روحت للدكتور

الأثر كان يبدأ من بين الأرفف…
وينتهي عند حائط إسمنتي مصمت.
اقترب كريم بحذر.
مرر يده على الحائط.
ثم طرق عليه بمقبض الكشاف.
طق… طق…
ثم في المنتصف…
طَق!
صوت مختلف.
أجوف.
ابتسم ابتسامة خفيفة وقال
ورا الحائط ده فراغ.
بدأنا نبحث عن أي زر أو مقبض.
وفجأة ضغط الدكتور فؤاد على قطعة حديد صغيرة بارزة من الرف.
فصدر صوت ميكانيكي قديم.
واهتز الحائط ببطء…
ثم انزلق إلى الجانب.
وخلفه ظهر ممر ضيق، لم يكن موجودًا على أي مخطط للمستشفى.
وفي نهاية الممر…
كان هناك ضوء خافت يتسلل من غرفة مغلقة.
وقبل أن نخطو أول خطوة إليها…
وصلهم صوت شخص يسعل من الداخل…
ما يعني أن هناك أحدًا ما زال موجودًا في ذلك المكان السري، وينتظر وصولهم نظر كريم إليّ، ثم همس
خليكي ورايا… ومهما تسمعي، متتسرعيش.
بدأنا نمشي في الممر الضيق.
كل خطوة كانت بتعمل صدى غريب، وكأن المكان مقفول من سنين طويلة.
ولما قربنا من الغرفة…
زاد صوت السعال.
لكن كان فيه صوت تاني.
صوت أوراق بتتقلب ببطء.
وقف كريم قدام الباب.
عدّ لحد تلاتة بإيده…
ودفعه مرة واحدة.
دخلنا بسرعة.
لكننا اتجمدنا.
الغرفة ما كانتش مخزن.
كانت مكتبًا قديمًا كاملًا.
مكتبة خشب، مكتب كبير، وخزنة حديد في الركن.
وأمام المكتب…
كان فيه راجل عجوز، شعره أبيض بالكامل، ونظارة سميكة، قاعد على كرسي وبيبص في ملف.
رفع عينه ناحيتنا بهدوء.
وقال
اتأخرتوا.
الدكتور فؤاد شهق.
مستر سامي؟!
العجوز ابتسم ابتسامة هادئة.
واضح إنك لسه فاكرني.
بصيت للدكتور فؤاد باستغراب.
قال وهو مصدوم
ده… سامي، أمين الأرشيف القديم… الراجل اللي قالوا إنه اختفى من عشر سنين.
رد سامي بهدوء
أنا ما اختفيتش… أنا اتخبيت.
قلت بسرعة
ليه؟
قفل الملف اللي كان قدامه.
وقال
لأني يومها شفت حاجة… ولو كنت اتكلمت عنها وقتها، كانت هتدمر ناس أبرياء.
مد إيده ناحية الملف اللي مع كريم.
هات الملف.
كريم ما اتحركش.
الأول أفهم.
هز سامي رأسه.
أحسن قرار.
ثم قام ببطء من مكانه، وفتح الخزنة الحديد.
طلع منها صندوق صغير.
حطه على المكتب.
وقال
الملفات اللي بتدوروا عليها ناقصة… لأن أهم ورقة عمرها ما كانت فيها.
فتح الصندوق.
كان بداخله دفتر جلدي قديم.
على أول صفحة مكتوب
سجل المراجعات السرية.
وفي أسفل الصفحة…
توقيعات عدد من مسؤولي المستشفى عبر سنوات مختلفة.
لكن توقيع واحد شد انتباهي.
كان توقيع شخص أعرفه.
شخص ما زال يعمل في المستشفى حتى اليوم.
قبل أن أسأل سامي عنه…
سمعنا فجأة صوت ارتطام قوي خارج الغرفة.
ثم انطفأ الضوء.
وبعد ثوانٍ…
اشتغل نور الطوارئ الأحمر.
أصبح المكان كله مضاءً بلون أحمر خافت.
وفي هذا الضوء…
رأينا ظل شخص يقف عند مدخل الممر.
لم تظهر ملامحه.
لكن صوته كان واضحًا وهو يقول
يبدو أنكم وصلتم إلى المكان الذي كان يجب ألا يصل إليه أحد…وقف كريم قدامنا مباشرة.
وقال بصوت ثابت
مهما كنت… مش هتقدر تاخد حاجة.
الظل ما اتحركش.
لكن ضحكة خافتة اتسمعت في الممر.
ثم قال
أنا مش جاي آخد… أنا جاي أتأكد إن الحقيقة تخرج كاملة.
بص سامي ناحية الصوت، وقال بهدوء
عرفت إنك هتيجي.
استغربت.
إنت تعرفه؟
رد سامي
شوفت صوته قبل كده… لكن عمره ما ورّى وشه.
في اللحظة دي…
تقدم الشخص خطوة للأمام.
لكن نور الطوارئ كان ضعيف، ولسه ملامحه مش واضحة.
مد إيده للأمام.
وكان ماسك بطاقة تعريف قديمة.
رماها على الأرض.
كريم التقطها.
كانت البطاقة باسم موظف أرشيف قديم.
وتاريخ إصدارها يرجع لأكتر من عشر سنين.
قلت باستغراب
دي بطاقة الموظف اللي قالوا إنه اختفى!
رد الصوت من آخر الممر
لأن الحقيقة اللي اتقالت وقتها… ما كانتش كاملة.
ثم ساد الصمت.
وفجأة…
دوى جرس إنذار في كل القبو.
ولمعت لمبة حمراء فوق الباب.
قال سامي بسرعة
الإنذار ده معناه إن حد فتح الباب الرئيسي من فوق.
كريم التفت إليه.
يعني في حد نازل؟
هز سامي رأسه.
وأكيد مش جاي يتفرج.
أسرعنا نجمع الملفات والصندوق والدفتر.
لكن قبل أن نخرج من الغرفة…
لاحظت شيئًا غريبًا.
على المكتب كانت توجد ورقة مطوية، لم تكن موجودة قبل لحظات.
فتحتها بسرعة.
كان مكتوبًا فيها بخط واضح
ابحثوا عن غرفة السجلات رقم 12… فهناك الدليل الذي لا يمكن تزويره.
رفع كريم رأسه وقال
غرفة 12 في آخر القبو.
وفي نفس اللحظة…
وصلت أصوات خطوات متعددة تقترب من الممر، كأن أكثر من شخص ينزل السلم في الوقت نفسه.
نظرنا جميعًا نحو المدخل…
وأدركنا أن الوقت لم يعد في صالحنا، وأن الوصول إلى غرفة السجلات رقم 12 أصبح السباق الأهم قبل أن يصل القادمون إليها أطفأ سامي المصباح الصغير الذي كان على المكتب، وأشار إلينا بيده.
من هنا… بسرعة.
فتح بابًا جانبيًا بالكاد كان ظاهرًا خلف أحد الأرفف.
دخلنا واحدًا وراء الآخر، ثم أعاد الرف إلى مكانه.
بعد ثوانٍ…
سمعنا أصوات أشخاص يدخلون الغرفة التي كنا فيها.
أحدهم قال
فتشوا كل ركن… هم لسه بعيدوش.
حبسنا أنفاسنا.
الممر السري كان ضيقًا جدًا، حتى إن صوت نبضات قلبي كنت حاسساه.
بعد دقائق وصلنا إلى باب خشبي صغير، فوقه لوحة نحاس قديمة مكتوب عليها
غرفة السجلات 12.
أخرج كريم المفتاح الإلكتروني الذي وجدناه في الظرف.
مرره أمام القارئ القديم.
صدر صوت خافت…
ثم انفتح الباب.
دخلنا.
كانت الغرفة أصغر من المتوقع.
لكن في منتصفها كانت توجد خزانة زجاجية واحدة فقط.
وبداخلها…
صندوق أسود مختوم بالشمع الأحمر.
وعلى الختم عبارة
لا يُفتح إلا بحضور رئيس القسم.
نظر سامي إلى كريم.
افتحه.
كسر كريم الختم بحذر.
رفع الغطاء…
فوجدنا دفترًا قديمًا، وجهاز تسجيل صوتي صغير، ومظروفًا أبيض مغلقًا.
شغّل كريم جهاز التسجيل.
خرج منه صوت رجل يقول
إذا وصل هذا التسجيل إلى أي شخص، فاعلم أن ما حدث للمريضة ليلى منصور لم يكن مجرد خطأ طبي… ولهذا احتفظت بكل الأدلة في مكان لا يتوقعه أحد.
انقطع التسجيل فجأة.
وكأن بقيته مُسحت عمدًا.
قال الدكتور فؤاد بقلق
فين باقي التسجيل؟
فتش كريم الصندوق.
ثم رفع قطعة إسفنج كانت في القاع.
تحتها…
وجد بطاقة ذاكرة صغيرة جدًا.
ابتسم سامي لأول مرة.
واضح إن الجزء المهم لسه محفوظ.
لكن قبل أن يتمكن كريم من أخذها…
انطفأت أنوار الغرفة بالكامل.
وفي الظلام…
سمعنا صوت الباب يُغلق بقوة.
ثم صوت قفل معدني.
وبعده مباشرة…
صوت شخص من الخارج يقول بهدوء
أخيرًا… بقيتم في المكان اللي كنت عايزكم توصلوله.
تبادلنا النظرات في صمت.
ثم ضغط كريم على مصباح هاتفه…
فاكتشفنا شيئًا لم يكن موجودًا قبل لحظات.
على الجدار المقابل…
ظهرت خريطة قديمة للمستشفى، وعليها دائرة حمراء كبيرة حول مكان واحد فقط.
وتحتها عبارة بخط اليد
بداية الحقيقة ليست هنا… بل في الجناح الذي أُغلق منذ سنوات نظر كريم إلى الخريطة طويلًا.
ثم قال
الجناح ده… اتقفل من سبع سنين.
الدكتور فؤاد عقد حاجبيه.
كان جناح الجراحة القديم… وبعد التجديد اتنقل كل الشغل للمبنى الجديد.
سألته
وليه اتقفل بالكامل؟
تردد لحظة…
ثم قال
قالوا وقتها إن فيه مشاكل إنشائية.
لكن سامي هز رأسه.
دي كانت الرواية الرسمية… إنما الحقيقة غير كده.
قبل أن يكمل…
سمعنا صوت المفتاح بيلف في القفل من الخارج.
كلنا سكتنا.
ثم…
توقف الصوت فجأة.
وكأن الشخص الذي بالخارج غيّر رأيه.
بعد ثوانٍ، وصلنا صوت خطواته وهي تبتعد.
تنفس كريم الصعداء.
معندناش وقت.
أخذ بطاقة الذاكرة، ووضعها في جيبه بعناية، ثم فتح المظروف الأبيض.
كان بداخله مفتاح آخر.
لكن الغريب…
أنه لم يكن مفتاح باب.
كان مفتاحًا لخزانة حفظ متعلقات المرضى.
ومكتوب عليه رقم
317
قال سامي بسرعة
خزانات المتعلقات في البدروم الغربي.
استغرب الدكتور فؤاد.
لسه موجودة؟
آه… لكن محدش بيستخدمها من سنين.
في نفس اللحظة…
رن هاتف كريم.
نظر إلى الشاشة.
لم يظهر رقم.
فقط كلمة واحدة
مجهول.
فتح المكالمة ووضعها على مكبر الصوت.
جاء صوت هادئ ومشوّه
لو وصلتوا للمفتاح… يبقى أنتم سابقين بخطوة.
قال كريم بحزم
إنت مين؟
رد الصوت
أنا شخص بيحاول يمنع الحقيقة من إنها تضيع.
قلت بسرعة
أنت ياسمين؟
ساد صمت قصير…
ثم جاء الرد
ياسمين بتقوم بدور واحد فقط… لكنها مش صاحبة الخطة.
قبل أن نسأل أي سؤال آخر…
أُغلقت المكالمة.
نظرنا إلى بعضنا.
قال سامي
يبقى لازم نوصل للخزانة 317 قبل أي حد.
خرجنا من الغرفة بحذر.
ولما رجعنا إلى الممر…
كان الباب الحديدي للقبو مفتوحًا.
والسلسلة التي كانت تغلقه…
ملقاة على الأرض.
لكن الشيء الذي لفت انتباهي أكثر…
كان وجود آثار أقدام جديدة.
ليست لشخص واحد.
بل لثلاثة أشخاص.
وكانت كلها تتجه ناحية السلم…
إلا أثر واحد فقط.
كان يتجه إلى ممر جانبي مظلم، لم نلاحظه من قبل.
وفي نهاية ذلك الممر…
ظهر ضوء صغير يومض مرة… ثم يختفي.
وكأن أحدًا هناك…
يرسل إشارة ينتظر أن يراها أحد توقف كريم فجأة.
نظر إلى الممر المظلم، ثم إلى السلم.
قال بصوت منخفض
لو طلعنا دلوقتي على الخزانة 317، ممكن نفقد اللي بيبعت الإشارة.
رد سامي بسرعة
ولو جرينا ورا الإشارة، ممكن حد يسبقنا للخزانة.
ساد الصمت.
ثم قلت
الإشارة مقصودة… حد عايزنا نشوفها.
هز كريم رأسه.
إذن هنقسم الأدوار.
لكن سامي اعترض فورًا.
لا… الرسالة اللي لقيناها كانت واضحة ممنوع تثقوا في أي حد. لو اتفرقنا، هيبقى كل واحد لوحده.
اقتنع كريم.
وتحركنا كلنا ناحية الممر المظلم.
كل خطوة كانت أصعب من اللي قبلها.
الأرض كانت مغطاة بطبقة تراب سميكة، لكن وسط التراب ظهر شيء غريب…
آثار عجلات صغيرة.
كأن حد سحب عربة ملفات من وقت قريب.
تبعنا الآثار.
لحد ما وصلنا لباب
