التؤام

بعديها بيومين جربت أخد خطوات جادة. أختي مريم عرضت عليا شقة صغيرة بتاعتها في الشروق، مفروشة وهادية. قبل ما طارق يرجع بـ 3 أيام، لميت الحاجات الضرورية: هدوم العيال، أوراقنا الرسمية، الأدوية، الببرونات، وبطانية صفراء أمي كانت غرزاها للعيال.

سيبت الشقة متستفة ومنظمة. مكسرتش حاجة، ومخبّيتش حاجة. سيبت بس دوسيه أسود على سفرة الأكل. وفوقيه ورقة مكتوب فيها: “أنت طلبت مساحة تفصل فيها.. وأنا قررت أختار هدوء بالي وبال ولادي.”

ولما طارق فتح الباب.. ملقاناش هناك.

طارق فتح باب الشقة وهو جارب وراه الشنطة السودة، مبسوط وراجع بروايح أوروبا وضحك الشلة، متوقع يدخل يلاقيني قاعدة على الكنبة بهلاتي وسوادي، شايلة عيل وبعيط، والبيت مقلوب.

بس البيت كان ساكت تماماً.

الهدوء كان مرعب.. مفيش صوت زنة ببرونة، ولا صريخ ياسين، ولا صوت التلفزيون اللي شغال عشان يسليني وأنا صاحية الفجر. الشقة كانت متستفة ونظيفة زيادة عن اللزوم، الشفاط مقفول، والأغراض الخاصة بالولاد مختفية من الصالة: العربية المزدوجة مش جنب الباب، اللعب، البامبرز، وحتى كفر الكنبة اللي كان سيف بيقشط عليه.

مشى بخطوات بطيئة ناحية أكرة غرفة النوم، فتحها.. الملاية مفروشة ومشدودة، ودولاب الأطفال فاضي تماماً. دخل المطبخ، ملقاش ببرونة واحدة في الصفاية.

هنا بدأ يستوعب إن الهدوء ده مش راحة.. ده فراغ.

جرى على السفرة، ولقى الدوسيه الأسود المقفول. جنب الدوسيه كان في المفتاح بتاعه اللي سيبته، والورقة الصغيره اللي كتبت فيها جملتي. مسك الورقة وإيده بتترعش، قراها مرتين كأنه مش فاهم المعنى. وبعدها فتح الدوسيه.

الدوسيه مكنش فيه عتاب، ولا شتم، ولا دموع. كان فيه “حقائق” محطوطة بالمسطرة:

* الأوراق القانونية: إعلان بدعوى نفقة زوجية ونفقة صغار (بنادلة ولابسة)، ودعوى تمكين من مسكن الزوجية لأن معايا أطفال رضع، وعريضة دعوى طلاق للضرر بسبب الإساءة والهجر أثناء فترة النفاس.

* كشف الحسابات: طباعة ملونة لكل مصروفاته في إسبانيا وإيطاليا، مقارنة بفواتير المستشفى واللبن الصناعي والكشوفات اللي أنا دفعتها من حسابي الشخصي.

* الرسائل والمكالمات: تفريغ كامل لكل فويس نوت قاللي فيها “أنتِ بتهولي”، ولكل صورة نزلها وهو بيسهر في أوروبا وأنا قاعدة بعاني مع عيلين مبتسرين.

الصفحة السابقة 1 2 3 4 5 6الصفحة التالية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *