بعد ثواني

هنا؟
ضحكت.
فاكرة كل حاجة.
بصت للمطبخ.
هنا وقعت الشوربة على إيدك.
هزيت راسي.
أيوه.
قالت
أنا آسفة.
قلت
عدت.
قالت
بس أنا مش عايزة أنسى.
استغربت.
قالت
عشان ماعملهاش في حد تاني.
قربت منها.
حطيت إيدي على كتفها.
وقالت
أنا كنت فاكرة إنك لو مشيتي هتخسري.
قلت
وأنا كنت فاكرة إني لو فضلت هكسب رضاكم.
سكتنا.
وبعدين ضحكنا.
وفي يوم عيد ميلاد عفاف اللي بعده، ماكانش فيه قاعة فخمة.
ولا مطرب.
ولا بوفيه.
كان فيه بيت صغير.
سفرة عادية.
تورتة صغيرة.
وأولادها حوالينها.
وأحفادها بيجروا في الصالة.
وأنا قاعدة في آخر السفرة.
عفاف بصت لي.
وقالت
إلهام.
قلت
نعم؟
قالت
قومي.
اتخضيت.
ليه؟
قالت
هاتِيلي المنديل.
ضحكت.
هاتيه بنفسك.
الكل انفجر في الضحك.
عفاف ضحكت وقالت
اتعلمتي بسرعة.
قلت
متأخرة شوية.
هزت راسها.
المهم إنك اتعلمتي.
حازم كان بيبص لي من الناحية التانية.
ابتسم.
أنا ابتسمت له.
مش ابتسامة الست اللي خايفة تخسر جوزها.
ولا الست اللي بتحاول ترضي حماتها.
دي كانت ابتسامة واحدة عارفة هي مين.
بعد ما الكل مشي، عفاف نادتني.
دخلت لها.
كانت قاعدة جنب الشباك.
قالت
عايزة أديكي حاجة.
فتحت درج صغير.
طلعت منه مفتاح.
مدته لي.
بصيت له.
مفتاح إيه؟
قالت
الشقة اللي في الزمالك.
اتوترت.
إنتي بعتيها.
قالت
المفتاح ده مش للشقة.
استغربت.
قالت
ده مفتاح صندوق أمانات.
سكت.
فيه إيه؟
ابتسمت.
روحي مع حازم وشوفوا.
قلبي بدأ يدق.
تاني يوم رحنا.
فتحنا الصندوق.
لقيت أوراق.
وحسابات.
وعقود.
لكن في الآخر كان فيه ظرف صغير باسمي.
فتحت الظرف.
جواه ورقة واحدة.
مكتوب
لو وصلتي للورقة دي، يبقى أنا متأكدة إنك فهمتي أهم حاجة.
قريت.
المال اللي مايتقسمش بالعدل بيعمل عداوة.
والتعب اللي مابيتقدرش بيعمل قسوة.
والحب اللي مافيش فيه احترام بيتحول لسجن.
أنا أخطأت في التلاتة.
فخلي حياتك غير حياتي.
وبعدين لقيت تحت الورقة مبلغ مالي.
حازم بص لي.
ماما كانت مجهزاه ليكي.
قلت
أنا مش عايزة.
حازم قال
إلهام.
قلت
مش عشان الفلوس.
وبعدين كملت
بس لو دي هدية منها، هاخدها.
مش كتعويض.
ومش كمقابل لخدمتي.
لكن كهدية.
وده فرق كبير.
رجعنا البيت.
حازم قعد قدامي.
قال
أنا كنت فاكر إنك هتفضلي.
بصيت له.
أنا كمان كنت فاكرة كده.
قال
إيه اللي خلاكي تمشي؟
ابتسمت.
الشنطة.
ضحك.
الشنطة السودا؟
أيوه.
قال
أنا عمري ما هنسى شكلها.
قلت
ولا أنا.
سكت شوية.
وبعدين قال
لو كنتي ما مشيتيش؟
بصيت له.
كنت هضيع.
قال
ولو أنا ما اتغيرتش؟
كنت همشي للأبد.
سكت.
وبعدين مسك إيدي.
إيدي اللي كان عليها أثر الحرق القديم.
قال
لسه العلامة موجودة.
بصيت لها.
أيوه.
قال
بتوجعك؟
هزيت راسي.
لأ.
وبعدين ابتسمت.
بس بتفكرني.
بإيه؟
قلت
إن أي حد ممكن يطلب مني أضحي.
بس أنا اللي بقرر أضحي بإيه.
ومرت السنين.
وعفاف كبرت.
وأنا كبرت.
وحازم اتغير.
والبيت اتغير.
لكن أكتر حاجة اتغيرت كانت أنا.
ما بقيتش بخاف من كلمة لا.
ما بقيتش بخاف إن حد يزعل مني لو رفضت حاجة فوق طاقتي.
ما بقيتش شايفة إن الست لازم تثبت حبها إنها تتعب.
ولا إن الزوجة الصالحة هي اللي تسكت.
ولا إن خدمة الكبير معناها إلغاء نفسها.
بقيت أساعد لما أقدر.
وأرفض لما ماقدرش.
وأقول تعبت قبل ما جسمي يصرخ.
وفي آخر يوم من السنة الدراسية، كنت واقفة في فناء المدرسة.
الطلبة بيخرجوا.
واحدة من المدرسات قربت مني وقالت
ميس إلهام.
بصيت لها.
نعم؟
قالت
أنا كنت عايزة أشكرك.
ضحكت.
على إيه؟
قالت
إنتي خليتيني أفهم إن خدمة الناس مش معناها إني أختفي.
ابتسمت.
وقلت
خليكي فاكرة دايمًا.
وبصيت للسماء.
افتكرت القاعة.
الستين شخص.
ضحكة عفاف.
الشنطة السودا.
الورق.
الحرق.
الليل اللي نمت فيه لأول مرة من غير ما حد يناديني.
وافتكرت الجملة اللي قلتها
طالما كل حاجة هتروح لابنك، يبقى من النهاردة كل اللي بعمله عشانك هيبقى مسؤولية ابنك.
وقتها كنت فاكرة إني كنت بحط نهاية لسنة من الظلم.
لكن الحقيقة إني كنت بفتح أول صفحة في حياتي الجديدة.
صفحة ماكانش فيها قصر.
ولا شقة في الزمالك.
ولا ملايين.
كان فيها حاجة أغلى.
كرامتي.
وشغلي.
وصحتي.
واسمي.
وصوتي.
وأهم حاجة…
إني أخيرًا بقيت أعرف إن الحب الحقيقي ما يطلبش منك تختفي عشان غيرك يعيش.
وإن اللي بيحبك بجد، لما يشوفك بتتعبي، مش هيقولك
استحملي.
هيقول لك
تعالي، أنا هشيل معاكي.
أما اللي يسيب الحمل كله فوق كتفك، وبعدين يقف يتفرج عليك وإنتي بتقعي…
فحتى لو كان أقرب الناس ليكي، لازم في يوم تحطي الشنطة السودا على الأرض…
وتقولي
كفاية.
وساعتها مش مهم مين هيزعل.
ولا مين هيقول إنك اتغيرتي.
ولا مين هيتهمك إنك طماعة.
ولا مين هيحاول يخوفك من بكرة.
لأنك في اللحظة دي هتكوني عارفة حاجة واحدة بس
إنك مش مطالبة تخسري نفسك عشان تثبتي إنك بتحبي حد.
وفي النهاية، أنا ما أخدتش شقة الزمالك.
ولا طلبت من عفاف مليم.
لكن أخدت حاجة ماكانش ممكن أي حد يكتبها في عقد.
أخدت حياتي تاني.
وعفاف؟
عاشت باقي عمرها وهي عارفة إن الست اللي كانت فاكرها طامعة في ثروتها، كانت في الحقيقة أغنى واحدة في البيت…
لأنها كانت الوحيدة اللي دفعت من عمرها، وصحتها، وحياتها…
ولما اتقال لها إنها مش هتاخد ولا مليم…
عرفت لأول مرة إنها مش محتاجة مليم عشان تعرف قيمة نفسها.

الصفحة السابقة 1 2 3 4 5الصفحة التالية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *