قدر لا يشبهه

وجد والدته في انتظاره، وما إن رأته حتى ابتسمت.
— يا بختها يا سيدي… اللي تخليك كده.
ضحك، ثم احتضنها وقبّل رأسها.
— يا بختي أنا يا ماما.
ابتعد عنها قليلًا، وقال بابتسامة صادقة:
— البنت دي بريئة لدرجة تحسيها طفلة.
نظرت إليه والدته بدهشة:
— مين دي يا حبيبي؟
وقبل أن يجيب، جاءت الخادمة مسرعة.
— عمران بيه… في موضوع مهم لازم أقوله لحضرتك.
تغيرت ملامحه قليلًا، ثم أومأ لها.
— اتفضلي.
أشار نحو المكتب، ثم عاد إلى والدته وقبّل رأسها.
— خليهم يبعتوا قهوتي يا ماما.
ابتسمت له:
— عيوني يا حبيبي.
تحرك خلف الخادمة، دون أن يدرك أن ابتسامته التي حملها معه إلى الفيلا ستختفي بعد دقائق…
بعد فترة
صعد عمران إلى غرفته.
فتح الباب، وخطا خطوتين فقط…
ثم توقف.. كانت نيفين تجلس فوق فراشه، تنتظره.
رفعت عينيها إليه، ثم نهضت ببطء، واتجهت نحوه.
— عمران… اتأخرت ليه؟ مستنياك من بدري.
لم يجبها.
مدت يدها إلى سترته، ونزعتها عنه، ثم اقتربت أكثر وهي تقول بنبرة ناعمة:
— تعرف بقالي ساعتين قاعدة مستنياك؟
توقفت أمامه، بينما ظل هو واقفًا مكانه، ملامحه جامدة، وعيناه لا تحملان سوى الاستغراب.. فجأة صورها عقله بأن هذه ليلى
ضحكتها.. عينيها وهي تخفضهما خجلًا.
نظر ليد نيفين التي احتضنت ذراعيه،بعدما نزعت قميصه، وشعر بأن بكف ليلى الصغير الذي ظل ممسكًا بكفه طوال اليوم.
ابتسم ورفع كفيه على وجهها
_وحشتيني حبيبتي

“اللهم استرنا فوق الأرض وتحت الأرض ويوم العرض عليك ”

نوفيلا قدرا لا يشبه بقلم سيلا وليد

تبسّمت نيفين في انتصار، وقد شعرت أن مخططها يسير تمامًا كما أرادت.
رفعت ذراعها حول عنقه، واقتربت منه أكثر، حتى فقد عمران قدرته على مقاومة تأثير ما وُضع في قهوته. أحاطها بذراعيه، وانحنى نحوها، يهمس بكلمات عاشقة وهو يظن، في غياب وعيه، أنها ليلى.
كانت نيفين تشعر بنشوة الانتصار؛ ظنت أنها أخيرًا استطاعت أن تصل إلى قلبه، وأن ما ارتدته وما وضعته في قهوته قد جعلاه يسقط في غرامها.
لكن ابتسامتها تجمدت فجأة.
توقفت أنفاسها حين خرج اسم ليلى من بين همساته:
— ليلى…
اتسعت عيناها، وكأن الكلمة صفعتها.
رفعت وجهها إليه تتأمل ملامحه، تبحث عن أي دليل يخبرها أنه يقصدها هي… لكن عينيه لم تكونا تريانها أصلًا.
حاولت إخفاء ارتباكها، ولمست وجهه برفق، وهمست بصوت حاولت أن تجعله أكثر إغواءً:
— عمران…
وفجأة، انفتح الباب.
شهقت ثريا حين وقعت عيناها على المشهد أمامها.
— عمران!
جاء صوتها كصرخة هزّت المكان.
انتفض عمران، واعتدل بصعوبة، جسده مترنح وأنفاسه متلاحقة، وكأنه يستيقظ من غيبوبة لا يفهم كيف دخلها.
أما ثريا فلم تهتم بحالته، فقد كانت عيناها معلقتين بنيفين، التي أسرعت بالنهوض من فوق الفراش، تحاول جمع ثيابها المرتبكة، وارتجفت شفتاها وهي تقول:
— طنط ثريا…
نظرت إليها ثريا باحتقار وصدمة، ثم عادت بعينيها إلى ابنها.
— توصل للقذارة دي يا عمران؟!
تجمد عمران.
أغمض عينيه بقوة، محاولًا استيعاب كلماتها، حتى التقطت أذنه اسم نيفين.
فتح عينيه ببطء، ثم التفت إليها.
كانت واقفة أمامه، تتصنع الانهيار والدموع، بينما هو ينظر إليها وكأنها لغز مرعب لا يفهمه.
مرر يده بعنف على وجهه.
— إيه اللي حصل؟!
خرج صوته مخنوقًا، مليئًا بالذهول.
لم ينتظر إجابة.
اندفع نحو الحمام، وأغلق الباب خلفه.
اقتربت ثريا من نيفين، وصوتها يرتجف من شدة الغضب:
— أنا قرفانة منك.
— طنط ثريا، ماتفهميش غلط… عمران هو اللي…
لم تسمح لها بإكمال جملتها.
أشارت إلى الباب بحسم:
— اطلعي برة الأوضة دي فورًا.
خرجت نيفين، بينما بقيت ثريا واقفة للحظات، تنظر إلى الباب المغلق خلف ابنها، وقلبها يعتصرها مما رأت.
في الداخل، وقف عمران تحت الماء وقتًا طويلًا.
كان الماء ينساب فوق رأسه ووجهه، لكنه لم يستطع إطفاء الفوضى التي اشتعلت داخله.. صور متقطعة.. صوت ثريا.
اسم نيفين.
اسم ليلى الذي كان يردده.. لقد تخيلها بين ذراعيه
رفع رأسه، وضرب جبينه بالحائط، ثم أغلق عينيه بقهر.
— إيه اللي حصل لي؟
شهق بأنفاس متقطعة، ثم قبض يده بقوة.
— لدرجة دي بقيت ضعيف؟
ضرب الحائط مرة أخرى، وقد تحول الذهول إلى غضب على نفسه.
— إزاي فقدت السيطرة على نفسي بالشكل ده؟
ظل واقفًا تحت الماء، عاجزًا عن مواجهة الحقيقة التي لا يتذكر تفاصيلها، لكن شيئًا داخله كان يصرخ بأن ما حدث لم يكن طبيعيًا.
رفع رأسه، وخرجت منه صرخة مكتومة:
— آاااه!
ضرب بقبضته الباب الزجاجي بعنف، فاهتز المكان من حوله، قبل أن يسند جبهته عليه، مغمضًا عينيه، يحاول التقاط أنفاسه المتلاحقة. كان صدره يعلو ويهبط بعنف
خرج بعد قليل، يلتف بمنشفة حول خصره، واتجه إلى غرفة ملابسه بخطوات ثقيلة، لا يرى أمامه ولا يسمع شيئًا. ارتدى ملابسه على عجل، ثم خرج، وما زالت قطرات المياه تنساب من شعره وعنقه، شاهدة على محاولته اليائسة أن يغسل عن جسده وذاكرته ما حدث.
كانت والدته تنتظره.
نهضت فور رؤيته واقتربت منه، لكنه رفع يده يمنعها، وقال بصوت منهك:
_ماما… أنا تعبان وعايز أنام.
نظرت إليه بقهر، ثم قالت:
_مش لما تفهمني إيه اللي حصل! أنا لما البنت قالت لي إنها شافت نيفين جاية عندك بقميص نوم، ما صدقتش… اضطريت أشوف الكاميرات بنفسي. ليه يا ابني؟ ليه كده؟ من إمتى وإنت معاها بالشكل ده؟
رفع عينيه إليها.
كان في عينيه شيء جعل قلبها يرتجف… قهر، وندم، ودموع حبيسة تقاوم السقوط.
_ماما… لو سمحت، أنا عايز أنام.
لكنها لم تتراجع، اقتربت منه ولكزته في صدره بقوة، والدموع تلمع في عينيها:
_مش همشي من هنا غير لما أفهم! إزاي وصلت للقذارة دي يا عمران؟ إزاي؟ أنا ربيتك أحسن تربية، عمري ما تخيلت أشوفك بالشكل ده!
أغمض عينيه للحظة، وكأن كلماتها كانت أقسى من أن يحتملها.
ثم انحنى، التقط هاتفه ومفاتيحه، وتحرك نحو الباب دون أن ينطق بحرف.
_عمران!
لم يلتفت.
_عمران استنى… أنا بكلمك!
لكنه خرج وأغلق الباب خلفه، تاركًا والدته تحدق في أثره، وقلبها يرفض تصديق ما رأته عيناها.
أما نيفين، فبمجرد أن دلفت غرفتها أغلقت الباب خلفها، وأسندت ظهرها إليه، تلتقط أنفاسها المتسارعة.
وضعت يدها على صدرها وهمست بضيق:
_الله يخرب بيتك يا ست حرباية… كان لازم تيجي في الوقت ده؟ وبعدين بقى؟
اتجهت إلى المرآة، وما إن وقعت عيناها على انعكاسها حتى تجمدت للحظات.
آثار ما حدث ما زالت واضحة، فرفعت يدها تتحسس عنقها دون وعي، وأغمضت عينيها.
ارتجف قلبها.
لم تكن تحبه… لكن شيئًا ما تغير بداخلها منذ قربه منها
شيء جعلها لا تريد الابتعاد عنه، رغم أنها تعرف جيدًا أن ما تشعر به ليس حبًا حقيقيًا، بل تعلقًا بما جعلها تشعر به بين ذراعيه.
وفجأة…تذكرت همسته.
والأسم الذي خرج من بين كلماته، تتذكر كيف كان ملهوفًا بها، ظنًا أنها ليلى، رددت الأسن
_ليلى…
فتحت عينيها بحدة، وانقبض قلبها.
_مين ليلى دي كمان، لازم أعرف مين ياعمران بيه
في تلك اللحظة، انفتح الباب بعنف، ودلفت ثريا.
رفعت نيفين رأسها مذعورة، بينما قالت ثريا بصوت بارد، لكنه يحمل غضبًا هائلًا:
_لمي هدومك وامشي من بيتي.
شهقت نيفين، واقتربت منها سريعًا، ثم أمسكت بكفيها وانفجرت باكية:
_لا، أرجوكي يا طنط ثريا… أنا بحب عمران أوي، وهو كمان بيحبني! وكان مستني الفرصة المناسبة علشان يقولك… علشان خاطري يا طنط، سامحينا
تجمدت ثريا في مكانها.
_يعني عمران بيحبك إنتِ؟
هزت نيفين رأسها بخجل مصطنع، وأنزلت عينيها إلى الأرض.
_حضرتك شوفتي كل حاجة بعينيكي… يعني هكدب عليكي ليه؟
هنا.. عادت إلى ذهن ثريا صورة ابنها قبل دقائق…
عيناه المليئتان بالاضطراب، أنفاسه المتقطعة، حالته التي جعلت أي شخص يراه يقسم أنه كان غارقًا في عشق امرأة.
ارتبكت للحظة، صدقت نيفين.
لكن شيئًا في داخلها ظل يرفض.
خرجت من الغرفة وعقلها يعصف بعشرات الأسئلة.
كلمات ابنها عن فتاة بريئة لا تفارق ذهنها.
فتاة بريئة…
لكن من يقصد؟
هل كان يقصد نيفين حقًا؟
هزت رأسها بقوة.
_لا… لا، الموضوع ده فيه حاجة غلط.
وفجأة تذكرت كلام الخادمة.
توقفت في منتصف الممر.
_ثريا هانم… في حاجة عايزة أقولها لحضرتك، بس والنبي ما تفهمينيش غلط.
التفتت إليها ثريا:
_قولي يا بنتي.
خفضت الخادمة صوتها:
_وأنا بودي كوباية اللبن لملك هانم، شوفت نيفين هانم داخلة أوضة عمران بيه، وكانت لابسة قميص نوم… استغربت، وكنت مفكرة إنها رايحة تجيب حاجة من الأوضة. وقفت مستنية تخرج، بس ما خرجتش. دخلت بهدوء وفتحت الباب سنة صغيرة… لقيتها نايمة على سريره، وبتبص لنفسها وبتتحرك في القميص كأنها بتلفت نظره ليها.
حدقت ثريا فيها طويلًا، ثم أشارت بيد مرتجفة:
_اطلعي بره.
انصرفت الخادمة فورًا.
أما ثريا، فاتجهت بخطوات سريعة إلى غرفة المراقبة.
جلست أمام الشاشات، وبدأت تعيد تسجيلات الكاميرات.
مرت الدقائق ببطء قاتل…
حتى ظهرت نيفين.
توقفت أمام الكاميرا، ثم اتجهت بخطوات واثقة ناحية غرفة عمران.
كانت تحمل شيئًا في يدها، وتلتفت حولها قبل أن تدخل.
حبست ثريا أنفاسها، أعادت المقطع.
ثم أعادته مرة أخرى.
كلما شاهدته، ازداد يقينها بأن شيئًا ما لم يكن طبيعيًا.
تطلعت على حركات نيفين وتذكرت حالة عمران وهو يقبلها، شعرت بأن دماغها ستنفجر، همست
_يا ابني… إنت وقعت في إيه؟
ثم عادت صورة عمران إلى ذهنها.
ذلك القهر في عينيه…

الصفحة السابقة 1 2 3 4 5 6 7 8 9 10 11 12 13 14 15 16 17 18 19 20 21 22 23 24 25 26 27 28 29 30 31 32 33 34 35 36 37 38 39الصفحة التالية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *