تركتني امي ف المطار وسافرت

أمامي كوب ماء لم أشرب منه. يدي باردة، كأنها ليست يدي.
نظرت إلى أبي.
لم يقل لا تردّي.
لم يقل سأجيب أنا.
لم يقل دعيها تحترق.
قال فقط، بصوته الذي تعلّم ألا يهتز
القرار لكِ.
كانت تلك الجملة وحدها أكبر هدية. لأنني اعتدتُ أن القرارات تُتخذ عني. اعتدت أن يُقال لي اصمتي. تحمّلي. لا تكبّري الموضوع. لا تفتحي مشاكل. لا تُحرجينا.
الآن، لأول مرة، شخص بالغ ينظر إليّ ويقول أنتِ صاحبة القرار.
أجبتُ.
جاء صوت أمي حادًا من أول حرف
أين أنتِ؟ ماذا فعلتِ؟ ما هذا الذي يحدث؟

لم يكن هناك سلام.
لا هل أنت بخير؟
لا هل أصابك مكروه؟
فقط اتهام، كأنني أنا التي ســ,,ـــــرقت نفسي.
تنفست ببطء، كما علّمتني المحامية، وكما علّمني أبي أن الهدوء قد يكون أقوى من الصراخ.
قلت
ذهبت مع أبي.
ساد صمت قصير ثم ضحكة حادة.
ضحكة كالمقص، كأنها تريد أن تقطع الحقيقة
إلى نصفين.
أبي؟! الآن صار أباك؟! الآن تحتاجينه؟
كان في السؤال سمّ قديم،
سم الرواية التي زرعتها في رأسي أنه لا يستحق، أنه عار، أنه خطر.
لكنني، هذه المرة، لم أبتلع السم.

قلت
احتجته حين تركتِني في المطار.
كان صوتي ثابتًا. ليس لأنني لا أتألم، بل لأنني تعبت من الارتجاف.
غيّرت نبرتها فجأة، كمن يبدّل قناعًا على المسرح.
يا حبيبتي كان سوء فهم. كنت أريدكِ أن تتعلمي الاستقلال فقط. عودي، ونتحدث بهدوء.
شعرت بنفور عميق. ليست كلمتها وحدها بل سهولة الكذب. قدرة شخص على تحويل جرحٍ عميق إلى درس تربية.
قلت
لن أعود.
انفجرت
إنه يستخدمكِ ليؤذيني! هذا انتقام! أنتِ لا تفهمين! هو يريد أن يدمرني!
نظرت إلى أبي. لم يكن في عينيه انتصار. لم يكن سعيدًا بانهيارها. كان فقط حاضرًا. ثابتًا.

مستعدًا إن حاولت الاقتراب أكثر.
قلت
أنتِ آذيتِني بالفعل وسميتِ ذلك تربية.
ثم أغلقت الهاتف.
عندما أغلقت، لم أشعر
بالقوة أولًا.
شعرت بالفراغ.
كأن بابًا كبيرًا أُغلق داخل صدري، الباب الذي كنت أطرق عليه طوال سنوات وأنا أرجو أن أُسمع.
بعد دقائق، جاءت الرسائل كالسيل. رسائل طويلة، ثم قصيرة، ثم تهديدات، ثم اعتذارات، ثم دموع مكتوبة، ثم سباب كأنها لا تستطيع أن تختار قناعًا واحدًا.
لم أرد على شيء.
لأنني أخيرًا فهمت من يريدك حقًا لا يتركك ثم يطالبك بالعودة كأنك لعبة.
استمرت القضية أسابيع.

الصفحة السابقة 1 2 3 4 5 6 7الصفحة التالية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *