ابويا

خرجت وفي إيدي المفاجأة اللي قسمت ضهر محمود.. كنت شايلة الشنط الكبيرة اللي أبويا لسه جايبها معاه والزيارة اللي محمود كان بيعدها بعينيه ومستقلها. حطيت الشنط كلها قدام أبويا، وبمنتهى الثبات والبرود بصيت لمحمود وقولتله: “أنا أسفة يا بابا، أصل محمود قالي امبارح إن الشقة الجديدة وال نقل هدو حيلنا، وإننا مش قادرين نعمل غدا يليق بمقامك، وقالي نصاً: لو أبوكي عاوز ياكل يجيب غداه معاه وهو جاي! وأهو أنت يا حبيبي جيبت غداك وخيرك معاك وزيادة، فمعلش بقى، افتح شنطتك وطلع الفطير والمش والبيض عشان نتغدى كلنا من خيرك، أصل جوزي مش عامل حسابه في لقمة واحدة في بيته!”
في اللحظة دي، الغرفة كلها ساد فيها صمت قاتل. محمود وشه جاب ميت لون، وبقى يبصلي وعينيه طالعة لبرة من الصدمة، مكنش متخيل أبدًا إن السكوت والبرود اللي كنت فيهم امبارح كانوا الهدوء الذي يسبق العاصفة، ولا كان يتوقع إني هملك الشجاعة والجرأة إني أعرّيه قدام أبويا وأكشف بخله وسواد قلبه بالوضوح ده. كان واقف مبرق، لسانه اتلجم تماماً، وبقى يتلفت حوالين نفسه زي الفأر المحبوس في مصيدة، يحاول ينطق، يبرر، يقول إنها كانت هزاار أو إنه مقصودش، بس الكلمات ماتت في حلقه.
أما أبويا، فالصدمة على وشه كانت أقوى وأعمق. الراجل الطيب اللي جاي من سفر ومسافة عشان يطمن على بنته ويشوف شقتها الجديدة، تترد له الزيارة بكلمة تجرح كرامته وتهز هيبته! شفت دموع مكتومة في عينين أبويا، وملامحه اتغيرت من الفرحة للانكسار، وبص لمحمود بنظرة عتاب ووجع تقطع القلب. أبويا اتنفس بصعوبة، وهز رأسه بقلة حيلة وهو بيبص للشنط اللي على الأرض، وكأنه مش مصدق إن فيه بني آدم بالدناءة دي ممكن تطلع منه الكلمات دي في حق راجل مسن وفي مقام والده.
محمود حاول يتقدم خطوة ويقول بجلعمة وصوت مرتعش: “يا عمي.. أنا.. أنا مكنتش.. دي البنت دي بتتبلى عليا.. أنا مقولتش كدة!”
قاطعت كلامه وضحكت ضحكة عالية كلها سخرية وقولت: “بتتبلى عليك؟ طب وموضوع كباية العصير اللي قولتلي هيشربها ويتكل على الله؟ مش أنت اللي لسه مأكد عليا الصبح مطلعش غيرها؟ أهو العصير شربه، والراجل جاي يلم حاجته ويمشي من قلة الواجب، تحب أحلفلك على المصحف قدام أبويا بالكلمة اللي قولتها؟”
