الحاج عدنان كان راجل غريب طول عمره، عاش لوحده في بيته القديم اللي في آخر البلد، بيت كبير من دورين بحوش واسع وشجر مانجا وجوافة طالع لحد السطوح، طول عمره كان بيقول ان البيت ده فيه روحه، وعمره ما رضي يبيعه رغم ان ناس كتير عرضت عليه ملايين، خلف ولدين وبنت وماتوا بدري وسابوا وراهم ستة احفاد بس هو كان بيحب اربعة بس منهم اوي وكان دايما شايف فيهم نفسه، فارس الكبير مهندس شاطر بس دماغه ناشفة ومبيسمعش كلام حد، وبلال اللي اصغر منه بسنتين دكتور بيطري وقلبه طيب وبيضحك على طول بس عصبي جدا، وسلسبيل اللي كانت في كلية فنون جميلة وبتحب الرسم والالوان وعايشة في عالم لوحدها، وسندس اختها الصغيرة اللي في ثانوية عامة ولسانها طويل ومبتسكتش عن حقها ابدا، وسجي كانت بنت عمهم الصغيرة اللي كانت بتيجي تزورهم وكانت بتحب تسمع الحكايات. الحاج عدنان لما تعب ودخل المستشفى جمع المحامي بتاعه وكتب وصية غريبة جدا، قال فيها انا سايب كل حاجة، الارض والبيت والفلوس اللي في البنك والدهب، بس اللي عايز الورث من احفادي الاربعة دول لازم يعمل شرط واحد، يعيشوا كلهم مع بعض في بيتي القديم لمدة شهر كامل من غير ولا خناقة واحدة، ولو اتخانقوا خناقة واحدة كبيرة يبقى الورث كله يروح للجامع، والمحامي قالهم انه هيركب كاميرات في كل حتة في البيت عشان يراقبهم وانه هو اللي هيحكم اذا كان فيه خناق ولا لأ، وكمان قالهم ان سجي هتكون هي الشاهدة عليهم لانها كانت اقرب واحدة لقلب جدهم وكانت بتسمع كلامه. لما الحاج مات وقروا الوصية فارس اتصدم وقال ايه الهبل ده، انا عندي شغلي ومشروعي في القاهرة مش هسيبه واجي اعيش في بيت قديم مقطوع، وبلال قال وانا عندي العيادة بتاعتي ومينفعش اسيبها شهر، وسلسبيل قالت انا مش هعرف اعيش معاكم انتو الاتنين طول النهار خناق، وسندس قالت بقى انا عندي دروس ثانوية عامة، وسجي قالت انا موافقة اجي معاكم عشان بحب البيت ده، بس المحامي قالهم الورث كبير اوي، عشرة فدان وبيت تمنه دلوقتي يعدي الخمسة مليون والفلوس اللي في البنك، ساعتها كلهم سكتوا وبصوا لبعض، فارس قال خلاص نجرب، شهر وهيعدي، عدنان كان بيضحك وهو بيكتب الوصية وكان عارف انهم هيوافقوا. اول يوم راحوا البيت القديم، البيت كان مترب وريحته قديمة، الستاير مقفولة والعفش متغطي بملايات بيضا، الكهربا بتقطع كل شوية والحنفيات بتصدي، سلسبيل اول ما دخلت قالت يا ساتر انا هيجيلي حساسية من التراب ده، سندس قالت وانا مش هنضف كل ده لوحدي، فارس قال محدش قالك تنضفي لوحدك هنقسم الشغل، بلال دخل اوضته القديمة لقى سريره الصغير لسه موجود وضحك وقال ياااه فاكرين لما كنا بنيجي هنا واحنا صغار وجدو كان بيحكيلنا حواديت، وسجي قالت فاكرة لما كان بيحكيلي عن سندس وسلسبيل وهم صغيرين. قسموا الاوض، فارس خد الاوضة الكبيرة اللي فوق عشان بيحب الهدوء، وبلال خد الاوضة اللي جنب المطبخ عشان بيجوع بالليل، وسلسبيل وسندس خدوا الاوضة اللي فيها البلكونة الكبيرة اللي بتبص على الجنينة، وسجي خدت الاوضة اللي كانت بتاعة جدها عدنان عشان كانت بتحبها، واتفقوا ان كل واحد عليه حاجة، فارس عليه يصلح اي حاجة بايظة في البيت، وبلال عليه يجيب الطلبات من السوق، وسلسبيل عليها تروق البيت، وسندس عليها المواعين والغسيل، وسجي عليها تعمل الشاي وتروق الجنينة، وكتبوا ورقة وعلقوها على التلاجة. تاني يوم بدأت المشاكل، فارس صحي بدري عايز يعمل قهوة لقى بلال سايب التلاجة مفتوحة طول الليل واللبن باظ، اتعصب وقال يا بني انت مش صغير عشان تسيب التلاجة مفتوحة، بلال قاله معلش كنت مستعجل وكنت بجيب مية، فارس قاله مستعجل ايه انت دكتور المفروض تبقى منظم، سلسبيل صحيت على صوتهم وقالت حرام عليكم من اولها كده صوت عالي انا لسه نايمة، سندس قالت ايوة انتو هتصحونا كل يوم على خناق ولا ايه، وسجي قالت خلاص يا جماعة صلوا على النبي. فارس سكت وافتكر الوصية وقال لا احنا مش هنتخانق احنا هنستحمل بعض، واخد بعضه وطلع يصلح الحنفية اللي بتنقط في الحمام، وهو بيصلحها المية ضربت في وشه وغرقته، سلسبيل شافته وفضلت تضحك عليه جامد وقالت له شكلك عامل زي الفرخة المبلولة، فارس الاول اتضايق وبعدين ضحك معاها وقال لها طب تعالي ساعديني بدل ما بتضحكي، وسجي جابت له فوطة وقالت له تعالى نشف نفسك. عدى اسبوع والوضع بقى اهدى شوية، كل واحد بدأ ياخد على التاني، بلال كان كل يوم يجيب فطار من الفرن اللي جنبهم ويصحيهم بصوته العالي ويقول يلا يا كسلانين الفطار جه، سلسبيل كانت بترسم في الجنينة طول النهار وكانت بترسم البيت القديم بكل تفاصيله، سندس كانت بتذاكر في البلكونة وفارس كان بيساعدها في الفيزيا عشان هو شاطر فيها، وسجي كانت بتحكي لهم حواديت جدهم عدنان اللي كان بيحكيهالها، وبالليل كانوا بيقعدوا كلهم في الحوش يشربوا شاي ويحكوا عن جدهم. لمحة نيوز في يوم النور قطع بالليل والدنيا بقت ضلمة كحل، سندس خافت عشان بتخاف من الضلمة، بلال قام جاب كشافات وشمع وقعد يحكي حواديت رعب عشان يخوفهم اكتر، سلسبيل قالت له بس بقى انت هتخوف البت، فارس قال سيبك منه تعالي يا سندس اقعدي جنبي متخافيش، وقعدوا يحكوا عن ذكرياتهم وهم صغيرين لما كان جدهم بيجمعهم ويعملهم حفلة شوي في الجنينة، وسجي قالت انا فاكرة لما جدو عدنان كان بيقول ان البيت ده هيجمعنا تاني حتى لو هو مش موجود. بعد خمستاشر يوم حصلت اول خناقة كبيرة، سلسبيل كانت بترسم لوحة كبيرة وكانت سيباها تنشف في الصالة، سندس وهي بتجري عشان ترد على التليفون خبطت فيها ووقعت الالوان كلها عليها وبوظتها، سلسبيل اتجننت وقامت صرخت فيها وقالت لها انتي عارفة انا بقالي كام يوم برسم فيها انتي مستهترة ومش بتحترمي حاجة حد، سندس عيطت وقالت لها وانا مكنتش اقصد يعني انتي فاكرة اني قاصدة ابوظها، وفضلت تعيط وتقول انا اسفة، وسجي قالت حرام عليكي يا سلسبيل هي مكنتش تقصد. فارس وبلال جم على الصوت ولقوهم هيتخانقوا، بلال قال يا جماعة اهدوا مش مستاهلة، فارس قال لسلسبيل معلش هي مكنتش تقصد وبعدين انتي تقدري ترسمي واحدة احلى منها، سلسبيل قالت لا مش هسامحها دي تعبت فيها، سندس قامت دخلت اوضتها وقفلت على نفسها، فارس راح خبط عليها وقال لها اطلعي صالحيها احنا قلنا مش هنتخانق عشان الورث، سندس قالت انا مش عايزة ورث لو هي هتفضل تكلمني كده، وسجي فضلت جنبها تواسيها. فضل البيت مقلوب يومين محدش بيكلم التاني، الاكل محدش بيعمله والبيت رجع يترب تاني، بلال حس ان الموضوع هيبوظ راح لسلسبيل وقال لها على فكرة سندس بتحب رسمك اوي وكانت بتوريني رسوماتك وبتقول نفسي ابقى شاطرة زيها، سلسبيل اتأثرت وقالت بجد، بلال قالها اه والله، وبعدين راح لسندس وقالها سلسبيل زعلانة عشان اللوحة دي كانت هتقدميها في مسابقة مهمة، سندس قالت يا خبر انا مكنتش اعرف، وسجي قالت لها قومي صلحيها يا سندس. سندس قامت جابت الوان من مصروفها وقعدت طول الليل تحاول تصلح اللوحة على قد ما تقدر، تاني يوم الصبح راحت لسلسبيل وقالت لها انا اسفة وحاولت اصلحها، سلسبيل شافت اللوحة لقتها بقت احلى عشان سندس ضافت عليها لمسات طفولية جميلة، سلسبيل حضنتها وقالت لها الله دي بقت احلى من الاول، واتصالحوا ورجعوا يضحكوا تاني، وسجي زغرتت من الفرحة وقالت اهو كده. بعدها باسبوع بلال وفارس اتخانقوا خناقة كبيرة، فارس كان عايز يهد حيطة في البيت عشان يوسع المطبخ وبلال قاله انت هتبوظ البيت ده بيت جدي وله ذكريات مينفعش تهد فيه، فارس قاله ذكريات ايه ده بيت قديم ولازم يتجدد، بلال قاله انت كل حاجة عندك فلوس وتهد وتبني مفيش عندك قلب، فارس اتعصب وقاله وانت فاكر نفسك اللي بتحب جدي واحنا لا، وسجي قالت لهم يا جماعة اهدوا عشان خاطر جدو عدنان. الخناقة صوتها علي اوي والمحامي كان سامعهم من الكاميرات وكلمهم وقالهم خدوا بالكم لو كملتوا الخناقة هتخسروا الورث، ساعتها الاتنين سكتوا وبعدوا عن بعض، بالليل فارس قعد لوحده في الجنينة وبلال راح قعد جنبه من غير ما يتكلم، فارس قاله فاكر لما كنا صغيرين وكنا بنتخانق على العجلة وجدو كان بيجي يصلحنا، بلال ضحك وقاله اه وكان بيقولنا الاخوات اللي يتخانقوا على لعبة هيكبروا يتخانقوا على ورث، واحنا اهو بنتخانق على ورث بجد، وسجي كانت سامعاهم وبتضحك. فارس قاله عندك حق احنا بقينا وحشين اوي، جدو مكنش عايز يورثنا فلوس بس كان عايز يورثنا بعض، كان عايزنا نفتكر اننا عيلة، بلال قاله اه والله انا من ساعة ما قعدت هنا حسيت براحة مكنتش حاسس بيها من سنين، من ساعة ما كل واحد راح في حتة واحنا اتفرقنا، فارس قاله وانا كمان، وسجي قالت لهم جدو عدنان كان بيقول ان الفلوس بتروح وتيجي انما الاخوات مبتتعوضش. في نص الشهر تقريبا فارس جاله تليفون من الشغل بيقولوا له المشروع هيبوظ لو مرجعش، فارس اتوتر جدا وقعد يفكر يسيب البيت ويمشي، بس بلال قاله لو مشيت دلوقتي هنخسر كلنا، استحمل الاسبوعين دول، فارس قال انا خايف اخسر شغلي، سندس قالت له يا فارس الشغل بيتعوض انما احنا لو اتفرقنا مش هنتجمع تاني، وسلسبيل قالت له فاكر لما كنت انت اللي بتجمعنا واحنا صغيرين وكنت بتعملنا طيارات ورق، فارس ضحك وقال ايوة كنت بعملها من ورق الكراريس، وسجي قالت له خلاص خليك واعتبر ان الطيارة دي هي العيلة وانت اللي سايقها. وفي يوم تاني سلسبيل تعبت وجالها برد جامد وسخونية، مكنتش قادرة تقوم من السرير، سندس فضلت قاعدة جنبها طول الليل بتعملها كمادات، وبلال جاب لها دوا من العيادة، وفارس قعد يحكي لها حواديت عشان تنام زي ما جدهم عدنان كان بيعمل، سلسبيل قالت لهم انا اول مرة من زمان احس ان حد خايف عليا كده، من ساعة ما سافرت عشان الكلية وانا لوحدي، فارس قالها احنا جنبك على طول. وكمان حصل موقف غريب، لقوا في اوضة الكراكيب صندوق خشب قديم مقفول، فتحوه لقوا فيه صور قديمة ليهم وهم صغيرين مع جدهم عدنان، ولقوا جوابات صغيرة كان كاتبها لكل واحد فيهم، جواب لفارس بيقوله يا فارس انت الكبير ولازم تخلي بالك من اخواتك، وجواب لبلال بيقوله يا بلال قلبك الطيب ده كنز حافظ عليه، وجواب لسلسبيل بيقولها يا سلسبيل الوانك هي اللي هتنور البيت، وجواب لسندس بيقولها يا سندس صوتك العالي ده هو اللي بيصحي البيت، وجواب لسجي بيقولها يا سجي انتي اللي هتفضلي تلمينا حواليكي. اليوم ده عيطوا كلهم وقرروا يعملوا حفلة صغيرة في الجنينة ويعلقوا الصور على الحيطة، جابوا كشاف نور صغير وشغلوا اغاني قديمة لجدهم وقعدوا يرقصوا ويضحكوا لحد الفجر، الجيران جم يتفرجوا عليهم وقالوا بيت الحاج عدنان رجع نور تاني. اخر اسبوع في الشهر كان احلى اسبوع، بقوا يعملوا كل حاجة مع بعض، بقوا يطبخوا مع بعض رغم ان اكلهم كان بيطلع وحش بس كانوا بيضحكوا، وبقوا ينضفوا البيت مع بعض ويشغلوا اغاني قديمة ويغنوا بصوت عالي، سلسبيل رسمت صورة كبيرة ليهم هم الاربعة وهم قاعدين في الجنينة وعلقتها في الصالة، وسندس بقت تذاكر وهم كلهم قاعدين حواليها يشجعوها، وفارس وبلال بقوا يصلحوا الجنينة ويزرعوا فيها ورد جديد، وسجي كانت بتسقي الزرع كل يوم الصبح وتقول ده زرع جدو عدنان لازم يفضل اخضر. يوم تسعة وعشرين المحامي جه ومعاه اوراق وقالهم انا كنت براقبكم طول الشهر وشفت كل حاجة، وشفت خناقاتكم الصغيرة بس شفت كمان انكم اتعلمتوا تسامحوا بعض، وشفت انكم بقيتوا عيلة بجد، وعشان كده انا شايف انكم نجحتوا في الوصية، بس في حاجة اخيرة جدكم سايبها، جواب مقفول قال افتحوه بعد ما الشهر يخلص، وسجي كانت مبسوطة اوي وبتقول انا كنت عارفة انكم هتنجحوا. فتحوا الجواب وكان مكتوب فيه يا احفادي يا حبايبي لو انتو بتقروا الجواب ده دلوقتي يبقى انتو قدرتوا تعيشوا مع بعض شهر من غير ما تكرهوا بعض، انا مكنتش عايز اورثكم فلوس وخلاص، انا كنت عايز اورثكم البيت ده عشان يفضل مفتوح بيكم، الفلوس بتخلص انما العيلة مبتخلصش، انا كنت بشوفكم وانتو صغيرين بتلعبوا في الجنينة وكنت بدعي انكم تفضلوا كده على طول، متبعوش البيت ده، خلوه بيت العيلة اللي تتجمعوا فيه كل سنة، ولو حد فيكم احتاج التاني يلاقيه، بحبكم كلكم يا ولاد الغاليين، جدكم عدنان، وسلمولي على سجي حبيبة قلبي اللي كانت بتسمع كلامي. كلهم عيطوا جامد وحضنوا بعض، فارس قال انا مش هبيع نصيبي ابدا، بلال قال وانا هاجي افتح عيادتي هنا في البلد جنب البيت، سلسبيل قالت وانا هرسم كل حيطة في البيت، وسندس قالت وانا هذاكر هنا عشان ريحتكم بتخليني اعرف اذاكر، وسجي قالت وانا هفضل اجي كل يوم اروق البيت وازرع ورد معاكم، وقرروا انهم مش هيقسموا الورث فلوس، هيخلوا البيت بيت العيلة الكبير وكل واحد هياخد شقة فيه ويعيشوا مع بعض، وكل سنة في نفس المعاد يتجمعوا في البيت القديم ويفتكروا وصية جدهم اللي رجعتهم لبعض تاني، وفارس قال انا عمري ما كنت اتخيل ان الوصية الغريبة دي هتغير حياتنا كده، وبلال قال جدو عدنان كان اذكى مننا كلنا وكان عارف دواء الوحدة هو اللمة، ومن ساعتها البيت بقى مليان حس وضحك وصوت سجي وهي بتغني في الجنينة وصوت فارس وبلال وهم بيتخانقوا ويتصالحوا في نفس اللحظة وصوت سلسبيل وهي بترسم وسندس وهي بتذاكر.