ماكينه الخياطه

كنت بقعد عليها بالساعات، ظهري يتوجع وعيني تزغلل من النور الضعيف، بس كله بيهون لما كنت أسمع صوت تكتكتها وهي بتخيط القماش. الصوت ده كان بالنسبالي هو لحن الأمل.
الحمد لله، ربنا فتحها عليا وبقى يجيلي زباين من الحتة. وبدأت أعمل لعيالي اللي ابوهم مكنش قادر يعمله
ابني الصغير كان بيمشي بجزمة مقطوعة وصباعه باين منها وبيتكسف وسط أصحابه، جبتله جزمة جديدة كان طاير بيها من الفرحة.
ابني الكبير بنطلونه كان مليان رقع فوق رقع، لدرجة إنه مبقاش ينفع يترقع تاني، نزلت جبتله قماش وفصلتله بنطلون جديد يرفع راسه بيه.
بنتي الحنينة كانت علطول تعبانة من اللوز وسخونية مابتنزلش، ومكنش معانا حق دكتور. فضلت أحوش من عرق الماكينة قرش على قرش لحد ما عملتلها العملية وارتاحت.
كنت بحس بانتصار مع كل غرزة بتمشي في القماش. بس الحلو مبيكملش في بيت المدمن. كل ما كنت أشتغل وأجيب قرش، كان هو يتكاسل أكتر عن الشغل. كتر الشرب هد حيله ونشف دمه وعماه. بدل ما يشيل معايا، بقى يدور على أي قرش أجمعه من الزباين
عشان ياخده مني عافية ويجري بيه على الكيف
بتاعه.
وفي يوم مش هنسى تفاصيله طول ما أنا عايشة..
نزلت السوق الصبح، سبت العيال نايمين ورحت أشتري توب قماش وأدوات خياطة، خيوط وإبر وزراير، كنت واخدة شغل لعروسة وكنت فرحانة إن القرشين بتوعها هيسندونا الشتا ده.
رجعت البيت شايلة الحاجه على كتفي، وفتحت الباب ولقيت الهدوء غريب. دخلت أوضة الشغل.. عيني راحت على التربيزة.. الدنيا لفت بيا والشنط وقعت من إيدي.
التربيزة فاضية! الماكينة مش موجودة!
جريت عليه زي المچنونة وهو قاعد على الكنبة عينه مزغلله ومرخي، صړخت فيه بصوت شرخ حلقي فين الماكينة يا محمود؟ فين الماكينة اللي بناكل منها لقمة عيش؟
رد عليا ببرود يقهر الحجر، وهو بيتكعبل في الكلام احتجت فلوسها.. بعتها..
وهبقى أجبلك غيرها، متعمليش ليلة.
ليلة؟ بعت قوت عيالك عشان تشم وتتبسط؟ اتخانقت معاه بكل غل الدنيا اللي في قلبي، مسكته من هدومه وأنا بعيط وبتحسبن عليه، لكنه كالعادة، قام وزقني وضړبني قلم نزلني الأرض، وفضل يضرب فيا لحد ما جسمي كله بقى يوجعني. عيالي صحيوا على الصوت، جريوا عليا وحضنوني وهم بيصرخوا ودموعهم مغرقة وشوشهم الصغيرة.
سكت.. سكت عشانهم زي العاده . مع ان الضعف عمره ما كان حل والسكوت عمره ما فادني بس برده سكت..خدتهم في حضڼي ودخلت الأوضة، قفلت الباب علينا وقعدت أعيط في الضلمة وأنا مغلوبة على أمري.