بعد ثواني

حطيت شنطتي في الدولاب.
فتحت الشباك.
الشارع كان مليان أصوات.
عربيات.
ناس.
باعة.
حياة.
وقلت لنفسي
أنا رجعت.
لكن اللي ماكنتش أعرفه إن عفاف ماكنتش ناوية تسيبني أمشي بسهولة.
بعد أسبوع، وصلني إنذار رسمي.
اتهموني فيه إني كنت مقيمة في شقة عفاف من غير مقابل وإن كل الأموال اللي صرفتها كانت بمحض إرادتي.
قريت الورقة.
ضحكت.
مش لأن الموضوع مضحك.
لكن لأن كل حاجة كنت بعملها خوفًا من إن حد يقول إني بطلب مقابل، دلوقتي اتحولت لسلاح ضدي.
اتصلت بشيماء.
قالت
ما تقلقيش.
قلت
إنتي متأكدة؟
أيوه.
أنا معايا كل حاجة.
قالت
وده أهم شيء.
وبالفعل، فتحت اللابتوب.
قدامها كانت ال صفحة.
كل يوم.
كل ساعة.
كل مصروف.
كل تحويل.
كل رسالة.
وفي آخر الملف، كانت فيه محادثة بيني وبين حازم.
أنا
الدواء خلص.
هو
هاته من فلوسك وأنا هديهالك.
أنا
الفلوس خلصت.
هو
استحملي كام يوم.
رسالة تانية
ماما محتاجة حفاضات.
هو
خدي من فلوسك، آخر الشهر أحاسبك.
رسالة.
الغسيل الكلوي محتاج مواصلات.
هو
اعملي اللي تقدري عليه.
شيماء بصت لي.
دي مش رسائل عادية.
قلت
عارفة.
دي بتوضح إنه كان عارف.
سكت.
وبعدين قالت
وعندك حاجة أقوى.
إيه؟
قالت
تقرير من المدرسة.
إيه علاقته؟
إنك استقلتي عشان رعاية أمه.
وقتها حسيت لأول مرة إن السنة اللي فاتت مش مجرد سنة ضاعت.
كانت سنة موثقة.
كل تعب كنت فاكرة إنه اتدفن، كان له أثر.
بعد شهر تقريبًا، طلب حازم يقابلني.
وافقته.
مش في البيت.
في كافيه هادي.
دخل وقعد قدامي.
كان شكله مرهق.
أول مرة أشوفه بالشكل ده.
قال
إنتي وحشتيني.
ما رديتش.
قال
البيت من غيرك فوضى.
قلت
دي مش مسؤوليتي.
سكت.
ماما بقت أصعب.
قلت
عندك إخوات.
كل واحد عنده ظروف.
ابتسمت.
وأنا مكنتش عندي؟
بص في الأرض.
إلهام، أنا عارف إني غلطت.
دي كانت أول مرة يقولها.
سكت.
أنا كنت مضغوط.
قلت
وأنا كنت مضغوطة.
كنت خايف على أمي.
وأنا كنت خايفة عليها.
بس إنتي كنتي أقرب حد ليها.
هزيت راسي.
وده مش معناه إني الوحيدة اللي مسؤولة عنها.
سكت.
وبعدين قال
ماما بتسأل عليكي.
سكت.
وقالت إنها عايزة تعتذر.
قلبي اتحرك.
بس ما اتحركتش.
قلت
تعتذر عن إيه؟
قال
عن كلامها في عيد ميلادها.
قلت
بس؟
سكت.
ولا عن السنة كلها؟
ما ردش.
قلت
أنا مش محتاجة اعتذار عشان أرجع.
أنا محتاجة سبب يخليني أصدق إن اللي حصل مش هيتكرر.
قال
مش هيتكرر.
بصيت له.
إنت قلت الجملة دي قبل كده.
سكت.
كل مرة كنت بتقوللي كام شهر.
نزل عينه.
أنا عايزك ترجعي.
قلت
وأنا عايزة أرجع شغلي.
ارجعي.
وأنا عايزة أنام.
نامي.
وأنا عايزة ماكونش مسؤولة عن أمك وحدي.
سكت طويل.
وبعدين قال
هجيب ممرضة.
بصيت له.
مين هيدفع؟
قال
أنا.
وإخواتك.
أيوه.
هزيت راسي.
كويس.
قام.
يعني هنرجع؟
قلت
لا.
اتجمد.
إيه؟
قلت
أنا مش هرجع للبيت اللي خرجت منه.
بس…
قاطعته
لو عايز نتكلم عن علاقتنا، يبقى نتكلم من جديد.
لكن خدمتي لأمك انتهت.
سكت.
إلهام…
قلت
أنا مش خدامة يا حازم.
الكلمة دي كانت أول مرة أقولها له.
ويمكن أول مرة أصدقها.
بعد أيام، بدأت شغلي.
أول يوم دخلت المدرسة، المديرة استقبلتني بنفسها.
قالت
وحشتينا.
ابتسمت.
وأنا كمان.
دخلت الفصل.
الطلبة أول ما شافوني بدأوا يسقفوا.
واحدة قالت
ميس إلهام!
حسيت دموعي بتنزل.
مسحتها بسرعة.
وقلت
وحشتوني.
قالوا
إنتي وحشتينا!
قعدت على الكرسي.
فتحت الكتاب.
وبدأت أشرح.
بعد أول حصة، حسيت إني رجعت أتنفس.
مشيت في طرقة المدرسة.
صوت الطلبة حوالي.
رائحة الطباشير.
الدوشة.
كل حاجة كنت فاكرة إني فقدتها.
طلعت موبايلي.
لقيت رسالة من حازم
ماما دخلت المستشفى.
قلبي وقع.
فتحت الرسالة.
حالها تعبان.
فضلت باصة.
جزء مني كان عايز يجري.
الجزء اللي قضى سنة كاملة بيخاف عليها.
اتصلت.
حازم رد.
إلهام.
إيه اللي حصل؟
ضغطها وقع.
الدكتور قال إيه؟
محتاجين تحليل.
اعملوه.
سكت.
ماما بتقول إنها عايزاكي.
قفلت عيني.
قلت
أنا هاجي أزورها.
سمعت صوت نفسه ارتاح.
بجد؟
أيوه.
لكن قلت
زيارة.
سكت.
مش رجوع.
قال
فاهم.
رحت المستشفى.
لقيت عفاف نايمة.
شكلها كان مختلف.
ضعيفة.
أول ما شافتني، دمعت.
أنا قربت.
مسكت إيدها.
قالت بصعوبة
سامحيني.
وقفت.
الكلمة كانت تقيلة.
على إيه؟
قالت
كل حاجة.
سكت.
كنت فاكرة إنك… طمعانة.
بلعت ريقي.
أنا عمري ما طلبت منك حاجة.
هزت راسها.
عرفت.
عرفتي إزاي؟
بصت بعيد.
بعد ما مشيتي… ولادي ماعرفوش يعملوا أسبوع.
سكت.
أول ليلة نيفين قالت إنها هتبات.
وبعدين؟
نامت ساعتين ومشيت.
عيني دمعت.
هبة جابت أكل.
سكتت.
مصطفى أخدها الغسيل.
وبعدين ضحكت ضحكة ضعيفة.
رجع بيها بعد ما اتخانق مع السواق.
سكت.
حازم كان بيجري بين الشركة والمستشفى.
بصت لي.
وعرفت إنك كنتي بتعملي كل ده لوحدك.
أنا ماقلتش حاجة.
قالت
أنا ظلمتك.
فضلت ساكتة.
قالت
ومش عارفة أصلح اللي عملته.
قلت
مش كل حاجة بتتصلح.
دمعت.
عارفة.
بس ممكن نتعلم منها.
هزت راسها.
وبعدين قالت
أنا كنت قاسية.
قلت
كنتِ.
ضحكت وسط دموعها.
لسانك لسه زي ما هو.
قلت
أهو اتعلمت منك.
ضحكت.
وأنا ضحكت.
ولأول مرة من سنة، ضحكنا سوا من غير ما يكون فيه إهانة.
مرت شهور.
عفاف بدأت تتحسن شوية.
مش صحيًا بشكل كبير، لكن نفسيًا.
بدأت تقبل وجود الممرضة.
وبدأت تعتمد على أولادها.
ولأول مرة، إخوات حازم فهموا إن الأم مش مسؤولية مرات أخوهم.
كل واحد بدأ يشارك.
حازم كان أكتر واحد اتغير.
مش لأنه بقى مثالي.
لكن لأنه فهم إن السكوت وقت الظلم كان مشاركة فيه.
أنا ما رجعتش له فورًا.
فضلنا فترة نتكلم.
هو ييجي يشوفني.
وأنا أسمع.
لكن كان فيه شرط واحد.
إن حياتي ما ترجعش للخلف.
وفي يوم، قالي
أنا عايز أبدأ معاكي من الأول.
قلت
وأنا مش عايزة أبدأ من الأول.
استغرب.
ليه؟
قلت
عشان أنا مش نفس الست اللي اتجوزتك.
سكت.
أنا عايزة نبدأ من النقطة اللي وصلنا لها.
فهم.
وهز راسه.
موافق.
بعد حوالي سنة من حفلة عفاف، كنت في المدرسة.
المديرة دخلت وقالت
إلهام، فيه حد مستنيكي بره.
خرجت.
لقيت عفاف.
قاعدة على كرسي متحرك.
جنبها حازم.
وفي إيدها ظرف.
بصيت لها.
قالت
ده ليكي.
قلت
إيه ده؟
افتحيه.
فتحت الظرف.
لقيت جواب.
مش فلوس.
مش شيك.
ولا عقد شقة.
كان جواب بخط عفاف.
قريت
إلهام…
وتوقفت.
أنا طول عمري كنت فاكرة إن قيمة الإنسان في الفلوس اللي يسيبها لولاده.
لكن اكتشفت متأخر إن الإنسان ممكن يملك عمارة وشقة وحساب بنكي، ويكون فقير جدًا لو فقد الناس اللي كانت واقفة جنبه.
دموعي نزلت.
كملت.
أنا مش هطلب منك ترجعي تخدميني.
ولا هطلب منك تنسي.
أنا بس بطلب منك تسامحيني لما تقدري.
وتحتها جملة
واللي يخصني هيتقسم بالعدل بين أولادي، ومحدش فيهم هياخد حاجة تمنها كرامة إنسانة.
قفلت الورقة.
بصيت لها.
قالت
أنا اتعلمت.
قلت
وأنا كمان.
حازم ابتسم.
قال
ماما عايزة تقولك حاجة.
بصيت لها.
قالت
عيد ميلادي الجاي.
ضحكت.
نعم؟
قالت
مش عايزاكي تنظميه.
ضحكت.
كويس.
قالت
ومش عايزاكي تطبخي.
ضحكت أكتر.
أمال عايزة إيه؟
قالت
عايزة وجودك.
سكت.
وبعدين قالت
لو حابة.
قربت منها.
حطيت إيدي على كتفها.
وقلت
هشوف.
قالت
دي أحسن إجابة أسمعها منك.
ضحكت.
بعد فترة، أنا وحازم رجعنا لبعض.
بس مش بنفس الطريقة القديمة.
عملنا بيت صغير خاص بينا.
كل واحد له شغله.
كل واحد له وقته.
وأمه بقت ليها ممرضة وفريق رعاية.
وأولادها كلهم بيساهموا.
وأنا رجعت أدرس.
وبعد سنة، بقيت وكيلة المدرسة.
لما استلمت القرار، فضلت باصة له فترة.
افتكرت اليوم اللي كنت فيه مدرسة، وسبت كل حاجة عشان أعتني بعفاف.
افتكرت إيدي المحروقة.
وضهري.
والشنطة السودا.
والقاعة.
والستين شخص اللي كانوا مستنيين يشوفوني وأنا بتكسر.
لكنهم شافوا حاجة تانية.
شافوا واحدة أخيرًا قررت توقف.
وفي يوم، كنت قاعدة في بيت عفاف.
هي كانت قدامي، وحازم ونيفن وهبة ومصطفى حوالين السفرة.
كانت بتاكل ببطء.
فجأة عفاف قالت
إلهام.
نعم؟
قالت
فاكرة الشنطة السودا؟
ضحكت.
طبعًا.
قالت
أنا لحد النهارده كل ما أشوف شنطة سودا بتوتر.
الكل ضحك.
مصطفى قال
ماما بقت بتخاف من الشنط.
ضحكت.
عفاف بصت لي وقالت
إنتي يومها خوفتيني.
قلت
وأنا كنت خايفة أكتر.
قالت
بس انتي مشيتي.
هزيت راسي.
أيوه.
قالت
ولو الزمن رجع؟
فكرت شوية.
وبعدين قلت
كنت هطلب مساعدة من أول يوم.
عفاف قالت
وأنا كنت هطلب منك تفضلي.
ضحكت.
بس كنت هفضل بشرط.
قالت
إيه؟
إنك تقوليلي شكرًا.
سكتت.
وبعدين قالت
شكرًا يا إلهام.
المرة دي ماكنتش محتاجة أكتر من كده.
بعد كام شهر، جالي اتصال من المدرسة.
كان فيه معلمة جديدة بتشتغل معايا.
كانت متجوزة، وعندها أم زوجها مريضة.
كانت بتقول
أنا بفكر أسيب الشغل عشان أساعدها.
بصيت لها.
وسألتها
جوزك هيشاركك؟
قالت
بيقول إن ده واجب عليا.
حطيت القلم من إيدي.
وقلت لها
الواجب مش معناه إن شخص واحد يشيل كل حاجة.
قالت
بس الناس هتقول عليا إيه؟
ابتسمت.
الناس بتتكلم في كل الأحوال.
وسكت شوية.
لكن جسمك وحياتك مش هيعوضهم حد.
قالت
أعمل إيه؟
قلت
اقعدي مع جوزك وإخواته وحطوا جدول.
ولو رفضوا؟
قلت
يبقى يعرفوا إن رفضهم له تمن.
مش فلوس.
مسؤولية.
سكتت.
وبعدين ابتسمت.
إنتي شكلك اتعلمتي بالطريقة الصعبة.
ضحكت.
أيوه.
وبصيت من شباك الفصل.
افتكرت إلهام القديمة.
اللي كانت بتفتكر إن التضحية معناها إنها تختفي.
اللي كانت بتقول
معلش.
على كل حاجة.
معلش لما تتعب.
معلش لما تتأخر.
معلش لما تتجرح.
معلش لما يتقال لها كلام يوجع.
لحد ما فهمت إن كلمة معلش لو اتقالت كتير، ممكن تخلي اللي قدامك يفتكر إن مفيش مشكلة أصلًا.
وأنا كان عندي مشكلة.
كبيرة.
بس أنا كنت الوحيدة اللي مش معترفة بيها.
بعد سنتين من اللي حصل، عفاف باعت الشقة في الزمالك.
مش لأن محتاجاها.
لكن لأنها قررت تغير مكان سكنها وتكون أقرب لأولادها.
وقبل ما تبيعها، طلبت مني أروح معاها.
دخلنا الشقة.
وقفت في الصالة.
بصت لي.
إلهام.
نعم؟
فاكرة
