روحت للدكتور

إنتِ فين؟
بصيت على مكان الملف الفاضي…
وبعتله
في المستشفى.
ظهر إنه بيكتب…
واختفى.
ورجع يكتب تاني.
وبعد كام ثانية وصلتني الرسالة الأخيرة
ما تتحركيش من مكانك.
يتبع…وووو
كريم ما اتصلش.
ولا بعت رسالة تانية.
لكن بعد أقل من دقيقة…
سمعت صوت مفتاح بيلف في باب المكتب.
قفلت الدرج بسرعة، وخدت الملف اللي كان فوق المكتب كأني كنت ببص فيه.
الباب اتفتح.
لكن اللي دخل…
ما كانش كريم.
كان راجل في آخر الخمسينات، شعره كله أبيض، ولابس بالطو دكتور، وعلى صدره كارنيه مكتوب عليه
الدكتور فؤاد السيوفي المدير الطبي.
بصلي باستغراب وقال
حضرتك… مين؟
ابتسمت بهدوء.
أنا مرات الدكتور كريم.
ملامحه اتغيرت للحظة…
مش دهشة.
ولا ترحيب.
لكن حاجة شبه القلق.
قال وهو يقفل الباب وراه
هو عرف إن حضرتك هنا؟
قبل ما أرد…
موبايله رن.
بص للشاشة، واتنهد.
أيوه يا دكتور كريم… هي عندي.
سكت يسمع شوية…
وبعدين رفع عينه ناحيتي وقال
حاضر.
قفل المكالمة، وقعد قدامي.
وقال بنبرة هادية
لو سمحتي، متفتحيش أي درج تاني.
سألته وأنا ثابتة
ليه؟
قال بعد تردد
لأن فيه أوراق ممكن تتفهم غلط.
ابتسمت ابتسامة خفيفة.
زي ملف ليلى منصور… اللي كان موجود هنا واختفى؟
أول مرة وشه فقد هدوءه.
قام واقف بسرعة وقال
مين قال لحضرتك اسم الملف؟
قبل ما أجاوب…
سمعنا صوت خطوات سريعة في الممر.
وبعدين الباب اتفتح بعنف.
دخل كريم وهو بياخد نفسه، وكأنه جري مسافة طويلة.
أول حاجة عملها…
ما بصش عليا.
بص مباشرة على المكتب.
وعلى مكان الملف الفاضي.
وبعدين قال للدكتور فؤاد بصوت منخفض
سبقونا…
ساد صمت ثقيل.
فسألته بهدوء
مين اللي سبقكم يا كريم؟
بصلي لأول مرة…
وكان واضح إن الإجابة اللي هيقولها هتغير كل اللي كنت فاكراه عن اللي بيحصل داخل المستشفى…كريم فضل ساكت ثواني.
بعدين قال للدكتور فؤاد
اقفل الباب.
اتقفل الباب بهدوء.
أنا بصيت له وقلت
أنا سألت سؤال واحد… مين اللي سبقكم؟
أخد نفس طويل، وقال
اللي دخلت هنا قبلِك.
رديت فورًا
ياسمين؟
رفع عينه باستغراب.
إنتِ عرفتي اسمها؟
ما جاوبتش.
اكتفيت إني بصيت ناحيته.
فهم إن حد في الاستقبال قال لي.
مسح إيده على وشه وقال
الوضع بقى أخطر مما توقعت.
الكلمة دي خلت قلبي يدق أسرع.
قلت بحزم
من حقي أفهم.
فتح كريم درج جانبي بمفتاح صغير كان معلق في سلسلة مفاتيحه.
طلع ظرف بني سميك.
كان فاضي.
قال وهو بيبص للظرف
كان المفروض الملف يكون هنا.
سألته
ليه الملف ده مهم؟
قبل ما يرد…
خبطات سريعة جدًا على الباب.
ثلاث خبطات متتالية.
الدكتور فؤاد فتح الباب بحذر.
واحدة من الممرضات دخلت وهي بتنهج.
يا دكتور… الأمن بيدور على ست خرجت من المستشفى من شوية.
كريم وقف مرة واحدة.
لقوها؟
هزت رأسها بالنفي.
لا… لكن كاميرات الدور الأرضي سجلت إنها خرجت وهي شايلة ملف.
أنا بصيت لكريم.
ملف ليلى منصور؟
الممرضة اتفاجئت.
أيوه… حضرتك عرفتي منين؟
وقبل ما أي حد ينطق…
رن تليفون المكتب.
كلنا بصينا للشاشة.
الرقم…
كان داخلي من قسم الاستقبال.
كريم رد بسرعة.
ثواني، وملامحه اتبدلت.
قال بصوت منخفض
إيه؟.. . إمتى؟
ساد صمت في الأوضة.
ثم قفل السماعة ببطء.
التفت ناحيتي وقال
ياسمين رجعت…
وسكت لحظة قبل ما يكمل
…لكن المرة دي طلبت تقابلِك إنتِ بالاسم، وقالت إنها مش هتسلم الملف غير لمرات الدكتور كريم اتبادل كريم والدكتور فؤاد نظرة سريعة.
واضح إن الاتنين كانوا بيفكروا في نفس الحاجة… لكن محدش فيهم نطق.
أنا كسرت الصمت.
أنا هقابلها.
كريم اعترض فورًا.
مستحيل.
بصيتله بثبات.
هي طلبتني أنا… يبقى أكيد عندها سبب.
قبل ما يرد، الممرضة قالت
هي مستنية في غرفة الزوار القديمة… وقالت إنها هتمشي بعد خمس دقايق لو مدام الدكتور ماوصلتش.
كريم قبض على إيده بقوة، ثم قال للدكتور فؤاد
بلغ الأمن يفضل بعيد… محدش يقرب منها.
سألته باستغراب
لو هي سارقة الملف… ليه متقبضوش عليها؟
بصلي وقال
لأننا محتاجين نعرف هي خدته ليه… وإزاي وصلتله أصلاً.
خرجنا من المكتب.
الممر الطويل كان هادي بشكل غريب.
كل خطوة كنت باخدها، إحساسي إن فيه حد بيراقبنا كان بيزيد.
ولما وصلنا قدام غرفة الزوار…
وقف كريم.
أنا هدخل معاكي.
لكن من جوه الغرفة، سمعنا صوت ست واضح وقوي
لو الدكتور دخل… همشي فورًا.
اتجمد كريم مكانه.
بصلي وقال بهدوء
خلي بالك من كل كلمة هتقولها.
فتحت الباب…
كانت ياسمين قاعدة وظهرها ليا.
ولابسة نفس البالطو البيج اللي وصفته موظفة الاستقبال.
أول ما سمعت الباب، قامت ببطء.
لفت ناحيتي.
كانت ملامحها هادئة بشكل يثير القلق، وفي إيديها ظرف بني كبير.
بصتلي مباشرة وقالت
أخيرًا… قابلت صاحبة الحق.
قبل ما أسألها تقصد إيه…
مدت الظرف ناحيتي.
لكن قبل ما ألمسه، سحبته بسرعة وقالت
لا… الأول جاوبي على سؤال واحد.
قلت بثبات
اسألي.
ابتسمت ابتسامة خفيفة وقالت
آخر مرة شوفتي جوزك ليلة كاملة في البيت… كانت إمتى؟
في اللحظة دي، اتفتح الباب فجأة.
دخل أحد أفراد الأمن وهو بيقول بصوت مرتفع
الملف مش أهم حاجة دلوقتي… لأن في حد دخل أرشيف المستشفى من خمس دقايق، وسرق كل النسخ الاحتياطية الخاصة بقضية ليلى منصور!اتجمدت ياسمين مكانها.
وأول مرة الهدوء اختفى من وشها.
بصت لرجل الأمن وقالت بسرعة
يبقى وصلوا قبلنا…
كريم دخل الغرفة من غير ما يستنى إذن، وقال بحدة
مين هما؟
ياسمين هزت رأسها.
لسه مش وقته.
قلت وأنا ببص للظرف اللي في إيديها
هو فيه إيه جواه؟
مدته ناحيتي المرة دي.
دي النسخة الوحيدة اللي فضلت.
قبل ما آخده…
كريم قال بصوت حاسم
ما تفتحيهوش هنا.
لكن الفضول كان أقوى.
فتحت الظرف.
كان جواه صور، وتقارير، وفلاشة صغيرة.
أول ورقة وقعت قدامي.
عنوانها بخط أحمر عريض
سري للغاية.
وتحت العنوان مباشرة
إعادة مراجعة واقعة المريضة ليلى منصور.
قلبت الصفحة.
لكنها كانت ناقصة.
آخرها مقطوع كأنه اتقص بالمقص.
قلت باستغراب
فين باقي التقرير؟
ردت ياسمين
الباقي مع الشخص اللي سرق النسخ من الأرشيف.
وقبل ما حد يتكلم…
رن هاتفها.
بصت للشاشة، واتغير لون وشها.
قفلت المكالمة من غير ما ترد.
قلت
مين؟
همست
عرفوا إني هنا.
في نفس اللحظة…
انطفأت أنوار الدور كله.
غرق الممر في ظلام كامل.
وبعد ثانيتين…
اشتغل مولد الكهرباء.
لكن لما النور رجع…
ياسمين كانت اختفت.
الباب ماكانش اتفتح.
والشباك مقفول من الداخل.
لكن الظرف…
كان لسه فوق الترابيزة.
وكمان ورقة صغيرة ماكنتش موجودة قبل انقطاع الكهرباء.
كريم التقطها بسرعة.
قرأها… ثم اتسعت عيناه.
قلت بقلق
مكتوب فيها إيه؟
ناولني الورقة.
كانت مكتوبة بخط واحد واضح
لو عايزين تعرفوا الحقيقة… دوروا في غرفة العمليات رقم 4، قبل الساعة السادسة.
ساد صمت ثقيل.
ثم جاء صوت من سماعات المستشفى
تنبيه عاجل… يُرجى إخلاء جناح الجراحة بالكامل فورًا.
نظر كريم إلى الساعة في معصمه…
ثم قال بصوت خافت
لسه باقي أقل من عشر دقائق…كريم اندفع ناحية الباب.
لازم نوصل غرفة العمليات رقم 4 قبل ما يقفلوها.
خرجنا كلنا نجري في الممر.
لكن الغريب…
إن الجناح اللي من دقيقة كان مليان دكاترة وممرضين…
بقى فاضي تمامًا.
ولا كأن حد كان موجود.
حتى عربيات نقل المرضى كانت متروكة في أماكنها.
لما وصلنا قدام غرفة العمليات رقم 4…
لقينا بابها مفتوح سنة صغيرة.
كريم وقف.
وقال بهدوء
محدش يدخل غير لما أتأكد.
لكني لاحظت حاجة.
في الأرض…
كان فيه أثر حذاء مبلول.
وكأنه حد داخل الغرفة من ثوانٍ.
أشرت له.
بص للأثر، وملامحه اتشدت.
دفع الباب ببطء…
ودخلنا.
الغرفة كانت مرتبة.
كل الأجهزة في مكانها.
لكن في منتصفها…
ترابيزة العمليات كان فوقها صندوق معدني صغير.
عليه ورقة مكتوب فيها
يسلَّم لمرات الدكتور كريم فقط.
بصلي كريم باستغراب.
واضح إن اللي بيعمل كده يعرفك.
فتحت الصندوق بحذر.
جواه مفتاح قديم جدًا.
ومعاه بطاقة صغيرة مكتوب عليها
المفتاح ده يفتح الخزنة اللي محدش يعرف عنها حاجة… إلا شخص واحد.
قلبت البطاقة.
لقيت جملة تانية
اسألوا المدير الإداري عن القبو.
في اللحظة دي…
الدكتور فؤاد همس
القبو؟!
بصيتله.
كان وشه شاحب.
قلت
إنت تعرفه؟
بلع ريقه وقال
المستشفى اتبنت من أكتر من ثلاثين سنة… وكان فيه أرشيف قديم تحت المبنى.
سأل كريم بسرعة
لسه موجود؟
سكت الدكتور فؤاد لحظات…
ثم قال
المفروض إنه اتقفل من سنين… لكن لو المفتاح ده لسه موجود، يبقى في حد كان بينزل هناك لحد وقت قريب.
وفجأة…
سمعنا صوت طَق معدني جاي من آخر الغرفة.
لفّينا كلنا في نفس اللحظة.
كانت فتحة تهوية صغيرة في الحائط…
اترمى منها ظرف أبيض.
وقبل ما كريم يوصل له…
سمعنا صوت خطوات سريعة بتبعد في الممر الخارجي.
جرى كريم ناحية الباب…
لكن الممر كان خاليًا تمامًا.
رجع وأخذ الظرف.
فتحه بحذر.
كان بداخله ورقة واحدة فقط.
مكتوب عليها بخط واضح
لو نزلتوا القبو… هتعرفوا الحقيقة. لكن بعد أول باب، ممنوع تثقوا في أي حد… مهما كان قريب منكم.
ساد الصمت.
ونظرات الجميع اتجهت لبعضها…
ولأول مرة، بدأ الشك يتسلل إلى كل شخص في الغرفة، دون أن يعرف أحد من المقصود بهذه الرسالة كريم طوى الورقة ببطء، وحطها في جيبه.
وقال بنبرة حاسمة
محدش هينزل القبو لوحده.
الدكتور فؤاد هز رأسه بالموافقة، لكنه كان واضح إنه متردد.
خرجنا من غرفة العمليات، ونزلنا بالسلم الخلفي بدل الأسانسير.
كل ما ننزل دور…
الإضاءة تقل.
وصوت المستشفى يبعد.
لحد ما وصلنا لباب حديد قديم، مغطى بطبقة تراب سميكة.
وفوقه لافتة باهتة مكتوب عليها
الأرشيف القديم يُمنع الدخول.
كريم أخرج المفتاح من الصندوق.
أول ما قربه من القفل…
الدكتور فؤاد قال بسرعة
استنى!
كلنا بصينا له.
قال وهو بيتنفس بصعوبة
من عشر سنين… حصل حادث هنا. وبعده اتقفل المكان ده نهائي.
سألته
إيه الحادث؟
رد بصوت منخفض
اختفت ملفات… واختفى موظف أرشيف.
لمحة نيوز
