التؤام

— أنا قطعت التذكرة —قالها طارق.
— تذكرة إيه؟
— مدريد ورما ولشبونة. الشباب مرتبين للطلعة دي من شهور.
المعلقة وقعت من إيدي.
— طارق.. إحنا لسة مخلفين توأم!
— ما هو عشان كده محتاج أفصل!
— تفصل من ولادك؟!
قام وهو متغاط وقال:
— الزن والصريخ ده هينجنني!
سيف بدأ يعيط من الصالة كأنه فهم. طارق حط إيده على وذنيه، وأنا بصيتله وشوفت حاجة خوفتني أكتر من التعب: هو مكنش مضغوط.. هو كان بيختار يهرب.
يوم السفر، نزل شنطته السودة على السلم. كنت واقفة عند الباب والشيالين بتوع الولاد عند رجلي. باسني بوسة سريعة على جبهتي وقال:
— حاولي ترتاحي.
ما باسش الولاد، ولا سألني محتاجة حاجة. ركب عربية أوبر ومشي.
الليلة دي، وأنا قاعدة على أرض أوضة الولاد، سامعة نفسهم الصغير وببكي في سكات، جتلي أول رسالة من طارق من المطار: “أنا ركبت الطيارة، هكلمك لما أوصل.”
قريتها وسيف نايم على صدري وياسين بيحرك إيديه الصغيرة جوة البطانية. في اللحظة دي فهمت إن طارق ماسافرش بس.. طارق خرج برة عيلتنا. والألعن إنه فاكر إنه هيرجع يلاقيني مستنياه في نفس المكان.
الأيام الأولى من غير طارق كانت مكس بين اللبن، والحفاضات، والسخونية الوهمية، والهلاكتين تحت عيني اللي حتى الكونسيلر مكنش قادر يداريها. كنت بفقد الاحساس بالوقت.. ساعات أسخن ببرونة ومافتكرش دي لسيف ولا لياسين.
في نفس الوقت، كان طارق ينزل ستوريهات من إسبانيا: كاس في إيده، وابتسامة عريضة، وقميص مكوي، وسما صافية وراه. “هي حياة واحدة بنعيشها”، كتبها على صورة قدام القصر الملكي.
أنا شوفت الجملة دي الساعة 4:12 الفجر، وهدومي عليها قشط لبن وعيل بيصرخ على رقبتي. دي كانت اللحظة بالظبط اللي بطلت ألتمسله فيها أي عذر.
في اليوم السادس، حد خبط على الباب قبل الساعة 7 الصبح. كانت طنط شادية، جارتنا اللي قصادنا، ممرضة بالخارجية ومتقاعدة. شافت وشي ومسألتش أي حاجة.
— هاتي واحد —قالتها ومدت إيدها.
ديتها ياسين وقعدت أعيط زي العيال الصغار. في المطبخ، وهي بتعمل قهوة، سألتني هو طارق فين.
— في أوروبا.
طنط شادية حطت المعلقة على الترابيزة.
— في شغل؟
هزيت راسي بالنفي.
— بيتفسح ويستجم.
وشها اتغير وقست ملامحها:
