تركتني امي ف المطار وسافرت

كان عمري ستة عشر عامًا حين تركتني أمي في مطار مدينة مكسيكو، كما لو كنت حقيبة منسية لا قيمة لها.
قالت وهي ترفع كتفيها بلا اكتراث
دبّري أمرك أنتِ تعرفين كيف.
ثم مضت.
إلى إجازة.
مع زوجها الجديد
وأطفاله المثاليين.
بقيت واقفة أحمل التذكرة في يدي
وقلبي مسحوقًا.
لم أبكِ.
ليس أمامهم.
جلست.
تنفست ببطء.
واتصلت بالاسم الوحيد الذي أقسمت ألا أنطقه مجددًا
أبي الغائب.
لم يسأل شيئًا.
قال فقط
ابقي مكانك.

بعد ثلاثين دقيقة،
حطّت طائرة خاصة.
وعندما عادت أمي
وجدت غرفتي فارغة
وإشعارًا قانونيًا بانتظارها.
كان ذلك في مطار مدينة مكسيكو، يوم سبت من شهر يوليو. طوابير لا تنتهي. عائلات سعيدة تجرّ حقائبها.
كانت أمي، فاليريا مونتيس، ترتدي نظارة شمسية وفستانًا أبيض متقنًا. إلى جانبها زوجها الجديد، ريكاردو سالاثار، ومعه طفلان أشقران كان عليّ أن أناديهما أخويّ، رغم أنهما كانا ينظران إليّ وكأن وجودي يفسد الصورة.
قالت أمي مجددًا وهي تضع التذكرة في يدي
دبّري أمرك أنتِ تعرفين كيف.
كانت تذكرة رخيصة برحلة ذات توقف طويل.

أشارت إلى بوابة التفتيش كما لو كانت ترسلني لشراء الخبز.
قلت بصوتٍ متهدج
أمي وأنتِ؟
أجابت دون أن تخفض صوتها
سنذهب في إجازة. سنخبركِ عندما نعود.
ثم انحنت نحوي بابتسامة لا تُستعمل إلا للإيذاء
لا تبالغي. لقد

كبرتِ.
ومضت. دخلت صالة كبار الشخصيات مع عائلتها الجديدة دون أن تلتفت. بقيتُ واقفة أحمل التذكرة وقلبي محطم.
لم أبكِ أمامهم. لم أمنحهم ذلك المشهد. جلست على مقاعد باردة، تنفست ببطء، واتصلت بالرجل الذي كانت أمي تصفه دائمًا وكأنه وصمة عار.
أليخاندرو مونتيس أجاب عند الرنة الثانية.
نعم؟
خرج صوتي ضعيفًا
أنا تركتني هنا.
ساد صمت قصير. ليس صمت شك، بل صمت سيطرة.
ابقي مكانك.
كيف؟
لا تتحركي. أرسلي موقعك الآن.
فعلت ذلك بيدين مرتجفتين. نظرت إلى ممر الوصول كأنني أحدّق في شاشة على وشك أن تتغير.

لم يكن داخلي أمل، بل فراغ بارد. إن لم يأتِ، فلن أكون شيئًا لأحد.
بعد ثلاثين دقيقة، بدأ المطار يهمس. موظفو أرضٍ يتحركون بسرعة. سيارة سوداء تحمل تصاريح خاصة. رجل بسماعة أذن يسأل عن اسمي.
هل أنتِ كاميلا مونتيس؟
أومأت.
تعالي معي.
قادني عبر باب جانبي إلى منطقة خاصة. ومن خلف نافذة زجاجية رأيت طائرة خاصة تهبط.
ارتجفت ساقاي. ليس بسبب الفخامة، بل بسبب الحقيقة القاسية أبي الغائب حرّك العالم في نصف ساعة لأجلي.
ظهر على درج الطائرة رجل طويل ببدلة داكنة ونظرة صارمة. لم يبتسم. فتح ذراعيه كأن الحركة أمر لا رجاء فيه.

1 2 3 4 5 6 7الصفحة التالية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *