بعد ثواني قليلين من ما حماتي أعلنت قدام يجي 60 حد من العيلة إنها مش هتديني ولا مليم أبيض من ثروتها، قمت وقفت ومعصم إيدي محروق، وشديت شنطة سفر سودا لحد وسط القاعة، وقلت كلمة طيرت الضحكة من على وشها تمام يا طنط عفاف.. طالما كل حاجة هتروح لابنك، يبقى من النهاردة كل اللي بعمله عشانك هيبقى برضه مسؤولية ابنك. محدش نطق ولا حد ضحك. بقالي سنة كاملة بنام على فترات، ساعتين أو تلاتة بالعافية. الساعة 4 الصبح إنذار تليفوني يرن في شقتنا في مدينة نصر، أقوم أعدي الطرقة عشان أعدل قعدتها، وأنضفها، وأشفط لها البلغم، وأغير لها عشان جسمها ميتقرحش. وتلات أيام في الأسبوع باخدها بالكرسي المتحرك أوديها قصر العيني تعمل غسيل كلوي. قبل كل ده، أنا كنت مدرّسة عربي في مدرّسة إعدادي في مصر الجديدة، وكان فاضل لي تكة وأثبت في وظيفتي. استقلت لما جوزي، حازم، اتحدف على رجلي وباس إيدي لما أمه جتلها جلطة في المخ. مش هينفع أسيب شغلي يا إلهام، أنا لسه مأخوذ ترقية. وأخواتي البنات عندهم عيال ومسحولين، وأخويا الصغير صايع ومش بتاع مسؤولية. ساعديني كام شهر بس وأنا هعوضك عن كل جنيه وكل تعب. ال كام شهر بؤوا سنة كاملة. عفاف كانت تقدر تحرك إيدها الشمال وتتكلم بالعافية، بس طبعها الجاف ولسانها الصعب زي ما هما. لو تأخرت تلات دقايق بس عشان أعدل قعدتها، تضل تظبط في السرير وتخبط بالحديد. لو الشوربة ملحها قليل، تتهمني إني عاوزة أموتها من الجوع. ولو طلبت نجيب ممرضة، تقول إن الغريبة هتسرق الذهب والبيت. في يوم الصبح، وأنا بقدملها شوربة خضار معمولة مخصوص عشان الكلى، زقت المعلقة بحدة والطبق اندلق على إيدي وسخن مولع. أنتِ عينك على الشقة اللي في الزمالك صح؟ عشان كده عاملي فيها الملاك البريء! وطيت على الأرض ألم الإزاز والمطبخ. أنا مش عاوزة منك شقق يا طنط. كلهن بتقولوا نفس البقين. حازم سمع الدوشة، دخل وهو لابس ومتشيك للشركة، شاف الأرض مغرقانة شوربة وإيدي حمرا، وكل اللي سأله هي كرافتتي الزرقا فين يا إلهام؟ اليوم ده في المستشفى، الممرضة بصلت لإيدي المحروقة وضهري اللي انحنى من الشيل والحط. يا مدام، أنتِ صحتك بتضيع، أنتِ محتاجة اللي يشيلك. ادتني رقم شركة خدمات تمريض ورعاية كبار سن. استغليت ال 4 ساعات بتوع الغسيل الكلوي وكلمتهم عشان أعرف الأسعار. المشرفة قريت التقرير الطبي شلل نصفي، فشل كلوي، نظافة شخصية كاملة، أكل معقم، وتوصيل للمستشفى. عشان ممرضة مقيمة 24 ساعة، الرعاية دي مش هتقل عن 38 ألف جنيه في الشهر، ده غير العلاج والمواصلات. حسيت بوجع في بطني.. أنا بقالي 12 شهر بعمل كل ده ببلاش، وبتهان فوقيها. بالليل جالي صاحبتي شيماء، هي محامية أحوال شخصية. أول ما شافتني اتسمرت مكانها. إيه اللي عملوه فيكي ده يا إلهام؟ جيت أهزر وأعدي الموضوع، انفجرت في العياط. شيماء طلعت أجندة وقلم. من النهاردة تسجلي كل فتفوتة ساعات الرعاية، الفواتير، الأدوية، التكاسي، الدكاترة، والرسائل. واحتفظي بأي مسج من حازم عن أمه. ليه كل ده؟ عشان الناس لما بتتعود على تضحيتك، بيفتكروا إن ده حق م مكتسب وواجب عليكي. في نفس الليلة، جم بنتين عفاف وأخوهم الصغير. مجمش عشان يستحموا أمهم ولا يغيرولها. جم عشان بيتخانقوا على شقة الزمالك اللي تسوى لها يجي 12 مليون جنيه. ماما عاوزة تكتب الشقة لحازم قالتها نيفين وهي بتبص لشبشبي المقطوع ب do ازدراء طبعاً، ما هو شغل مصلحة ليكي! أنا سبت شغلي ومستقبلي عشان أخدمها. يا سلام يا إلهام! بلاش تمثيل دور الضحية، ما أنتِ عايشة وقاعدة في الشقة ببلاش ومبتدفعيش إيجار! حسيت بنار اتطفت جوايا، وحاجةانية اتقفلت. خلاص، غيرولها أنتوا الليلة. نيفين تحميها، وهبة تعمل أكلها، ومصطفى ياخدها بكرة الغسيل. التلاتة اتخشبوا مكانهم. إحنا جايين نزور أمنا ونطمن عليها، مش جايين نشتغل خدامين وممرضين هنا! نيفين زعقت. ساعتها فهمت كل حاجة. بالنسبة لهم، خدمة أمهم دي واجب عائلي بس بشرط.. إن العيلة دي تبقى أنا! خلال الأسبوعين اللي بعدهم، جهزت لعيد ميلاد عفاف ال 70 في صمت. طلبت قاعة فخمة في المعادي، ومطرب، وهدايا، وبوفيه مفتوح غالي. دفعت العربون من تحويشتي القديمة عشان حازم وعدني يرجعلي كل مليم. طبعاً صورت كل وصل وكل تحويل. قبل الحفلة بليلة، عفاف شافت الفستان الأخضر اللي كنت هلبسه، شاورت على كرتونة قديمة تحت السرير. كان فيها فستان رمادي قدم وإتقص، ريحته كُمكمّة. البسي ده. ده شكل شغالة يا طنط! عفاف ابتسمت بلؤم. ما هو ده دورك بكرة يا حبيبتي.. تخدمي الضيوف وترعي الملايكة. بصيت لحازم عشان يتكلم، بَص في الأرض وتهرب. اسمعي كلامها يا إلهام، عدّي اليوم ده على خير. ابتسمت هادية حاضر.. هو يوم واحد فعلاً. الساعة 2 بالليل، جمعت أوراقي، شهاداتي، كشوفات حسابي، و صفحة سجلت فيها كل حاجة باليوم والساعة، وسكرين شوتس من كل المحادثات، وحطيتهم في شنطة سفر سودا. أنا مكنتش بهرب.. أنا كنت مستنية اللحظة الصح. واللحظة دي جت لما عفاف قررت قدام العيلة كلها تثبت إني مكسورة ومسواش جنيه في فستاني اللي لابساه. بما اني عندي حظر تعليقات فباقي القصه هاتلاقيها علي الصفحه دي. W A A D وهناك اعملي متابعه عشان يوصلك كل جديد أبرز المعجبين عفاف كانت قاعدة في نص القاعة، وحواليها أكتر من ستين واحد من العيلة، قرايب من ناحية حازم، وقرايب من ناحيتها، وجيران قدامى، وناس جايين مخصوص عشان عيد ميلادها السبعين. القاعة كانت متزوقة بشكل يخلي أي حد يدخل يحس إن المناسبة دي مهمة جدًا. ورد أبيض على الترابيزات. إضاءة هادية. ترابيزة حلويات عليها تورتة ضخمة مكتوب عليها سبعين سنة من العمر والعطاء وفي الناحية التانية كان المطرب بيجهز الميكروفون. أنا كنت واقفة جنب حازم، لابسة الفستان الأخضر اللي كنت مخبياه من شهور، وشعري مرفوع بطريقة بسيطة، وحاطة مكياج هادي. لأول مرة من شهور طويلة حسيت إني مش مجرد إلهام اللي بتجري ورا الأدوية والحفاضات والمشاوير. حسيت إني ست. إنسانة. مراتي. مدرسة كان ليها شغل وكيان. لكن الإحساس ده ماكملش أكتر من كام دقيقة. عفاف كانت بتستقبل الناس وهي قاعدة على كرسي متحرك، وحازم واقف جنبها، وكل شوية حد يقرب يسلم عليها ويقول ربنا يخليكي يا عفاف. عقبال مية سنة. إيه الجمال ده يا طنط عفاف. وهي كانت بتضحك ضحكتها الصغيرة اللي أنا عارفاها كويس. الضحكة اللي دايمًا وراها حاجة. لحد ما بنت أخت حازم، سارة، قربت منها وقالت بصوت عالي طنط عفاف، صحيح بقى موضوع الشقة بتاعة الزمالك اتحسم؟ أنا كنت واقفة بعيد شوية، بس سمعت. حازم بص لها بسرعة وقال مش وقته يا سارة. عفاف ردت بمنتهى الهدوء لا يا حازم، خليه وقته. وبعدين بصت ناحية الناس وقالت أنا أصلًا عايزة أقول كلمتين. المطرب كان ماسك الميكروفون. عفاف شاور له. هات الميكروفون. المطرب اتردد، وبعدين اداه لها. حازم قال ماما، بلاش تتعبي نفسك. ردت أنا عارفة أنا بعمل إيه. سكت. وهي بدأت تتكلم. صوتها كان متقطع بسبب الجلطة، لكن كل كلمة كانت واضحة. أنا... النهارده... كملت سبعين سنة. الناس سقفت. هي ابتسمت. وعندي تلات ولاد... وكل واحد فيهم ليه مكان في قلبي. بصت لنيفين. وبعدين هبة. وبعدين مصطفى. وبعدها بصت لحازم. بس أنا... لازم أضمن مستقبله. العيون كلها راحت لحازم. أنا فضلت ساكتة. عفاف لمحة نيوز كملت أنا قررت... إن كل اللي أملكه... هيروح لابني حازم. تصفيق طلع من كام شخص. حازم نفسه اتفاجئ. ماما... لكنها كملت الشقة في الزمالك... والحسابات... وأي فلوس أو أملاك... كلها لحازم. نيفن اتغير لون وشها. هبة فتحت بوقها. مصطفى قال يعني إيه كلها؟ عفاف رفعت إيدها. استنى. وبصت لي. أنا حسيت إن في حاجة جاية. قالت بس فيه حاجة تانية. القاعة سكتت. أنا مش هسيب... ولا مليم أبيض... لمرات ابني. ضحكة صغيرة طلعت من ناحية الترابيزة اللي ورا. حد قال يا طنط عفاف ده هزار. عفاف هزت راسها. لا... مش هزار. وبصت لي مباشرة. إلهام فاكرة إنها لما خدمتني سنة... تبقى ليها حق في ثروتي. حد من قرايبها قال يا عفاف هي أكيد ماقصدتش. لكنها قاطعته أنا عارفة هي بتعمل إيه. أنا بصيت لحازم. كنت مستنية كلمة واحدة. بس هو فضل ساكت. عفاف كملت كل اللي عملتهولي كان عشان عيني على الشقة. ساعتها سمعت ضحكة من واحدة قاعدة في الصف التاني. ضحكة قصيرة. لكنها كانت كفاية. كفاية جدًا. أنا حطيت إيدي على شنطة السفر السودا اللي كانت جنب الكرسي. ومشيت بيها لحد نص القاعة. صوت عجلاتها على الأرض كان أوضح من أي كلام. كل الناس بصت لي. وقفت. وحطيت الشنطة قدامي. وبصيت لعفاف. وقلت تمام يا طنط عفاف. القاعة كلها سكتت. طالما كل حاجة هتروح لابنك، يبقى من النهاردة كل اللي بعمله عشانك هيبقى برضه مسؤولية ابنك. الضحكة اختفت من وشها. واحدة من قرايب حازم قالت إيه اللي بتقوليه ده؟ بصيت لها. اللي سمعتيه. وبعدين فتحت الشنطة. طلعت أول ملف. وحطيته على الترابيزة. ده تقرير طبي. طلعت ملف تاني. وده كشف بكل الأدوية. ملف تالت. وده مصاريف العلاج. ورابع. وده فواتير المواصلات. وبعدين طلعت أجندة ضخمة. وده سجل الرعاية. نيفن قربت. سجل إيه؟ رديت كل يوم من السنة اللي فاتت. فتحت صفحة. الساعة أربعة وربع الفجر، تغيير وضع النوم. صفحة. الساعة خمسة وعشر دقائق، تنظيف. صفحة. الساعة ستة إلا ربع، تجهيز الأكل. وبعدين بصيت لحازم. وتلات مرات في الأسبوع غسيل كلوي. حازم بدأ يتوتر. إلهام، مش هنا. ضحكت ضحكة صغيرة. هو هنا بالذات. القاعة بدأت تتحول من حفلة عيد ميلاد لمكان محدش عارف يتنفس فيه. عفاف قالت إنتِ بتعملي إيه؟ قلت ولا حاجة. وطلعت ورقة. دي تكلفة ممرضة مقيمة 24 ساعة. حطيتها قدامها. وده عرض الشركة. وبعدين بصيت لأولادها. 38 ألف جنيه في الشهر. نيفن قالت إنتِ هتحاسبي أمنا؟ قلت لا. سكت شوية. أنا هحاسب نفسي. الكل بص لي. لأني أنا اللي كنت غبية. حازم قال بعصبية كفاية بقى يا إلهام. بصيت له. لأ، مش كفاية. دي كانت أول مرة أرفع صوتي عليه من يوم ما اتجوزته. أنت قلتلي كام شهر. سكت. فاكر؟ ما ردش. قلتلي كام شهر يا حازم. قال بصوت واطي فاكر. بقوا سنة. سكت. وأنا خلال السنة دي خسرت شغلي. سكت. خسرت دخلي. سكت. خسرت صحتي. سكت. وكنت بنام ساعتين أو تلاتة في اليوم. صوتي بدأ يهتز. وكل مرة أقولك أنا تعبت، تقوللي استحملي. بصيت له قدام كل الناس. استحملت. وبعدين حطيت إيدي على معصمي المحروق. لحد ما جسمي نفسه قال كفاية. عفاف قالت إنتِ بتعايريني؟ بصيت لها. لا يا طنط. وأنا بهز راسي. أنا بفكرك. قربت منها خطوة. أنا عمري ما طلبت منك شقة. سكت. ولا طلبت فلوس. سكت. ولا حتى طلبت منك كلمة شكر. سكت. كنت مستنية من ابنك يقوللي مرة واحدة كتر خيرك. بصيت لحازم. مرة واحدة. حازم نزل عينه في الأرض. هنا نيفين قالت بس انتي كنتي قاعدة في بيت ماما. ضحكت. بيت ماما؟ قالت آه. فتحت ملف تاني. الشقة دي باسم طنط عفاف. ردت أيوه. قلت وأنا دفعت كل فواتيرها طول السنة. هبة قالت ما ده طبيعي. بصيت لها. طبيعي؟ فتحت ورقة. كهربا. ورقة. غاز. ورقة. مياه. ورقة. مستلزمات طبية. ورقة. مواصلات. ورقة. حفاضات. ورقة. أدوية. وبعدين قلت وحتى أكلها. مصطفى ضحك بسخرية. يعني عايزة فلوسك كلها؟ بصيت له. لأ. سكت. أنا عايزة حقي في حياتي. محدش فهم قصدي في اللحظة دي. أنا نفسي ماكنتش عارفة أشرحه. أنا كنت عايزة حياتي ترجع. بس قبل ما أتكلم، دخلت واحدة من العاملات في القاعة وهي شايلة ظرف كبير. قربت مني وقالت مدام إلهام، ده اتساب عند الاستقبال باسم حضرتك. بصيت للظرف. اسمي كان مكتوب عليه. إلهام محمود. مسكته. بصيت لحازم. هو أول ما شاف الظرف، وشه اتغير. أنا لاحظت. قلت إيه ده يا حازم؟ قال بسرعة معرفش. فتحت الظرف. كان جواه جواب من المدرسة القديمة اللي كنت بشتغل فيها. قلبي دق بسرعة. قريت أول سطر. الأستاذة إلهام محمود... وبعدين سكت. شيماء كانت قالتلي قبل كده إن المدرسة كانت لسه محتفظة بملفي. لكن الجواب كان أكبر من مجرد ورقة. كان عرض رسمي للرجوع. بمرتب أعلى. ووظيفة ثابتة. وعدد حصص أقل. وتقدير للمدة السابقة اللي قضيتها في العمل. وقفت ماسكة الورقة. حازم قرب مني. إلهام... رفعت عيني. إيه؟ قال نتكلم في البيت. هزيت راسي. لأ. سكت. مفيش بيت. هو اتصدم. قلت البيت اللي كنت برجعله وأنا شايلة أمه على كتفي، وأنا مرهقة، وأنا مكسورة، وأنت بتسألني عن الكرافتة... خلاص. صوت شهقة طلع من حد ورايا. حازم قال إنتِ بتتكلمي عن الطلاق؟ ما جاوبتش. حطيت الورقة في الشنطة. وبعدين طلعت ورقة تانية. دي حجز أوضة في فندق لمدة أسبوع. نيفن قالت إنتِ مجنونة؟ رديت يمكن. وقلت بس لأول مرة من سنة... هنام من غير ما أخاف إن حد ينده عليا الساعة أربعة الفجر. عفاف بدأت تضرب بإيدها على مسند الكرسي. إلهام! بصيت لها. نعم؟ قالت هتسيبيني؟ سؤالها خرج لأول مرة من غير غضب. من غير اتهام. من غير تكبر. كان فيه خوف. بس أنا كنت تعبت. قلت بهدوء أنا مش سايباكي. هي بصت لي. أنا بسيب الدور اللي فرضتيه عليا. وسكت. إنتِ عندك تلات ولاد. بصيت لنيفن وهبة ومصطفى. وعندك ابن هو اللي هياخد كل ثروتك. وبعدين بصيت لحازم. يبقى طبيعي يكون هو المسؤول عن رعايتك. حازم قال أنا شغلي... قاطعته وأنا كان عندي شغل. سكت. الجملة وقعت عليه كأنها صفعة. قرب مني وقال إلهام، لو مشيتي دلوقتي الموضوع هيتفهم غلط. قلت الموضوع اتفهم صح أخيرًا. وشيلت الشنطة. مشيت ناحية الباب. لكن قبل ما أوصل، عفاف قالت استني. وقفت. قالت إنتِ فاكرة إنك كسبتي؟ بصيت لها. أنا مش داخلة مسابقة. قالت الشقة مش ليكي. ابتسمت. عارفة. قالت ومش هتاخدي منها حاجة. قلت مش عايزة. قالت يبقى رايحة فين؟ بصيت لها. أرجع لنفسي. وخرجت. أول ما باب القاعة اتقفل ورايا، حسيت إني أخيرًا أقدر أتنفس. كنت متوقعة إني هعيط. لكن الغريب إني ماعيطتش. كنت حاسة بخفة. كأني شايلة حمل ضخم واتشال من فوق ضهري فجأة. وقفت قدام القاعة. الموظفة جريت ورايا. مدام إلهام. بصيت لها. قالت العربية اللي حضرتك طلبتيها وصلت. قلت شكرًا. ركبت. وحطيت الشنطة جنبي. وأول ما العربية اتحركت، موبايلي بدأ يرن. حازم. قفلت. رن تاني. قفلت. رن تالت. قفلت. وبعدين رسالة. إنتي فاهمة اللي عملتيه؟ بصيت للرسالة. ما رديتش. رسالة تانية. ماما تعبانة. كتبت عندها تلات ولاد. مسحتها. وبعدين كتبت اتصرفوا. وبعتها. بعدها بدقيقة جاتني رسالة من نيفين إنتي قليلة الأصل. مسحتها. هبة هنجيبلك حاجتك من البيت. مسحتها. مصطفى لو فاكرة إنك هتبتزينا بالورق ده تبقي غلطانة. هنا وقفت. قريت الرسالة مرتين. وبعدين رديت أنا مش ببتز حد. الورق ده موجود عشان أنا حميت نفسي. وبعدها عملت حظر لمصطفى. لأول مرة في حياتي، ماكانش عندي استعداد أشرح نفسي. وصلت الفندق. طلعت الأوضة. قفلت الباب. وحطيت الشنطة على الأرض. وبعدين عملت حاجة ماعملتهاش من سنة. قفلت الموبايل. دخلت الحمام. أخدت دش طويل. لبست بيجامة. وسبت نفسي تقع على السرير. ماعرفتش نمت قد إيه. لكن لما صحيت، الشمس كانت داخلة من الشباك. بصيت للساعة. كانت عشرة ونص الصبح. فضلت أبص لها. عشرة ونص. أنا صحيت لوحدي. مفيش حد بينادي. مفيش جرس. مفيش سرير محتاج تعديل. مفيش صوت عفاف وهي بتزعق إلهام! ضحكت. وبعدين فجأة عيطت. عيطت كتير. مش عشان عفاف. عشان نفسي. عشان الست اللي اختفت مني خلال سنة. بعد يومين، شيماء جتلي. أول ما دخلت الأوضة، حطت شنطتها وقالت أخيرًا. بصيت لها. أخيرًا إيه؟ قالت أخيرًا عملتي اللي كنت مستنية تعمليه من أول شهر. ضحكت. كنت خايفة. قالت الخوف طبيعي. قعدت جنبي. بس فيه حاجة لازم تعرفيها. قلت إيه؟ قالت حازم كلمّني. اتوترت. كلمك ليه؟ قالت عشان يعرف أنا إيه اللي كنت بساعدك فيه. سكت. وقاللي إنك بتحاولي تاخدي فلوس من أمه. ضحكت بمرارة. طبعًا. شيماء فتحت اللابتوب. أنا رديت عليه بحاجة واحدة. إيه؟ قلتله إنك مش مطالبة تاخدي حاجة من أمه أصلًا. بصيت لها. وبعدين؟ قالت بس قلتله إنك لو صرفتي من فلوسك على علاجها، أو عندك التزامات مثبتة، الموضوع له حساب مختلف. سكت. شيماء بصت لي بجدية. إلهام، انتي محتاجة تفصلي بين حاجتين. إيه هما؟ فلوس عفاف. وبعدين أشارت لي. وحقوقك انتي. قالت إنتي مش طالبة ميراث. إنتي طالبة تتحاسبي على اللي دفعتيه. هزيت راسي. أنا مش عايزة مشاكل. قالت المشكلة مش في إنك تطلبي حقك. المشكلة إنك طول السنة كنتي بتقولي مفيش مشكلة. سكت. وبعدين قالت فيه حاجة تانية. إيه؟ المدرسة. قلبي دق. إيه؟ قالت الجواب اللي وصلك مش مجرد عرض. طلعت نسخة منه. هما عايزينك ترجعي رسمي. قريت الورقة. يعني ممكن أرجع؟ لو وافقتي. بصيت من الشباك. أنا كنت فاكرة إن حياتي انتهت. طلعت بس كانت متوقفة. رجعت القاهرة بعد أسبوع. مش للبيت. لشقة صغيرة إيجار في مصر الجديدة. شيماء ساعدتني ألاقيها. غرفة وصالة. مش فخمة. لكن كانت بتاعتي. أول ليلة نمت فيها هناك، حطيت شنطتي في الدولاب. فتحت الشباك. الشارع كان مليان أصوات. عربيات. ناس. باعة. حياة. وقلت لنفسي أنا رجعت. لكن اللي ماكنتش أعرفه إن عفاف ماكنتش ناوية تسيبني أمشي بسهولة. بعد أسبوع، وصلني إنذار رسمي. اتهموني فيه إني كنت مقيمة في شقة عفاف من غير مقابل وإن كل الأموال اللي صرفتها كانت بمحض إرادتي. قريت الورقة. ضحكت. مش لأن الموضوع مضحك. لكن لأن كل حاجة كنت بعملها خوفًا من إن حد يقول إني بطلب مقابل، دلوقتي اتحولت لسلاح ضدي. اتصلت بشيماء. قالت ما تقلقيش. قلت إنتي متأكدة؟ أيوه. أنا معايا كل حاجة. قالت وده أهم شيء. وبالفعل، فتحت اللابتوب. قدامها كانت ال صفحة. كل يوم. كل ساعة. كل مصروف. كل تحويل. كل رسالة. وفي آخر الملف، كانت فيه محادثة بيني وبين حازم. أنا الدواء خلص. هو هاته من فلوسك وأنا هديهالك. أنا الفلوس خلصت. هو استحملي كام يوم. رسالة تانية ماما محتاجة حفاضات. هو خدي من فلوسك، آخر الشهر أحاسبك. رسالة. الغسيل الكلوي محتاج مواصلات. هو اعملي اللي تقدري عليه. شيماء بصت لي. دي مش رسائل عادية. قلت عارفة. دي بتوضح إنه كان عارف. سكت. وبعدين قالت وعندك حاجة أقوى. إيه؟ قالت تقرير من المدرسة. إيه علاقته؟ إنك استقلتي عشان رعاية أمه. وقتها حسيت لأول مرة إن السنة اللي فاتت مش مجرد سنة ضاعت. كانت سنة موثقة. كل تعب كنت فاكرة إنه اتدفن، كان له أثر. بعد شهر تقريبًا، طلب حازم يقابلني. وافقته. مش في البيت. في كافيه هادي. دخل وقعد قدامي. كان شكله مرهق. أول مرة أشوفه بالشكل ده. قال إنتي وحشتيني. ما رديتش. قال البيت من غيرك فوضى. قلت دي مش مسؤوليتي. سكت. ماما بقت أصعب. قلت عندك إخوات. كل واحد عنده ظروف. ابتسمت. وأنا مكنتش عندي؟ بص في الأرض. إلهام، أنا عارف إني غلطت. دي كانت أول مرة يقولها. سكت. أنا كنت مضغوط. قلت وأنا كنت مضغوطة. كنت خايف على أمي. وأنا كنت خايفة عليها. بس إنتي كنتي أقرب حد ليها. هزيت راسي. وده مش معناه إني الوحيدة اللي مسؤولة عنها. سكت. وبعدين قال ماما بتسأل عليكي. سكت. وقالت إنها عايزة تعتذر. قلبي اتحرك. بس ما اتحركتش. قلت تعتذر عن إيه؟ قال عن كلامها في عيد ميلادها. قلت بس؟ سكت. ولا عن السنة كلها؟ ما ردش. قلت أنا مش محتاجة اعتذار عشان أرجع. أنا محتاجة سبب يخليني أصدق إن اللي حصل مش هيتكرر. قال مش هيتكرر. بصيت له. إنت قلت الجملة دي قبل كده. سكت. كل مرة كنت بتقوللي كام شهر. نزل عينه. أنا عايزك ترجعي. قلت وأنا عايزة أرجع شغلي. ارجعي. وأنا عايزة أنام. نامي. وأنا عايزة ماكونش مسؤولة عن أمك وحدي. سكت طويل. وبعدين قال هجيب ممرضة. بصيت له. مين هيدفع؟ قال أنا. وإخواتك. أيوه. هزيت راسي. كويس. قام. يعني هنرجع؟ قلت لا. اتجمد. إيه؟ قلت أنا مش هرجع للبيت اللي خرجت منه. بس... قاطعته لو عايز نتكلم عن علاقتنا، يبقى نتكلم من جديد. لكن خدمتي لأمك انتهت. سكت. إلهام... قلت أنا مش خدامة يا حازم. الكلمة دي كانت أول مرة أقولها له. ويمكن أول مرة أصدقها. بعد أيام، بدأت شغلي. أول يوم دخلت المدرسة، المديرة استقبلتني بنفسها. قالت وحشتينا. ابتسمت. وأنا كمان. دخلت الفصل. الطلبة أول ما شافوني بدأوا يسقفوا. واحدة قالت ميس إلهام! حسيت دموعي بتنزل. مسحتها بسرعة. وقلت وحشتوني. قالوا إنتي وحشتينا! قعدت على الكرسي. فتحت الكتاب. وبدأت أشرح. بعد أول حصة، حسيت إني رجعت أتنفس. مشيت في طرقة المدرسة. صوت الطلبة حوالي. رائحة الطباشير. الدوشة. كل حاجة كنت فاكرة إني فقدتها. طلعت موبايلي. لقيت رسالة من حازم ماما دخلت المستشفى. قلبي وقع. فتحت الرسالة. حالها تعبان. فضلت باصة. جزء مني كان عايز يجري. الجزء اللي قضى سنة كاملة بيخاف عليها. اتصلت. حازم رد. إلهام. إيه اللي حصل؟ ضغطها وقع. الدكتور قال إيه؟ محتاجين تحليل. اعملوه. سكت. ماما بتقول إنها عايزاكي. قفلت عيني. قلت أنا هاجي أزورها. سمعت صوت نفسه ارتاح. بجد؟ أيوه. لكن قلت زيارة. سكت. مش رجوع. قال فاهم. رحت المستشفى. لقيت عفاف نايمة. شكلها كان مختلف. ضعيفة. أول ما شافتني، دمعت. أنا قربت. مسكت إيدها. قالت بصعوبة سامحيني. وقفت. الكلمة كانت تقيلة. على إيه؟ قالت كل حاجة. سكت. كنت فاكرة إنك... طمعانة. بلعت ريقي. أنا عمري ما طلبت منك حاجة. هزت راسها. عرفت. عرفتي إزاي؟ بصت بعيد. بعد ما مشيتي... ولادي ماعرفوش يعملوا أسبوع. سكت. أول ليلة نيفين قالت إنها هتبات. وبعدين؟ نامت ساعتين ومشيت. عيني دمعت. هبة جابت أكل. سكتت. مصطفى أخدها الغسيل. وبعدين ضحكت ضحكة ضعيفة. رجع بيها بعد ما اتخانق مع السواق. سكت. حازم كان بيجري بين الشركة والمستشفى. بصت لي. وعرفت إنك كنتي بتعملي كل ده لوحدك. أنا ماقلتش حاجة. قالت أنا ظلمتك. فضلت ساكتة. قالت ومش عارفة أصلح اللي عملته. قلت مش كل حاجة بتتصلح. دمعت. عارفة. بس ممكن نتعلم منها. هزت راسها. وبعدين قالت أنا كنت قاسية. قلت كنتِ. ضحكت وسط دموعها. لسانك لسه زي ما هو. قلت أهو اتعلمت منك. ضحكت. وأنا ضحكت. ولأول مرة من سنة، ضحكنا سوا من غير ما يكون فيه إهانة. مرت شهور. عفاف بدأت تتحسن شوية. مش صحيًا بشكل كبير، لكن نفسيًا. بدأت تقبل وجود الممرضة. وبدأت تعتمد على أولادها. ولأول مرة، إخوات حازم فهموا إن الأم مش مسؤولية مرات أخوهم. كل واحد بدأ يشارك. حازم كان أكتر واحد اتغير. مش لأنه بقى مثالي. لكن لأنه فهم إن السكوت وقت الظلم كان مشاركة فيه. أنا ما رجعتش له فورًا. فضلنا فترة نتكلم. هو ييجي يشوفني. وأنا أسمع. لكن كان فيه شرط واحد. إن حياتي ما ترجعش للخلف. وفي يوم، قالي أنا عايز أبدأ معاكي من الأول. قلت وأنا مش عايزة أبدأ من الأول. استغرب. ليه؟ قلت عشان أنا مش نفس الست اللي اتجوزتك. سكت. أنا عايزة نبدأ من النقطة اللي وصلنا لها. فهم. وهز راسه. موافق. بعد حوالي سنة من حفلة عفاف، كنت في المدرسة. المديرة دخلت وقالت إلهام، فيه حد مستنيكي بره. خرجت. لقيت عفاف. قاعدة على كرسي متحرك. جنبها حازم. وفي إيدها ظرف. بصيت لها. قالت ده ليكي. قلت إيه ده؟ افتحيه. فتحت الظرف. لقيت جواب. مش فلوس. مش شيك. ولا عقد شقة. كان جواب بخط عفاف. قريت إلهام... وتوقفت. أنا طول عمري كنت فاكرة إن قيمة الإنسان في الفلوس اللي يسيبها لولاده. لكن اكتشفت متأخر إن الإنسان ممكن يملك عمارة وشقة وحساب بنكي، ويكون فقير جدًا لو فقد الناس اللي كانت واقفة جنبه. دموعي نزلت. كملت. أنا مش هطلب منك ترجعي تخدميني. ولا هطلب منك تنسي. أنا بس بطلب منك تسامحيني لما تقدري. وتحتها جملة واللي يخصني هيتقسم بالعدل بين أولادي، ومحدش فيهم هياخد حاجة تمنها كرامة إنسانة. قفلت الورقة. بصيت لها. قالت أنا اتعلمت. قلت وأنا كمان. حازم ابتسم. قال ماما عايزة تقولك حاجة. بصيت لها. قالت عيد ميلادي الجاي. ضحكت. نعم؟ قالت مش عايزاكي تنظميه. ضحكت. كويس. قالت ومش عايزاكي تطبخي. ضحكت أكتر. أمال عايزة إيه؟ قالت عايزة وجودك. سكت. وبعدين قالت لو حابة. قربت منها. حطيت إيدي على كتفها. وقلت هشوف. قالت دي أحسن إجابة أسمعها منك. ضحكت. بعد فترة، أنا وحازم رجعنا لبعض. بس مش بنفس الطريقة القديمة. عملنا بيت صغير خاص بينا. كل واحد له شغله. كل واحد له وقته. وأمه بقت ليها ممرضة وفريق رعاية. وأولادها كلهم بيساهموا. وأنا رجعت أدرس. وبعد سنة، بقيت وكيلة المدرسة. لما استلمت القرار، فضلت باصة له فترة. افتكرت اليوم اللي كنت فيه مدرسة، وسبت كل حاجة عشان أعتني بعفاف. افتكرت إيدي المحروقة. وضهري. والشنطة السودا. والقاعة. والستين شخص اللي كانوا مستنيين يشوفوني وأنا بتكسر. لكنهم شافوا حاجة تانية. شافوا واحدة أخيرًا قررت توقف. وفي يوم، كنت قاعدة في بيت عفاف. هي كانت قدامي، وحازم ونيفن وهبة ومصطفى حوالين السفرة. كانت بتاكل ببطء. فجأة عفاف قالت إلهام. نعم؟ قالت فاكرة الشنطة السودا؟ ضحكت. طبعًا. قالت أنا لحد النهارده كل ما أشوف شنطة سودا بتوتر. الكل ضحك. مصطفى قال ماما بقت بتخاف من الشنط. ضحكت. عفاف بصت لي وقالت إنتي يومها خوفتيني. قلت وأنا كنت خايفة أكتر. قالت بس انتي مشيتي. هزيت راسي. أيوه. قالت ولو الزمن رجع؟ فكرت شوية. وبعدين قلت كنت هطلب مساعدة من أول يوم. عفاف قالت وأنا كنت هطلب منك تفضلي. ضحكت. بس كنت هفضل بشرط. قالت إيه؟ إنك تقوليلي شكرًا. سكتت. وبعدين قالت شكرًا يا إلهام. المرة دي ماكنتش محتاجة أكتر من كده. بعد كام شهر، جالي اتصال من المدرسة. كان فيه معلمة جديدة بتشتغل معايا. كانت متجوزة، وعندها أم زوجها مريضة. كانت بتقول أنا بفكر أسيب الشغل عشان أساعدها. بصيت لها. وسألتها جوزك هيشاركك؟ قالت بيقول إن ده واجب عليا. حطيت القلم من إيدي. وقلت لها الواجب مش معناه إن شخص واحد يشيل كل حاجة. قالت بس الناس هتقول عليا إيه؟ ابتسمت. الناس بتتكلم في كل الأحوال. وسكت شوية. لكن جسمك وحياتك مش هيعوضهم حد. قالت أعمل إيه؟ قلت اقعدي مع جوزك وإخواته وحطوا جدول. ولو رفضوا؟ قلت يبقى يعرفوا إن رفضهم له تمن. مش فلوس. مسؤولية. سكتت. وبعدين ابتسمت. إنتي شكلك اتعلمتي بالطريقة الصعبة. ضحكت. أيوه. وبصيت من شباك الفصل. افتكرت إلهام القديمة. اللي كانت بتفتكر إن التضحية معناها إنها تختفي. اللي كانت بتقول معلش. على كل حاجة. معلش لما تتعب. معلش لما تتأخر. معلش لما تتجرح. معلش لما يتقال لها كلام يوجع. لحد ما فهمت إن كلمة معلش لو اتقالت كتير، ممكن تخلي اللي قدامك يفتكر إن مفيش مشكلة أصلًا. وأنا كان عندي مشكلة. كبيرة. بس أنا كنت الوحيدة اللي مش معترفة بيها. بعد سنتين من اللي حصل، عفاف باعت الشقة في الزمالك. مش لأن محتاجاها. لكن لأنها قررت تغير مكان سكنها وتكون أقرب لأولادها. وقبل ما تبيعها، طلبت مني أروح معاها. دخلنا الشقة. وقفت في الصالة. بصت لي. إلهام. نعم؟ فاكرة هنا؟ ضحكت. فاكرة كل حاجة. بصت للمطبخ. هنا وقعت الشوربة على إيدك. هزيت راسي. أيوه. قالت أنا آسفة. قلت عدت. قالت بس أنا مش عايزة أنسى. استغربت. قالت عشان ماعملهاش في حد تاني. قربت منها. حطيت إيدي على كتفها. وقالت أنا كنت فاكرة إنك لو مشيتي هتخسري. قلت وأنا كنت فاكرة إني لو فضلت هكسب رضاكم. سكتنا. وبعدين ضحكنا. وفي يوم عيد ميلاد عفاف اللي بعده، ماكانش فيه قاعة فخمة. ولا مطرب. ولا بوفيه. كان فيه بيت صغير. سفرة عادية. تورتة صغيرة. وأولادها حوالينها. وأحفادها بيجروا في الصالة. وأنا قاعدة في آخر السفرة. عفاف بصت لي. وقالت إلهام. قلت نعم؟ قالت قومي. اتخضيت. ليه؟ قالت هاتِيلي المنديل. ضحكت. هاتيه بنفسك. الكل انفجر في الضحك. عفاف ضحكت وقالت اتعلمتي بسرعة. قلت متأخرة شوية. هزت راسها. المهم إنك اتعلمتي. حازم كان بيبص لي من الناحية التانية. ابتسم. أنا ابتسمت له. مش ابتسامة الست اللي خايفة تخسر جوزها. ولا الست اللي بتحاول ترضي حماتها. دي كانت ابتسامة واحدة عارفة هي مين. بعد ما الكل مشي، عفاف نادتني. دخلت لها. كانت قاعدة جنب الشباك. قالت عايزة أديكي حاجة. فتحت درج صغير. طلعت منه مفتاح. مدته لي. بصيت له. مفتاح إيه؟ قالت الشقة اللي في الزمالك. اتوترت. إنتي بعتيها. قالت المفتاح ده مش للشقة. استغربت. قالت ده مفتاح صندوق أمانات. سكت. فيه إيه؟ ابتسمت. روحي مع حازم وشوفوا. قلبي بدأ يدق. تاني يوم رحنا. فتحنا الصندوق. لقيت أوراق. وحسابات. وعقود. لكن في الآخر كان فيه ظرف صغير باسمي. فتحت الظرف. جواه ورقة واحدة. مكتوب لو وصلتي للورقة دي، يبقى أنا متأكدة إنك فهمتي أهم حاجة. قريت. المال اللي مايتقسمش بالعدل بيعمل عداوة. والتعب اللي مابيتقدرش بيعمل قسوة. والحب اللي مافيش فيه احترام بيتحول لسجن. أنا أخطأت في التلاتة. فخلي حياتك غير حياتي. وبعدين لقيت تحت الورقة مبلغ مالي. حازم بص لي. ماما كانت مجهزاه ليكي. قلت أنا مش عايزة. حازم قال إلهام. قلت مش عشان الفلوس. وبعدين كملت بس لو دي هدية منها، هاخدها. مش كتعويض. ومش كمقابل لخدمتي. لكن كهدية. وده فرق كبير. رجعنا البيت. حازم قعد قدامي. قال أنا كنت فاكر إنك هتفضلي. بصيت له. أنا كمان كنت فاكرة كده. قال إيه اللي خلاكي تمشي؟ ابتسمت. الشنطة. ضحك. الشنطة السودا؟ أيوه. قال أنا عمري ما هنسى شكلها. قلت ولا أنا. سكت شوية. وبعدين قال لو كنتي ما مشيتيش؟ بصيت له. كنت هضيع. قال ولو أنا ما اتغيرتش؟ كنت همشي للأبد. سكت. وبعدين مسك إيدي. إيدي اللي كان عليها أثر الحرق القديم. قال لسه العلامة موجودة. بصيت لها. أيوه. قال بتوجعك؟ هزيت راسي. لأ. وبعدين ابتسمت. بس بتفكرني. بإيه؟ قلت إن أي حد ممكن يطلب مني أضحي. بس أنا اللي بقرر أضحي بإيه. ومرت السنين. وعفاف كبرت. وأنا كبرت. وحازم اتغير. والبيت اتغير. لكن أكتر حاجة اتغيرت كانت أنا. ما بقيتش بخاف من كلمة لا. ما بقيتش بخاف إن حد يزعل مني لو رفضت حاجة فوق طاقتي. ما بقيتش شايفة إن الست لازم تثبت حبها إنها تتعب. ولا إن الزوجة الصالحة هي اللي تسكت. ولا إن خدمة الكبير معناها إلغاء نفسها. بقيت أساعد لما أقدر. وأرفض لما ماقدرش. وأقول تعبت قبل ما جسمي يصرخ. وفي آخر يوم من السنة الدراسية، كنت واقفة في فناء المدرسة. الطلبة بيخرجوا. واحدة من المدرسات قربت مني وقالت ميس إلهام. بصيت لها. نعم؟ قالت أنا كنت عايزة أشكرك. ضحكت. على إيه؟ قالت إنتي خليتيني أفهم إن خدمة الناس مش معناها إني أختفي. ابتسمت. وقلت خليكي فاكرة دايمًا. وبصيت للسماء. افتكرت القاعة. الستين شخص. ضحكة عفاف. الشنطة السودا. الورق. الحرق. الليل اللي نمت فيه لأول مرة من غير ما حد يناديني. وافتكرت الجملة اللي قلتها طالما كل حاجة هتروح لابنك، يبقى من النهاردة كل اللي بعمله عشانك هيبقى مسؤولية ابنك. وقتها كنت فاكرة إني كنت بحط نهاية لسنة من الظلم. لكن الحقيقة إني كنت بفتح أول صفحة في حياتي الجديدة. صفحة ماكانش فيها قصر. ولا شقة في الزمالك. ولا ملايين. كان فيها حاجة أغلى. كرامتي. وشغلي. وصحتي. واسمي. وصوتي. وأهم حاجة... إني أخيرًا بقيت أعرف إن الحب الحقيقي ما يطلبش منك تختفي عشان غيرك يعيش. وإن اللي بيحبك بجد، لما يشوفك بتتعبي، مش هيقولك استحملي. هيقول لك تعالي، أنا هشيل معاكي. أما اللي يسيب الحمل كله فوق كتفك، وبعدين يقف يتفرج عليك وإنتي بتقعي... فحتى لو كان أقرب الناس ليكي، لازم في يوم تحطي الشنطة السودا على الأرض... وتقولي كفاية. وساعتها مش مهم مين هيزعل. ولا مين هيقول إنك اتغيرتي. ولا مين هيتهمك إنك طماعة. ولا مين هيحاول يخوفك من بكرة. لأنك في اللحظة دي هتكوني عارفة حاجة واحدة بس إنك مش مطالبة تخسري نفسك عشان تثبتي إنك بتحبي حد. وفي النهاية، أنا ما أخدتش شقة الزمالك. ولا طلبت من عفاف مليم. لكن أخدت حاجة ماكانش ممكن أي حد يكتبها في عقد. أخدت حياتي تاني. وعفاف؟ عاشت باقي عمرها وهي عارفة إن الست اللي كانت فاكرها طامعة في ثروتها، كانت في الحقيقة أغنى واحدة في البيت... لأنها كانت الوحيدة اللي دفعت من عمرها، وصحتها، وحياتها... ولما اتقال لها إنها مش هتاخد ولا مليم... عرفت لأول مرة إنها مش محتاجة مليم عشان تعرف قيمة نفسها.