دمكتب مدير القاعه

طلعت من مكتب مدير القاعة والفلاشة في جبي، تقيلة كأنها سبائك رصاص. الشمس كانت طالعة في سماء المعادي محرقة، بس أنا كنت حاسس بالبرد بياكل في عظامي. ركبت عربيتي، حطيت إيدي على الطارة، ولقيت صوابعي بتترعش.. مش خوف، ولا ضعف، ده كان الفتيل اللي بيولع جوه صدري.
الدم اللي بيجري في عروق إسلام ده دمي، والعصب اللي وراه ده شقايا، والفلوس اللي بيتباهى بيها قدام نسايبه الجداد دي كانت جلدي اللي اتسلخ في الشمس على السقالات. بس النهاردة، الدم ده اتمسح، والشقا ده اتنسى.. إسلام بالنسبة لي مات في اللحظة اللي زق فيها أمه ومشي.
سوقت لحد البيت وأنا عقلي شغال زي الساعة السويسرية. مفيش مجال للغضب الأعمى، الغضب الأعمى بيكسر صاحبه.. أنا محتاج انتقام هادي، متخطط، ويتقش على البارد.
فتحت باب الشقة بشويش. البيت كان ساكت، ريحة بخور هادية طالعة من أوضة النوم. دخلت لقيت ماجدة قاعدة على طرف السرير، لفة ركبتها برباط ضاغط، ومسكة مصحف صغير بتكيد فيه. أول ما شافتني غطت رجلها بالجلابية بسرعة وحاولت تبتسم ابتسامة مكسورة.
— رجب؟ جيت بدري يعني يا أبو إسلام؟ كنت فين؟
قربت منها، قعدت على ركبتي قدامها، وحطيت إيدي على إيدها اللي بتترعش. ماجدة دي اللي وقفت معايا لما ما كانش حيلتي غير جلباب واحد ومطرقة، دي اللي كانت بتعمل الأكل للعمال وتجيبه في حليلة ألومنيوم على دماغها وهي حامل في إسلام.
— كنت بخلص شغل يا حبيبتي.. ركبتك عاملة ايه النهاردة؟
— كويسة والله.. الحمد لله، وقعة بسيطة وتعدي.
بصيت في عينها، ولقيت كسرة النفس اللي ماجدة عمرها ما عرفتها.
— ماجدة.. إنتي بتحبيني؟
— ايه السؤال ده يا رجب في وسط النهار؟
— جاوبيني.. بتحبيني وبتثقي فيا؟
— بحبك وأفديك بعمري.. أنت عارف كده.
— يبقى توعديني.. مهما شفتي، ومهما سمعتي الأيام الجاية، ما تتكلميش، وما تتدخليش، وتسبيني أربط الخيوط بالطريقة اللي تريحني.
بصلتي باستغراب، وكان في عينها خوف:
— رجب.. أنت عرفت حاجة؟ إسلام كلمك؟
— إسلام مش ابننا يا ماجدة.. إسلام عيل أتاجر بينا عشان يشتروا بيه منظرة. أديني مهلة، وحقك وحق الوجع اللي في جسمك ده هيرجعلك ومغسول بمية الذهب.
سيبتها وطلعت على مكتبي في الصالة. فتحت الخزنة، طلعت الملفات الأصول بتاعة الشراكة، وأوراق الأراضي، والشهادات، وحسابات البنوك.
