قدر لا يشبهه

بمنزل ليلى
ولجت منال زوجة عمها
_ياوفاء، ياوفاء
خرجت وفاء من المطبخ
_خير ياام هشام
_ايه ياختي، ليلى مجتش بقالها اسبوعين ليه، هي ناسية انها مخطوبة ولا ايه، ومابتردش ليه على خطيبها، كلميها ووعيها ياوفاء
_ليلى عندها امتحانات يامنال مش فاضية، ووقت ماتخلص هتيجي
مصمصت شفتيها، تضرب يدها على صدرها
_يوه، بقولك ياولية وحشت خطيبها، ايه مش قادرة تيجي يوم، ماهو مش هسيب الارض وشغله ويروح لها
_بقولك يامنال، لو فاضية تعالي ساعديني في الخبيز، العيش حوا هيبوظ، ولا ايه
استدارت وهي تقول
_ياريت فاضية، انا دابحة كام فرخة ورايحة انضفهم، البنات هيجوا بكرة
اغلقت وفاء الباب خلفها بعنف تسبها، واتجهت الى عملها، توقفت ثم رفعت هاتفها
_عاملة ايه حبيبتي
_كويسة ياماما
_صوتك ماله ياماما… بقلم سيلا وليد
_مفيش، بس منمتش كويس، هروح اتغدى وانام
_شاطرة حبيبتي، كلي ياليلى، انا عارفة انك بتنسي الاكل، وممكن تنامي وماتاكليش
_حاضر… لازم اقفل الاتوبيس جه
قالتها واتجهت لكي تستقل سيارة الاجرة المتجهة الى منزل اخيها، ولكنها غيرت رأيها وتحركت الجانب الاخر، واستقلت سيارة اخرى متجهة الى الشركة
بينما دفعت منال باب غرفة ابنها
_انت من النجمة تروح تجيب الغندورة، هي نسيت انها مخطوبة لك ولا ايه
_حاضر ياما، سبيني انام
لكزته غاضبة
_خليك لما حد مصرواي يلف عليها وياخدها منك، علشان ترفض تكتب كتابك ياخايب
_انت تقصدي ايه ياما

بغرفة نيفين، اخرجت قميصًا احمر قصيرًا، وضعته على جسدها وتبسمت
_مااشوف اخرتها معاك ياابن عمي
دلفت الخادمة، تتلفت حولها، ثم أغلقت الباب
_حضرتك طلبتيني ياهانم
استدارت إليها
_هنزل ساعتين وارجع، عايزة اعرف تحركات ثريا هانم وملك كمان
ووقت ماعمران يجي، تنفذي اللي قولته بالحرف الواحد، سمعتيني ولا لا، يارب تنجحي
اشارت الخادمة الى عينيها
_من عينيا… حاضر، بس يارب ملك هانم ماتروحش عنده زي المرة اللي فاتت
_متقلقيش، هشغلها
عند ليلى
وصلت إلى الشركة، وصعدت دون وعي إلى مكتبه، كأن قدميها تعرفان الطريق إليه أكثر مما تعرفه هي.
وجدت السكرتيرة الخاصة به منكبة على عملها، فتوقفت أمام مكتبها، وسألت بصوت خافت:
— عمران بيه موجود؟
رفعت هدى عينيها إليها، وأخذت تتفحصها بنظرات صامتة؛ كنزة صوفية بسيطة، وبنطال أسود واسع، وملامح ريفية هادئة لم تستطع إخفاء ارتباكها.
أجابتها ببرود:
— مشغول… عدي علينا في وقت تاني.. زي المرة اللي فاتت
تجمدت ليلى للحظة.
لم تكن الكلمة قاسية، لكن قلبها كان هشًّا بما يكفي ليؤلمه أبسط رد.
انخفضت عيناها، وحاولت أن تخفي الحزن الذي تسلل إلى ملامحها، بينما تحجرت الدموع في عينيها.
— حاضر.
استدارت لتغادر، وفي اللحظة نفسها انفتح باب المكتب.
خرج عمران وهو يتحدث مع أحد العملاء، وما إن أغلق حديثه حتى رفع عينيه نحو السكرتيرة.
— خليكي مع رائف بيه يا هدى.
استدار ليعود إلى مكتبه، لكنه توقف فجأة.
حين وقعت عيناه عليها.
ليلى… همس بها
كانت واقفة على بُعد خطوات منه، تنظر إليه بعينين امتلأتا بالعتاب أكثر مما امتلأتا بالدموع.
تلاقت عيناهما.
وفي لحظة واحدة، فهم كل شيء.
نظراتها العتابية
ونظراته صرخت باعتذار لم يجد طريقه إلى شفتيه.. ورغم ذلك رسم البرود
— ليلى… فيه حاجة؟
لم تجبه.
فقط نظرت إليه لثوانٍ، ثم انزلقت دمعة ساخنة على وجنتها.
مسحتها سريعًا، وكأنها تخجل حتى من دموعها أمامه، ثم استدارت وغادرت.
اتجهت إلى الدرج بخطوات متعثرة، ودموعها تسبقها.
أما عمران، فظل واقفًا مكانه، يتابعها بعينيه حتى اختفت.
التفت إلى السكرتيرة، وصوته خرج هادئًا بشكل مخيف:
— ليلى كانت عايزة إيه؟
نظرت إليه هدى باستغراب.
— ليلى مين؟
اشتعلت عيناه.
— البنت اللي كانت هنا.
— دي كانت عايزة تقابلك، بس قولتلها إن حضرتك مشغول… هي جت قبل كده برده، بس أنا قولتلها إن حضرتك مش فاضي.
تبدلت ملامحه تمامًا.
— إنتِ مين علشان تقرري أنا أقابل مين؟
ارتبكت وخفضت عينيها.
— آسفة… فكرت إن حضرتك
قاطعها بحدة:.. بقلم سيلا وليد
— إنتِ ماتـفكريش تاني.
ثم اتجه إلى مكتبه وأغلق الباب بعنف، غير مكترث بالعميل الذي كان لا يزال يقف بالخارج.
استند إلى الباب للحظة، وأغمض عينيه.
نظرتها لم تفارقه.
ذلك العتاب الصامت كان أقسى عليه من أي كلمة.
كيف لم يرَ أنها جاءت إليه؟
كيف سمح لها أن تخرج وهي تبكي؟
قبض يده، وزفر بعنف، وكأن شيئًا داخله يختنق.
وصلت ليلى إلى مكتب أخيها.
وحمدت الله حين وجدته بمفرده.
رفع فريد عينيه إليها، وما إن رأى وجهها المبلل بالدموع حتى نهض مذعورًا.
— ليلى!
لم تجبه.
اندفعت نحوه وألقت بنفسها بين ذراعيه، وانفجرت في بكاء مكتوم تحول سريعًا إلى شهقات متتالية.
تجمد جسده.. توقفت أفكاره.
كل ما استطاع عقله استيعابه سؤال واحد:
ماذا حدث لها؟
أبعدها عنه قليلًا، وأجلسها على المقعد، ثم جلس أمامها وأحاط وجهها بكفيه.
— مالك؟ إيه اللي حصل؟
هزت رأسها وهي تبكي.
— عايزة أرجع البلد… مش عايزة أقعد هنا. رجعني البلد حالًا يا فريد.
قطب جبينه.
— ليه؟ إيه اللي حصل؟
شهقت، ولم تستطع أن تنطق.
مسح دموعها بإبهامه، وصوته صار أكثر حنانًا:
— بطلي عياط وفهميني… حد زعلك؟
في تلك اللحظة رن هاتف المكتب.
رفع فريد السماعة.
— أيوه، مستر مدحت.
جاءه صوت مدحت:
— اطلع لي يا فريد، فيه شغل لازم نخلصه.
أغلق فريد الهاتف، ونظر إلى أخته بعجز.
نهضت ليلى سريعًا.
— شوف شغلك… أنا هروح.
أمسك يدها.
— لا، خليكي. هطلع أستأذن وأجيلك، عايز أعرف إيه اللي حصل معاكي.
هزت رأسها، ثم أجبرت نفسها على الابتسام.
— مفيش… ماما وبابا وحشوني بس.
اقترب منها واحتضن وجهها.
— يعني مفيش حد مزعلك؟
هزت رأسها بالنفي، بينما تهربت عيناها من عينيه.
— لا… هسيبك وأروح. عايزة أنام.
تنهد فريد.
— طيب يا حبيبتي. أنا مش هتأخر، وهاخد أجازة بكرة وننزل البلد. إيه رأيك؟
أومأت بصمت، ثم خرجت.
ظل فريد يراقبها حتى اختفت من أمامه.
في الأعلى، كان عمران يراقبها من خلال كاميرات الشركة.
رآها وهي تخرج وحدها.لم يتردد.
جمع أشياءه، وأخذ مفاتيح سيارته، ثم غادر خلفها.
كانت ليلى تقف أمام الشركة، تنتظر سيارة أجرة.
عيناها شاردتان في باب الشركة، وكأنها تستعيد كل شيء.. أول مرة دخلت هذا المكان…

الصفحة السابقة 1 2 3 4 5 6 7 8 9 10 11 12 13 14 15 16 17 18 19 20 21 22 23 24 25 26 27 28 29 30 31 32 33 34 35 36 37 38 39الصفحة التالية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *