روحت للدكتور

عمرو.
خرج منه صوت متقطع
إلى جميع أفراد الأمن… تم رصد شخص يرتدي بالطو بيج في المبنى القديم… يُرجى عدم الاقتراب منه وإبلاغ الإدارة فورًا.
نظرنا إلى بعضنا.
قال عمرو
دي نفس مواصفات الست اللي سألتوني عنها.
ابتسم كريم ابتسامة خفيفة لأول مرة.
يبقى هي لسه جوه المستشفى.
وقبل أن نتحرك…
رن هاتف عمرو.
رد بسرعة.
استمع لثوانٍ، ثم تغير لون وجهه.
أغلق الهاتف ببطء، ونظر إلى كريم.
في خبر غريب.
إيه هو؟
قال عمرو وهو يبلع ريقه
موظفة الاستقبال… مي… اختفت من مكانها، لكن قبل ما تختفي بدقائق، سابت رسالة للإدارة.
سألته بلهفة
مكتوب فيها إيه؟
أخرج عمرو صورة للرسالة على هاتفه.
كانت عبارة واحدة فقط
لو وصلت الرسالة دي للدكتور كريم… قوله يبطل يدور في الماضي، لأن الماضي هو اللي بدأ يدور عليه.
ساد صمت ثقيل…
ثم التفت كريم ناحية الممر المؤدي إلى المبنى القديم، وقال بنبرة حاسمة
واضح إن كل الطرق بقت بتوصل لمكان واحد… والجولة الجاية هتكون أخطر من كل اللي فات خرج كريم من القبو وهو ممسك بالبطاقة الممغنطة في يد، وبالظرف في اليد الأخرى.
المستشفى في الأدوار العلوية كان رجع لطبيعته.
مرضى بيمشوا في الممرات.
ممرضات بينادوا على الأطباء.
كأن كل اللي حصل تحت الأرض… محدش يعرف عنه حاجة.
قال كريم بهدوء
إحنا هنروح بنك الدم من غير ما نلفت نظر حد.
لكن قبل ما نتحرك…
استوقفهم عمرو.
فيه حاجة لازم تشوفوها.
أخرج من جيبه كاميرا مراقبة صغيرة، وقال
لقيتها مرمية جنب باب القبو.
وصلها بجهاز صغير معاه.
اشتغل التسجيل.
ظهر الفيديو من كاميرا الممر.
ياسمين كانت ماشية بسرعة وهي شايلة الظرف البني.
ثم فجأة…
وقفت.
وبصت مباشرة ناحية الكاميرا.
وكأنها كانت عارفة مكانها.
وبعدين رفعت ورقة صغيرة في وش العدسة.
كبر عمرو الصورة.
كانت الورقة مكتوب عليها
راقبوا الشخص اللي بيلبس خاتم فضة.
انتهى التسجيل.
بصيت بسرعة لإيدين اللي واقفين.
الدكتور فؤاد… مفيش خاتم.
عمرو… مفيش.
كريم… خاتم جوازه ذهبي.
سكتنا كلنا.
قال سامي فجأة
يبقى المقصود مش حد فينا.
في اللحظة دي…
عدّى جنبنا عامل نظافة بيدفع عربية كبيرة مليانة ملايات.
ولفت انتباهي إيده.
كان لابس خاتم فضة عريض.
مشيت بعيني وراه.
لقيته بص علينا للحظة…
ثم زوّد سرعته.
قلت بصوت منخفض
الخاتم.
التفت كريم بسرعة.
لكن عامل النظافة أول ما حس إننا انتبهنا له، لف بالعربية ودخل ممر جانبي ممنوع على الزوار.
جرينا وراه.
وصلنا آخر الممر.
ملقيناش حد.
ولا عربية.
لكن باب صغير مكتوب عليه
غرفة حفظ العينات.
الباب كان مواربًا.
دفعه كريم بهدوء.
دخلنا.
الغرفة كانت مليانة ثلاجات حفظ.
وفي آخرها…
كانت عربية الملايات واقفة.
لكن العامل اختفى.
وأثناء تفتيشنا المكان…
سمعنا صوت بيب خافت خارج من إحدى الثلاجات.
اقترب كريم بحذر.
فتح باب الثلاجة.
لم يكن بداخلها أي عينات.
بل حقيبة سوداء صغيرة.
فتحها.
وجد بداخلها جهازًا إلكترونيًا، وعدة بطاقات دخول، ودفترًا صغيرًا.
فتح الدفتر.
كانت صفحاته مليئة بمواعيد وأرقام غرف.
وفي آخر صفحة…
سطر واحد فقط مكتوب بخط مختلف
إذا اختفى عامل النظافة… ابحثوا في الجناح الشرقي قبل غروب الشمس.
وقبل أن يغلق كريم الدفتر…
وصلهم صوت من مكبرات المستشفى
الدكتور كريم عزت… يُرجى التوجه فورًا إلى مكتب المدير العام.
نظر كريم إلينا.
ثم إلى الدفتر.
وقال بهدوء
واضح إن حد عرف إننا قربنا من الحقيقة… وبدأ يحرك أول خطوة علنية نظر كريم إلى مكبر الصوت، ثم قال بحسم
أنا مش هروح لوحدي.
الدكتور فؤاد هز رأسه.
لو ما رحتش، هيعرفوا إنك شاكك.
فكر كريم لحظة، ثم قال
تمام… هروح، لكن أنتم كملوا تنفيذ الخطة.
اعترضت فورًا.
لا، مش هنفترق.
ابتسم ابتسامة خفيفة.
المرة دي هنفضل على اتصال.
خرجنا من غرفة حفظ العينات، واتجهنا إلى مكتب المدير العام.
الغريب…
إن السكرتيرة أول ما شافت كريم، وقفت مرتبكة وقالت
الدكتور المدير… مش موجود.
عقد كريم حاجبيه.
إزاي؟! هما اللي استدعوني.
قالت وهي تنظر إلى شاشة الكمبيوتر
الغريب إن مفيش أي استدعاء متسجل أصلًا.
ساد صمت قصير.
ثم قال عمرو
يبقى حد استخدم نظام النداء باسم الدكتور.
في تلك اللحظة…
رن هاتف المستشفى الموجود على مكتب السكرتيرة.
ردت.
استمعت لثوانٍ، ثم نظرت إلى كريم وقالت
في طرد وصل باسم حضرتك.
سألها
مين اللي بعته؟
هزت رأسها.
مفيش اسم.
أحضرت صندوقًا صغيرًا مغلقًا.
كان خفيفًا جدًا.
فتحه كريم بحذر.
لم يكن بداخله سوى ساعة يد قديمة متوقفة عند 317.
وتحتها ورقة صغيرة.
فتحها.
كان مكتوبًا
لا تنظروا إلى الرقم… انظروا إلى المكان.
تبادلنا النظرات.
ثم قال سامي فجأة
317… مش بس رقم الخزانة.
رفع كريم رأسه.
تقصد إيه؟
رد سامي
في المبنى القديم… كانت كل غرفة بتتسمى برقم من ثلاث خانات.
سكت لحظة…
ثم أكمل
وغرفة 317 كانت في الجناح الشرقي.
في اللحظة نفسها…
وصلت رسالة إلى هاتف كريم من رقم غير معروف.
فتحها.
كانت صورة فقط.
صورة لباب قديم، وفوقه لوحة معدنية مكتوب عليها
317
وفي أسفل الصورة رسالة قصيرة
قدامكم نصف ساعة… وبعدها المكان هيفضل مقفول للأبد.
رفع كريم عينه إلينا وقال
واضح إن حد بيسبقنا بخطوة… لكنه في نفس الوقت بيفتح لنا الطريق.
ثم اندفع الجميع نحو المبنى القديم…
غير مدركين أن الشخص الذي يراقبهم لم يكن بعيدًا عنهم، بل كان يقف خلف الزجاج المعتم في نهاية الممر، يتابع كل حركة دون أن يلفت انتباه أحد وصلنا إلى المبنى القديم بعد دقائق.
كان المكان هادئًا بصورة غير طبيعية.
الأضواء مطفأة في أغلب الممرات، والغبار يغطّي الأرض، كأن أحدًا لم يمر من هنا منذ سنوات.
لكن كريم انحنى فجأة.
وأشار إلى الأرض.
بصوا.
كانت هناك آثار أحذية حديثة.
ليست لشخص واحد…
بل لشخصين.
وأحد الأثرين كان ينتهي أمام باب معدني كبير كُتب عليه
317
أخرج كريم البطاقة الممغنطة.
مررها أمام القارئ.
ظهر ضوء أخضر.
ثم انفتح الباب ببطء.
دخلنا بحذر.
الغرفة كانت أشبه بمكتب إداري قديم.
دواليب حديد، وأجهزة كمبيوتر متوقفة، وستائر مغلقة.
لكن أكثر ما لفت انتباهنا…
سبورة بيضاء معلقة على الحائط.
وعليها أسماء مكتوبة بالقلم الأسود.
بعض الأسماء كان أمامها علامة .
وبعضها أمامه علامة .
وفي آخر القائمة…
كان اسم الدكتور كريم عزت.
وأمامه…
علامة استفهام كبيرة.
تجمد كريم مكانه.
وقال بصوت منخفض
مين كتب دي؟
اقترب سامي من السبورة.
ثم أشار إلى ركنها السفلي.
كان هناك تاريخ.
تاريخ يعود إلى أسبوع واحد فقط.
أي أن أحدًا دخل هذه الغرفة مؤخرًا.
وفجأة…
سمعنا صوت درج يُغلق من تلقاء نفسه.
لففنا جميعًا.
كان المكتب في آخر الغرفة.
اقترب كريم منه بحذر.
فتح الدرج.
وجد داخله ملفًا واحدًا فقط.
وعليه عبارة
يُفتح بحضور الزوجة.
نظر إليّ.
وقال
افتحيه إنتِ.
فتحت الملف ببطء.
كان بداخله خطاب بخط اليد.
بدأت أقرأ
إذا وصل هذا الملف إليكم، فهذا يعني أن الخطة لم تنتهِ بعد. لا تبحثوا عن المذنب بين الأطباء أو الممرضين فقط… لأن الشخص الذي يحرك كل شيء يدخل المستشفى كل يوم دون أن يلفت انتباه أحد.
قبل أن أكمل…
انطلقت صفارة إنذار قصيرة.
ثم أضاءت شاشة الكمبيوتر القديمة وحدها.
ظهرت عليها جملة واحدة
تم فتح الملف 317.
وبعد ثانيتين فقط…
ظهرت جملة أخرى جعلت الجميع يلتفت إلى الباب
تم رصد وجودكم… وسيصل أول زائر خلال دقيقة واحدة.
ساد الصمت.
أغلق كريم الملف بسرعة، وأطفأ الشاشة من زر الكهرباء.
لكن قبل أن تنطفئ تمامًا…
ظهرت صورة ثابتة لثانية واحدة فقط.
صورة شخص يقف أمام باب الغرفة…
ملتقطة من كاميرا خارجية في هذه اللحظة.
ولم تكن الصورة لشخص غريب…
بل لشخص عرفناه جميعًا منذ بداية الأحداث تسمرت عيوننا على الشاشة.
لكن الصورة اختفت قبل ما نقدر نميز الملامح بالكامل.
كل اللي ظهر بوضوح…
كان شخص واقف قدام الباب، ماسك ملفًا بنيًا، ولابس بالطو المستشفى.
قال عمرو بسرعة
افتح الكاميرا تاني!
حاول كريم يشغل الجهاز.
لكن الشاشة ظهرت عليها رسالة
تم حذف التسجيل.
في اللحظة دي…
سمعنا طرقات هادئة على الباب.
ثلاث طرقات.
ثم صوت مألوف يقول
لو سمحتوا… افتحوا.
بصيت ناحية كريم.
همس
الصوت ده…
الدكتور فؤاد أكمل الجملة
مي… موظفة الاستقبال.
فتح كريم الباب بحذر.
دخلت مي وهي متوترة جدًا، وبتبص وراها كل ثانية.
أول ما قفلت الباب قالت
مفيش وقت.
طلعت من شنطتها ظرفًا صغيرًا.
وحطته على المكتب.
قلت لها
إنتِ كنتِ فين؟
ردت وهي بتحاول تاخد نفسها
من ساعة ما قلت لحضرتك إن في واحدة ادعت إنها مرات الدكتور… وأنا حسيت إن في حاجة غلط.
سكتت لحظة، ثم كملت
راجعت سجل الزوار بنفسي.
سألها كريم بسرعة
ولقيتي إيه؟
قالت
اسم ياسمين ما اتكتبش مرة واحدة…
فتحنا السجل.
وكانت المفاجأة…
اسم مدام عزت كان متسجل خمس مرات خلال آخر شهر.
لكن في كل مرة…
التوقيع مختلف.
قلت باستغراب
يعني أكتر من شخص استخدم نفس الاسم؟
هزت مي رأسها.
وده مش كل حاجة.
أخرجت صورة مطبوعة من الظرف.
كانت صورة من كاميرا الاستقبال.
فيها ياسمين وهي داخلة.
لكن اللي كان واقف بعيد بيراقبها…
هو نفس عامل النظافة اللي كان لابس خاتم الفضة.
وفجأة انتبه كريم لتفصيلة صغيرة.
كبر الصورة.
وقال
استنوا…
كلنا قربنا.
أشار إلى ساعة الحائط اللي ظهرت في الصورة.
الصورة دي اتصورت قبل ما مي تقول إن ياسمين دخلت بعشر دقايق.
سألته
يعني إيه؟
قال بهدوء
يعني حد غيّر توقيت الكاميرات.
ساد الصمت.
ثم أخرج سامي عدسة مكبرة صغيرة من جيبه، وبدأ يفحص الصورة.
وبعد ثوانٍ ابتسم لأول مرة.
لقيتها.
سألناه جميعًا
إيه؟
قلب الصورة على ظهرها.
وكان فيه ختم باهت من معمل طباعة الصور الخاص بالمستشفى.
لكن تحت الختم…
كان فيه رقم مكتوب بالقلم
B14
قال سامي
ده مش رقم صورة.
أمال إيه؟
رد

الصفحة السابقة 1 2 3 4 5 6 7الصفحة التالية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *