الا الضنا

بيقولوا إن الضنا غالي.. بس الأغلى منه هو إنك تكتشفي إن السند اللي ساندة ضهرك عليه هو أول واحد ممكن يبيعك ويبيع حتة من قلبه عشان فُسحة! في الليلة اللي ابني فيها كان بين الحيا والموت، جوزي اختار يروح يصيّف ويسيبنا.. ومن ساعتها، بطلت أترجاه يحبنا، وبدأت أخطط إزاي أعيش من غيره.. وأربيه!

​ابني “ياسين” اللي لسه مكملش سنة كان قايد نار في حضني، جسمه الصغير كله بيتنفض تحت الغطا المبلول. التيرمومتر قفل الـ 40! جريت على الأوضة وأنا صوتي بيرعش وبصرخ في “أحمد”:

— “أحمد! الحقني.. الولد بيموت من السخونية، لازم نطلّع بيه على المستشفى حالا!”

​أحمد كان واقف في الصالة، الشنط مفتوحة على الأرض وبيقفلها.. وجنبه أمه، حماتي “الحاجة عايدة”، كانت واقفة بتلبس الغوايش الذهب في إيدها، وبتبصلي بنفس النظرة اللي كلها شماتة وفوقية، النظرة اللي بتعملها كل ما تحس إنها كسرت كلامي وكسبت جولة جديدة.

​الحاجة عايدة بصت للتيرمومتر وقالت بلوية بوز وزهق:

— “جرى إيه يا بنتي؟ إنتِ بتهولي كل حاجة ليه! ما العيال كلها بتسخن، بكره هيبقى زي البمب.. إحنا مش هنلغي رحلة شرم الشيخ وحجز الأوتيل اللي دافعين فيه الشيء الفلاني عشان شوية سخونية!”

​بصيت لأحمد بذهول ودموعي نازلة:

— “أحمد! ابنك مش قادر يفتح عينه!”

​بص لأمه، وبعدين بصلي وقال ببرود:

— “أمي ربت تلات عيال يا ندى، وتفهم عنك.. هي أدرى.”

— “يعني إنت بجد سايبنا وماشي؟”

— “كلها أسبوع يا ندى.. بلاش نكد وتعملي من الحبة قبة وتخربي السفرية!”

​الكلمة جرحتني في مق/تل، حسيت بسكينة غرزت في قلبي.. بس فجأة، في حاجة جوايا هديت تماماً. بقالنا تلات سنين متجوزين، كل ما ألمحه بيسحب فلوس من حسابنا المشترك أو يسألني عن دهبي وأقوله بتوديها فين، يقولي “إنتِ نكّدية وبتاعت مشاكل”. وحماتي كل ما تدخل بيتي من غير إذن، تغير ترتيب أوضة ابني، وتؤمر وتنهي كأني خدامة عندها وأعترض، تقول عليا “قليلة الأصل ومش تيتة”.

​هما افتكروني ساكتة ومستحملة الإهانة عشان ضعيفة وقليلة الحيلة.. بس هما نسوا أنا كنت إيه قبل الجواز!

​أنا قبل ما أقعد في البيت عشان “ياسين”، كنت مراجعة حسابات قانونية في شركة استشارات مالية كبيرة.. يعني شغلتي الأساسية هي تتبع الفلوس المستخبية، والشركات الوهمية، والإيصالات المزورة، والممضي عليها بالكدب.. أنا صحيح سبت الشغل، بس عيني وعقلي عمرهم ما نسوا إزاي يقروا الأرقام ويكشفوا المستور.

1 2 3 4 5 6الصفحة التالية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *