عمر ابن عمي

الليل بعدها بقي صاحبي. كنت بكتب له رسايل في خيالي، أحكيله فيها كل اللي وجعني.
كنت دايمًا بفتكر أول يوم رجع فيه… وضحكته اللي دخلت قلبي من غير استئذان.
يمكن لو كان شافني بدري، لو كنت بنت غير اليتيمة اللي مالهاش حد، كان حبني.
بس الواقع غير الحلم.
دلوقتي عدّى تلات سنين.
أنا بقيت أشتغل مدرسة في مدرسة صغيرة، وحياتي هادية.
الناس بتقول عليا “ليلى الجدعة” — بس محدش يعرف إن جوايا لسه بنت صغيرة مستنية ضحكته.
ولما بروّح بيت جدي القديم، بمرّ من قدام الجنينة اللي كنا بنقعد فيها، وأقول لنفسي:
“في ناس بتعدي في حياتنا علشان تعلّمنا يعني إيه نحب… مش علشان نعيش معاهم.”
وبعدها أكمّل طريقي، بابتسامة صغيرة، شايلة الوجع جوّاي، ومكملة…
يمكن لسه الأمل جاي، ويمكن الحب الحقيقي لسه مستنّي دوره.
عدّى سبع سنين من يوم ما عمر سافر، وبيت جدي خلاص بقى شبه مهجور.
جدي مات، وعمّي نقل للمدينة، وأنا بقيت الوحدي تقريبًا.
البيت الكبير اللي كان دايمًا مليان أصوات وضحك، بقى فيه صدى خطواتي بس.
كنت كل يوم بعد الشغل أرجع أشرب شاي على البلكونة، أراجع حصص الأطفال في الكشكول، وأبصّ على السما.
يمكن لأن السما الوحيدة اللي ما خذلتنيش.
وفي يوم عادي جدًا، وأنا خارجة من المدرسة، شُفت عربية سودة فخمة واقفة قدّام الباب.
السواق نزل وقاللي:
– آنسة ليلى؟
– أيوه؟
– في حد عايز يقابلك.
– مين؟
– هتعرفي لما تركبي.
قلبي دق جامد، بس ركبت.
العربية مشيت، وأنا مش عارفة رايحة فين.
بعد ربع ساعة تقريبًا، وقفنا قدام كافيه على النيل.
دخلت، ولقيته قاعد… عمر.
نفس الضحكة، بس الملامح فيها تعب سنين.
قام لما شافني وقال:
– إزايك يا ليلى؟
– بخير… وإنت؟
– الحمد لله… شكلك اتغيرتي.
ضحكت بخفوت:
– طبيعي، سبع سنين مش شوية.
سكت لحظة، وبصّلي وقال:
– كنت بدوّر عليكي من فترة.
– عليّ أنا؟ ليه؟
– علشان أعتذر.
الاعتذار ده وقع عليا زي صاعقة.
قلت وأنا بحاول أهرب بعيني:
– مفيش داعي، اللي حصل زمان خلّص.
– لأ، ما خلصش.
قعد تاني وقال:
– نرمين سابتني من سنتين. الجواز ما استمرش. كل حاجة كانت غلط من الأول.
سكت، وبعدها بصّ في النيل وقال:
– يمكن كنت فاكر إني بحبها… بس كنت بهرب من نفسي.
