاية تسدي خانة فضيحة أختك، إحمدي ربنا إن جبل ابني رضي يستر عليكم.”
قمر دمعت وحست بكسرة نفس، لسه هترد وتدافع عن كرامتها، لقت صوت زلزل السفرة كلها خلى الخدم يترعبوا.
“قمر مش استبن يا حجة.. قمر هي ست السرايا، وتاج راس الكل هنا.. واللي هيبصلها بطرف عينه، أو يفكر يجرحها بكلمة، هنسى هو مين وهقلعها له!”
جبل كان واقف على باب الأوضة، عينيه بتطلع شرار. أمه سكتت بصدمة، وقمر قلبها دق بعنف.. أول مرة حد يدافع عنها بالقوة دي، وأول مرة تحس بالأمان في مكان كانت فاكراه سجنها.
جبل قرب منها، سحبها من إيديها قدام أمه وكل الموجودين، وطلع بيها على السلم بخطوات واسعة. دخلوا جناح مقفول في آخر الطرقة أول مرة تشوفه.
فتح الباب، وقمر وقفت متسمرة مكانها من الصدمة… الجناح كان نسخة طبق الأصل من المرسم اللي كانت دايماً بترسمه في خيالها وتكتب عنه في مذكراتها اللي ضاعت منها من خمس سنين! نفس الألوان، نفس اللوح الفاضية اللي مستنية ريشتها، حتى نوع الورد المفضل ليها مالي المكان.
”إيه ده؟” همست وهي مش مصدقة عينيها، وبتمد إيديها تلمس أدوات الرسم كأنها في حلم.
جبل وقف وراها، حوط وسطها بإيديه الاتنين برقة متتناقضة مع ضخامته، ودفن وشه في رقبتها، وهمس بصوت دافي دوب كل حصونها:
“ده حلمك اللي ضاع.. أنا بنيتهولك طوبة طوبة من خمس سنين. من اليوم اللي لقيت فيه مذكراتك وعرفت إني مستحيل أكون لغيرك. أنا كنت براقبك بتكبري قدامي يوم ورا يوم، وكنت مستني اللحظة اللي تبقي فيها مراتي.”
قمر لفت ببطء عشان تبصله، عينيها مليانة دموع وحيرة ومشاعر متلخبطة. قربت منه لدرجة إن أنفاسهم اختلطت، قلبها كان بيدق طبول، ولسه هتتكلم وتكسر حاجز الصمت… الباب خبط بقوة وعنف، وصوت “سالم” دراع جبل اليمين جاي من برا بيصرخ:
“يا جبل بيه.. يا جبل بيه.. إلحق!”
جبل شد على سنانه، وفتح الباب بغضب جحيمي: “في إيه يا زفت زلابيا إنت؟”
